تحت زخَّات المطر

أدب وفن » دوحة السرد
09 - شعبان - 1423 هـ| 16 - اكتوبر - 2002


بدأ هطول الأمطار خفيفاً.. يبعث في النفس الانشراح والسرور.. وبينما كنت أسير في الشارع المزدحم.. اشتد هطول المطر.. وبدأ الناس في الإسراع ومحاولة الاختفاء.. هرباً من المطر..!

أخذت ناحية الطريق.. وفتحت مظلتي.. وأخذت أرقب حركة النَّاس..

مرَّ من أمامي رجل حسن الهندام.. وسيم الوجه.. لم يؤثر الماء المنهمر على طريقته المتزنة في المشي..

سألته: لم لا تحتمي من المطر كما يفعل الآخرون..؟!

أجاب: ولماذا أفعل ذلك..؟!

قلت: وهل من العقل.. أن تبقى تحت المطر..؟!

أجاب: "أول درجات الحمق أن تعتقد أنَّك عاقل"..!!

قلت:.. ولكن..!!

قاطعني.. وهو ينصرف مولياً: من يخاف زخَّات المطر.. لا يمكن أن يعبر البحر..!

بقيت مندهشاً.. حتى رأيت كهلاً جاء مهرولاً ناحيتي.. اقترب مني كثيراً.. وزاحمني تحت مظلتي..

سألته: من أنت..؟!

قال: ألا تعرفني.؟؟!

...: ربما نسيتك.. الأصحاب كثر.. والأيام ممحاة..!

قال: صدقت.. فنحن ننسى من شاركنا الضحك.. لكننا لا ننسى أبداً من شاركنا البكاء..!!

ثم التفت ناحية الطريق.. وانطلق يجرُّ معه أذيال خيبةٍ بدت على وجهه..!

ساد الصمت بداخلي للحظات.. بدت طويلة.. استرجعت خلالها صوراً كثيراً.. لكن من بين تلك الصور أشرقت صورٌ متعددة.. في محاولة لمعرفة سر تلك الإشراقات في ذاكرتي المنهكة.. أخذت أردد.. بعض الناس كالغذاء النافع.. وبعضهم كالسهم الناقع.!!

لمحت من بعيد.. شاباً يسير بلا مبالاة بما يدور حوله.. كأنَّما هو يسبح في الخيال.. ابتلت ملابسه من المطر والطين.. شعرت نحوه بالشفقة.. ناديته ليشاركني الاحتماء بمظلتي.. جاء بخطوات بطيئة عابثة..

أخذ ينظر إليَّ ويقول..:

أنت محظوظ بهذه المظلة.. فقد عرفت كيف تتصرف جيداً..!!

قلت: الدنيا تجارب..!

أجابني (بابتسامة ساخرة): التجارب يتحدَّث عنها الجميع.. حينما يتحدثون عن أخطائهم!!

همهمتُ.. ما أكثر ما يكتم الناس أفكارهم القيّمة..!

نظر إليَّ مرة أخرى.. ثمَّ قال:

بعض الناس.. مثلي.. لا حظَّ له في الحياة.. فلو اتجرت في الأكفان ما مات أحد.. فلماذا أتعب في الكدّ..؟

علت وجهي الدهشة..

لم ينتظر مني جواباً.. وولى يسير تحت المطر.. بخطوات يائسة..!!

لاحظت أنَّ المطر بدأ يشتد.. وربما لا تصمد مظلتي المتهالكة كثيراً.. بدأت المشي نحو الطريق الرئيسي.. أثناء ذلك رأيت طفلاً يلعب بالطين.. وقد صارت ملابسه وجسمه بلون واحد هو لون الطين.. تساءلت: هل فكَّر هذا الطفل كيف سيواجه تأنيب وصراخ أمه إذا عاد إلى البيت..؟

لم أفكر كثيراً في الجواب... تاكسي... تاكسي...!!

ركبت سريعاً.. قلت له: إلى (يوم الغد).. لو سمحت..!!

    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين

روابط ذات صلة



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...