القصة الفائزة بالجائزة الثالثة في مسابقة القصة

أدب وفن » دوحة السرد
16 - شعبان - 1423 هـ| 23 - اكتوبر - 2002


                           

عندما بدأت ألسنة الظلام تلاحق ما بقي من ضوء النهار بُعيد غروب الشمس  بدأ أفراد الأسرة يدخلون إلى فناء الدار.د خل الصغار ومعهم الأدوات التي عملوا بها طيلة اليوم، ودخل الابن الأكبر "محمد" وهو يسحب البقرة وخلفها عجلها. ثم دخلت الأم ومعها مُهرها. وقبل أن تعالجالأم بوابة الدار لتقفلها تأكدت أن كل الأدوات قد وضعت في أماكنها بعناية. كل من في الدار عرف مكان كل أداة وعرف ما تصلح له من أعمال. كل الأدوات كانت قديمة ولكنها صالحة للاستعمال، فقد استخدمت الأسرة أدواتها الزراعية على أفضل صورة ممكنة مما أبقاها سليمة صالحة للاستخدام.

كل فرد في الأسرة عرف عمله وأتقنه. فإذا فتحت الأم بوابة الدار بعد صلاة الفجر انطلق الجميع إلى أعمالهم, أما الأم فكانت تذهب إلى سوق المدينة لتبيع أسياخ الزنبق التي تجمعهابعناية فائقة وتجعلها في سطلين، تضع كل واحد في عين من عيني الخرج بعد أن تثبته فوق ظهر المُهر. ثم تصعد فوق حجر كبير على شكل أسطوانة لتمتطي ظهر المهر. كان الحجر موضوعاً على الجانب الأيمن لبوابة الدار وكان ملاصقاً للجدار، ويتسع سطحه العلوي لجلوس خمسة أفراد إذاجلسوا للراحة.

كانت أشجار البستان متفاوتة في الطول، فأشجار الصفصاف تقف شامخة على ضفة نهر المليحي، وأشجار الخوخ بدت صغيرة وهي مصفوفة على ضفة نهر بردى.

وفي وسط البستان اصطفت  أشجار التفاح والدراق بشكل بديع يوحي بأن كل ما في البستان قد لقي  ما فيه الكفاية من  العناية.

 أما أشجار الجوز فقد كانت تلي أشجار الصفصاف مباشرة تقبع على حافة الممر الترابي الضيق الذي كان يفصلها عن أشجار الصفصاف. وكان الممر يتسع للمارة من أصحاب البساتين المجاورة الذين كانوا يمرون فوقه مع بهائمهم في ذهابهم إلى سوق المدينة وإيابهم منها. وهو الممرالوحيد في تلك المنطقة التي تسمى "الغيــاض" وهي مجموعة البساتين التي تقع بين نهر المليحي من جهة الغرب ونهر بردى من جهة الشرق.

كل الأشجار التي غرست في جهة الشرق ما كانت عالية، ومعظمها من أشجار الخوخ، أما الأشجار التي غرست في جهة الغرب فهي من أشجار الصفصاف عدا بعض أشجار الحور الفارسي، وهو أجود أنواع الحور وخشبه أقسى من خشب الحور الرومي.

كانت أشجار البستان متدرجة في الطول من الغرب إلى الشرق، وهذا مكّنها من الانتفاع بأشعة الشمس معظم النهار. فإذا بردت أشعتها في آخر النهار بسبب ميلها اختفت وراء أشجار الصفصاف، واكتفت بإرسال بعضا من أشعتها من خلال الأوراق.

اعتمدت صفية على زراعة الورد البلدي الأحمر ذي الرائحة المميزة والزنبق الأبيض الذي اشتهر ببقائه رطباً لفترة طويلة بعد قطافه. كل ذلك كانت سوقه رائجة في المدينة يشتريه الأثرياء لكل المناسبات، فالزنبق الأبيض يباع بالسيخ، والورد البلدي يوزع بشكل دائري حول أسياخ الزنبق الأبيض؛ ليكون باقات جميلة توضع في أماكن بارزةومرئية في قصور الأفراح وفوق طاولات الرؤساء والمسؤولين، وبجانب أسرّة المرضى. ويستخدم البعض أوراق الورد البلدي في صنع المربى ذي اللون الأحمر الشهي. وقد تُغلى أوراقه مع الشاي فتكسبه نكهة منعشة وطعما مميزا.

خصصت "صفية" مساحات صغيرة من البستان لزراعة "الأنكينار" الأرضي شوكي. وهو نوع من الخضار يشتريه الأثرياء ويباع بالحبة، وكلما كانت الحبة أكبر طاب مذاقها وارتفع ثمنها.

أما الجزر الأصفر فموعد زراعته في الشتاء، فهو ينمو داخل التربة هاربا من البرودة والصقيع الذي كان يغطي وجه الأرض صباحاً، فإذا كانت السماء صافية وحميت أشعة الشمس ذاب الصقيع وتسلل إلى باطن الأرض ليسقي ما خبئ في باطنها من ثمار، أما إذا كانت السماء غائمة بقي الصقيع جاثماً على سطح الأرض.

أكثر ما كان يشغل صفية أن تتسلل جماعات الكلاب الداشرة إلى حقل الورد أو حقل الزنبق فتفسد بعضا منها. كانت الكلاب تتجمع ليلا وتنشط صيفا، مما اضطر صفية أن تنام فوق سطح الدار فإذا سمعت نباحاً أسرعت إلى بندقية جعلتها بجانب فراشها وأطلقت منها طلقة واحدة في الهواء وباتجاه النباح، فيسود سكون لا تقطعه إلا نقنقة الضفادع التي اتخذت من نهر المليحي مسكنا لها.

كانت بندقية صفية قديمة ورثتها من زوجها صفوان الذي عمل مع المجاهدين ضد المستعمرين الفرنسيين.

عرف أهل" الغياض" بعضهم بعضاً، وقد اشتهروا بالصدق والأمانة، فإذا حصلت سرقة ـ وهي نادرة الحدوث ـ فالسارق غريب حتماً عن المنطقة، ومن المحتمل أن يكون واحداً من أولئك الذين يأتون للسباحة في نهر بردى وجميعهم من سكان المدينة ومن الأطراف المتاخمة للريف.

كانت الدار حصينة بنيت من الحجارة الكبيرة، وفيها غرف كثيرة، وحولها سور له باب كبير وواسع يعرف بالبوابة، وهو مكون من مردفة واحدة تبذل صفية جهداً كبيرا حتى تدفعها باتجاه الغلق أو الفتح، فإذا حركتها سهل عليها إتمام غلقها في المساء أو فتحها في الصباح. فإذا أغلقتها دفعت المزلاج المثبت في وسطها ليستقر داخل فتحة في الجدار أُعدت لذلك. صنع الباب من الخشب السميك وصفح بصفائح من الحديد من واجهته الخارجية، وثبتت الصفائح بمسامير غليظة لها نهايات مبسطة أكسبت الباب متانة وجمالاً.

بدت الدار وكأنها حصن منيع وسط غابة موحشة، كل من في الدار كان يستشعر الأمان والمنعة.

كانت صفية تسقي البستان من ماء نهر المليحي، وكانت تبدأ السقاية من بعد صلاة الفجر. وقد خصصت لكل حقل يوماً للسقاية، فإذا اكتمل الأسبوع تكون قد انتهت من سقاية البستان كله. لقد تعلمت ذلك من زوجها صفوان الذي عاشت معه في البستان أكثر من ربع قرن قبل أن يموت على فراشه.

كم تمنى أن يموت شهيدا أثناء المواجهات التي وقعت بينه وبين الجنود الذين استخدمتهم فرنسا لفرض سيطرتها على البلدان التي تحتلها وتعمد إلى سرقة ثرواتها. ومعظم هؤلاء الجنود كانوا من بلدان شمال أفريقيا، حيث ساقهم الفرنسيون قهراً إلى مستعمراتهم ليكونوا رأس الحربة في كل المواجهات التي تقع مع الثوار. فقد أساء جنود الاحتلال إلى الأهالي واعتدوا على الأموال والأعراض فجلس لهم الثوار بالمرصاد.

كان صفوان شجاعاً وشهماً. شهد له أصحابه ببطولاته وحكوا الكثير عن مواقفه. فقد استطاع في إحدى  المواجهات مع جنود الاحتلال أن يرد سرية على أعقابها حين خرج جنودها ليتعقبوا الثوار، فتصدى لهم صفوان حيث نصب عمامته وسط تنور وثبتها بإحكام حتى لا تسقط برصاص جنود الاحتلال. فجعل الجنود يضربون إلى العمامة وصفوان في أمان ينتقل من مكان لآخر ويمطرهم بوابل من رصاص بندقيته التي غنمها منهم في إحدى المواجهات. لقد استطاعصفوان أن يوهم جنود الاحتلال أن عدداً من الثوار متمركزون في هذه الناحية، بعد أن أطلق الرصاص عليهم من أماكن عـدة،  فانسحب الجنود حاملين معهم المصابين منهم.

كان مالك البستان رجلاً  صالحاً  يقال له "الآغا" وكان عطوفا على صفية وأولادها. فقد سمح لها بالتصرف بكامل الدار بعد وفاة زوجها، وتنازل لها عن عدد من الغرف كان قد وضع فيها أشياء تستخدم وقت النزهة.

 وعندما كان يحضر إلى البستان يجلب معه أطيب أنواع الأطعمة ويعطي صفية نصيبها من كل ذلك قبل أن يأكل أحد منه، وكم كان سروره عظيما عندما كان يرى الأولاد الصغار وقد علت البسمة شفاههم.

كبر الآغا ووهن عظمه وقل مجيئـه إلى البستان، ولما خشي من تسلط أولاده على صفية وصغارها منعهم من الذهاب إلى البستان، وأطلق يد صفية بكامل الدار. كان أشد أولاده قسوة وعناداً "فاروق"وقد عرف الجميع منه ذلك.

مات الآغا، فحزنت صفية عليه حزنها على زوجها، وأخذت حذرها من شرور أولاده. بدأ فاروق يأتي إلى البستان كل أسبوع ومعه شلة ممن هم أسوأ منه، وكانوا يجلسون بعيدا في الجانب الشرقي من البستان على ضفة نهر بردى.

وفي ضحى أحد الأيام، وكان الوقت صيفاً، وكان الصيف معتدلاً، حضر فاروق مع شلته ومعهم العود والكمان ودخلوا صحن الدار. وراحوا يترنمون ويتحرشون بسارة ابنة صفية الكبيرة التي كانت قد دخلت الدار لتوها لتعد طعام الغداء، حيث إن والدتها ما عادت بعد من السوق. فما كان منها إلا أن دخلت إلى غرفة في الدار وأحكمت إغلاق بابها بعد أن خشيت على نفسها منهم، فقد كانت في العشرين من عمرها وهي على نصيب من الحسن والجمال. ما مضى وقت طويل عندما دخلت صفية من بوابة الدار ممتطية ظهر مهرها، فنظرت إلى الجمع نظرة خاف الخوف عندها، وهاب حد السيف حدها! ثم نزلت وهي هادئة مطمئنة وربطت المهر على معلفه، ثم مشت بخطوات رزينة فيها وقار وسكينة، وفيها عزم وتصميم، وفيها إباء واستعلاء.

ما كلمت أحداً ولا استنصرت أحداً، دخلت غرفتها ثم خرجت وبيدها البندقية مصوبة نحو الجمع المشؤوم، ثم صرخت بهم اخرجوا بسرعة غير مطرودين، سيد الدار يأبى هذا، سيد الدار يأبى هذا. خارت قواهم ورجفت أعضاؤهم  فسقط العود وسقط الكمان على الأرض وانسلوا  مذعورين مدحورين، فعمدت صفية إلى العود والكمان ورمت بهما  خارج الدار.

ما حدث كان مفاجأة أذهلت جماعة الشر وجعلتها تولي الدبر. وعندما أفاق رأس الفتنة فاروق من هول الفاجعة أقسم على الانتقام أمام الجمع المشؤوم. لقد أهانته صفية وأخرجته من الدار صاغراً، فانسل كما ينسل  الفأر لا حول له ولا قوة، وكل ذلك حدث أمام رفاقه ـ رفاق السوء ـ الذين كثيرا ما تباهى أمامهم بأنه يفعل ويفعل ويضرب ويبطش وهو صاحب الأمر وكبير الأسرة.

فهاهو قد خسر الرهان من أول معركة.ومع من؟ مع أضعف خلق الله في نظره. لقد فكر وقدر، ثم قتل كيف قدر. فكر أن يحرق الدار ليلا على صفية وأولادها ولكنه سرعان ما استبعد إمكانية ذلك؛ لأن الدار كلها من الحجارة، ويستحيل على من في خارجها أن يشعل شيئاً منها حتى بوابة الدار صفحت بصفائح من حديد وبدت وكأنها لا خشب فيها.

فكر أن يتسلل ليلاً مع أصحابه ـ أصحاب المشأمة ـ إلى حقل الزنبق فيعمدوا إلى أسياخ الزنبق فيقتلعوها من جذورها حتى لا ينتفع منها أبداً، ثم يدوسونها بأقدامهم القذرة؛ ليحترق قلب صفية على زنبقها الذي سقته بعرقها ودموعها.

راقت لفاروق الفكرة فشاور أصحابه، فزينوا له سوء عمله فرآه حسناً.

كان الليل مظلماً، وكان الظلام شديداً، عندما تسلل فاروق ورهطه إلى حقل الزنبق، وقبل أن يطلق إشارة البدء بالتخريب سمع صوتاً حانياً رقيقاً صافياً يناديه: ماذا عندك يا فاروق؟ وبحيرة شديدة أجاب: لا شيء يا عم صالح، أردت أنا ورفاقي الاستمتاع برائحة الزنبق.

كان بستان العم صالح ملاصقاً لحقل الزنبق. وقد شهد الجميع بورعه وتقواه، كان بكّاء رقيق القلب، يعطي كل من سأله، ويعفو عمن أساء إليه. ما قطف فاكهة إلا تصدق منها حين قطافها، وعندما كان ينزل إلى سوق المدينة ليبيعها كان يتخطفها الباعة؛ لسابق علمهم باستقامة العم صالح،فقد كان يضع حبات الفاكهة الصغيرة على وجه الصندوق والكبيرة الناضجة في الأسفل. لقد أحبه الجميع فقد كان يسعى في إصلاح ذات البين ويتحمل التبعات المادية. ما سمع منه أحد  شكوى ولا تضجر. كان حريصاً على تفقد فتحات المياه التي يستخدمها أصحاب البساتين لري بساتينهم من نهر المليحي، فإن وجد تسرباً سدّه حتى لا يذهب الماء هدراً، وليصل الماء لمن هو في حاجة إليه كما كان يقول دائما.ً

تقدم فاروق من العم صالح وقد تملكه خوف شديد، فعرف العم صالح ذلك منه. ووضع كفه على صدره وقال: اللهم أصلح فاروقاً واجعله من أحب عبادك إليك.

أحس فاروق ببرودة في صدره وطمأنينة في نفسه، وشعر بحب شديد للعم صالح. وفي لحظة مرت على خياله كل الصور المهزوزة للعم صالح فاستبعدها كلها. فقد أبغضه فيما مضى دون سبب؛ مذعناً لقول رفاق السوء فيه، وكوّن عنه صورة بغيضة.

لام فاروق نفسه على أحكامه الخاطئة، بعد أن لمس حب العم صالح للخير، واستيقن رفقه ولينه وأناته.

لقد عزم فاروق على التوبة النصوح، فانكب على العم صالح يقبّل رأسه ويقول: جزاك الله خيراً،  جزاك الله خيراً، لقد انشرح صدري وعرفت الطريق. انه طريقك يا عمي، وسوف ألزمه إن شاء الله ما حييت. فما كان من أصحابه إلا أن فعلوا ما فعل، وعاد الجميع وقد تبدلت أحوالهم.

بدأ فاروق يتردد على العم صالح فلاحظ الجميع أن فاروقاً قد صدق فيما قال، وأصبح من خيرة الشباب أخلاقاً وسلوكاً وأدباً. وقد سرّ ذلك صفية وأحست بنشوة زال معها كل ما كانت تعانيه من هم وغم، فقد كفاها الله شر فاروق وعصابته، بل أبدل شره خيراً فقد أصبح مساعدا على الخير بعد أن كان مفتاحا لكل شر.

أبدى فاروق رغبة في الزواج من سارة ابنة صفية. فقد رغب أن يتقرب من الأسرة، ويكفّر عما بدر منه من إساءة نحوها، وما هي إلا أيام حتى ألّف الله بينهما وعقد فاروق على سارة، وامتلأت العيون فرحة. وعلت الشفاه بسمة، وغمرت القلوب سعادة، وأحست النفوس طمأنينة، وأصبح فاروق الصهر الكريم والابن البار والأخ الناصح، وسكن مع الأسرة وعاش معها حياتها البسيطة الجميلة.

كانت أيام الأسرة متشابهة، فالأعمال تتكرر كل يوم، ولكن الأمل كان ينمو مع نمو أسياخ الزنبق، ومع نضوج ثمار الخوخ والدراق، فما انقطع الأمل أبداً فقد كان عطاء الأرض متواصلا.ً

ما عرفت صفية القيلولة، ولا استرخت للنوم بعد صلاة الفجر طيلة حياتها. فإذا نودي لصلاة الفجر تطوي صفية فراشها ثم تتوضأ وتصلي فوق الحصير، حيث كان الحصير سميكاً فقد أحبته رغم أنه ترك أثراً في ناصيتها.

أحست صفية بوخز في قلبها، وكان يتكرر من فترة إلى أخرى. كتمت ذلك عن أولادها، ما راجعت طبيباً ولا تناولت دواء، فقد كانت تجلس حالما تحس بالوخز ثم تضع كفها بصعوبة على مكان الوخز، وتقرأ ما تيسر لها من القرآن، فإذا زال البأس عنها عادت إلى ما كانت عليه من شأن.

صلت صفية صلاة العشاء ثم اضطجعت كعادتها على جنبها الأيمن، فأحست بالوخز في قلبها، وكان الوخز شديداً، سمعت نباح الكلاب فما استطاعت القيام. أسرعت سارة لتستطلع الخبر؛ فما من عادة أمها أن تترك الكلاب تنبحوتتجمع  في حقل الورد أو حقل الزنبق، فوجدت أمها مضطجعة على جنبها الأيمن وقد وضعت كفها على صدرها من جهة القلب. ما استطاعت الأم الكلام فأومأت إلى ابنتها برأسها، فعرفت سارة ما أرادت أمها، وأخذت البندقية وأطلقت طلقة في الهواء ساد بعدها سكون. جلست سارة أمام أمهاعلى ركبتيها، وراحت تتحسس جسم أمها، فأحست ببرودة في أطرافها، وضعفاً في نبضها، فنادت فاروقا. أسرع فاروق إلى السطح، وعندما رأى صفية على تلك الحالة انكب عليها وراح يقبّل رأسها ويشد على كفيها. وبعد أن طلب من سارة أن تخرج المهر حمل فاروق صفية فوق ذراعيه القويتين، وبكل عناية نزل على الدرج، حيث كانت سارة ممسكة بعنان المهر في أسفل الدرج. امتطى فاروق صهوة المهر وصفية محمولة فوق ذراعيه، وأمسك بعنان المهر بأصابع يده اليمنى. انطلق المهر فوق الممر الترابي الوحيد والضيق نحو المدينة فقد عرف طريقه. فهو قد جرى فوقه مرات ومرات، وكان كلما وصل إلى المنطقة الضيقة جداً بين نهري بردى والمليحي خفف من جريه فإذا وصل إلى نهايتها عاد إلى ما كان عليه. 

 لقد سقط الكثيرون أثناء مرورهم على هذا الممر الضيق جداً، ولكن سقوطهم كان في الماء فما حصل عليهم بأس، وكانوا كلهم من الغرباء الذين جاؤوا لزيارة أقرباء لهم من أهل البساتين.

لم يشهد أحد سقوط بهيمة أبداً، فكأن البهائم أشد حرصاً من بني البشر.

ما إن وصل فاروق إلى باب الطوارئ في مستشفى المدينة حتى أسرع كل من في الداخل لمساعدته، فقد كان منظره مؤثراً، وكان التأثر بالغاً. وسرعان ما أدخلت غرفة الإنعاش وظل فاروق واقفا خلف باب الغرفة الزجاجي ينظر عملية إنعاش صفية.

نسي فاروق نفسه، وكان همه الوحيد أن يقدم كل ما يستطيع لمساعدة صفية، كان الليل قد انتصف عندما خرجت الممرضة لتقول لفاروق: لقد تحسن نبضها وبدأت تستعيد قوتها. وأخبرته بأنه لن يسمح لها بالخروج إلا بعد أن يطمئن الطبيب أن الوعكة قد زالت عنها.

غمرت فاروق سعادة ما عرفها طيلة حياته، فهذا أول اختبار له، لقد كان صعباً فأعانه الله على اجتيازه، وهاهو يعود بحمد الله إلى سارة بعد أن قام بأفضل ما يمكن أن يقوم به رجل في مثل  هذا الموقف.

وفي اليوم التالي.. وفي أول وقت الزيارة.. تجمع أفراد الأسرة أمام باب غرفة الإنعاش الزجاجي والبسمة قد علت شفاههم الصغيرة، ينظرون إلى أمهم وهي جالسة في السرير، فراحت تحييهم وتبتسم لهم.. بسمة فيها كل الحب وكل الحنان، وفيها كل الصبر وكل الرضا، وبعد أيام عادت سيدة الدار إلى بستانها ومِن حولها قلوب غمرتها السعادة، وانطلقت ألسنة الصغار والكبار بحمد الله أن منّ على أمهم بالشفاء.

سمع الجميع صهيل المهر ووقع أقدامه عندما راح يصهل ويجري داخل الزريبـة،أسرعت صفية وفتحت له الباب، فجرى مسرعاً ووقف بجانبها ومدّ برأسه فوق كتفها، وصهل صهيلاً خفيفاً، فوضعت صفية كفها فوق عنقه، فهدأ المهر وسكن. كان مشهداً يثير الإعجاب، حيث لاحظ الجميع حنين المهر إلى سيدة الدار!





روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...