القصة الفائزة بالجائزة الثانية في مسابقة القصة

أدب وفن » دوحة السرد
01 - شعبان - 1423 هـ| 08 - اكتوبر - 2002


بدايته جزء من بدايات كثيرين غيره..

ماضيه سحيق، وحاضره صرخات أسرى معذبين تؤرِّق مضجعه ليل نهار..

كم كان يخشى ذلك اليوم الذي يدخل فيه ضمن عداد المعتقلين.

أهون عليه لو قتل بدلاً من انتشال أياديهم الحقيرة له أمام أمه المقعدة، وزوجته الوادعة..

تلك الإنسانية التي أحبَّها منذ نعومة أظفاره حباً سامقاً متجذراً في أرض الفضيلة، كهذه الشجرة التي يتأملها دائماً من خلف نافذة الزنزانة.

ما أعظم شجرة حبنا الطاهرة، المسقية بماء العفة، والمثمرة بجنين يتحرك الآن في أحشاء أمه..

ترى ما مصير هذا الطفل؟

هل خرج للحياة؟

هل فتح عينيه على البؤس والرماد؟

كم أتمنى لو أمسح على جبينه، وألثم براءته، وأغني له أنشودة السلام..

لا، لا.. ليته لا يخرج لقسوة الحياة التي ستصفعه كغيره من أبناء هذا الوطن الشريد..

صفعة حقيقية هوتْ على صدغه من كف جلاّد تعرَّى من كل معنى للإنسانية..

ـ ما بالك توقفت عن العمل؟

 إلى أين وصلت بك الأحلام؟ انطق.

أمسك حازم بتلابيب الجلاد، وزجَّ به نحو الجدار، لكنه ندم!!

"يا ألله! أي حماقة ارتكبت؟ اليوم موعد الزيارة، وسأحرم مجدداً من رؤية سلمى".

أشهر الجلاّد سوطه، وتوالت ضرباته تترى على ظهر نحيل منهك.. وفراراً من ألم الضربات، هاجر بفكره إلى أسرته الصغيرة.. ألم أمه، وأمل زوجته في حياة هانئة يملؤها الأمن والحب..

"لقد قدمتْ الأمن على الحب، تلك هي سلمى.. دائماً تجري رياحها بما لا تشتهي سفنها!"

اشتدَّ ضرب الجلاد، واستلذ سوطه بامتصاص عرقٍ قد مُزج بدمٍ قانٍ.

تسارعت أنفاسه، وبدأ أنينه يظهر من حلقه رغم محاولة كبته..

كان بوده لو يمسك بالسياط، ويلفه حول رقبة هذا الذي لا يرحم.. لكن يجب عليه أن يحتمل ما دام يطمع في لقاء زوجته هذه المرة.

ما ذنب قدميها؛ يتعبها المسير الطويل إلى السجن كي تراه فترجع بخُفَيّ حُنَيْن؟!

ما زال الجلاد يمارس ساديته على ظهره، وما زال هو يتصبَّر.. إلى أن كلَّتْ يده القابضة على السوط بشدة..

توقف فاستلم لسانه مهمة التعذيب!!

ـ كلب متمرد أنت ياحازم، وستظلّ هنا إلى الأبد تملأ الزنزانة برائحة دمك النتنة، ثم بصق في وجهه.

لم يأبه بسيل الإهانات الجارفة نحو جسده وروحه؛ فلقد سكنت مخيلته صورة لرضيع يناغيه ويداعبه ويقلده وسام العزة، ذلك الشيء الوحيد الذي سيورثه له.

سيسميه "معتز".. نعم "معتز بن حازم"، ليظلّ شامخاً طوال حياته.

اخترق صوت المنادي آذان المعتقلين "موعد الزيارة قد حان".. لاحت في عينيه دمعة فرح تغلبت على دموع الحزن التي ملأت حياته، فكم تلهَّف لرؤية زوجته والهدية الجديدة التي ستحملها له.

شدَّ الجلاّد شعره : لن تذهب هذه المرة أيضاً.

جثا حازم على ركبتيه مستعطفاً إياه، وانكفأ على قدميه يقبلهما.

دهش الجلاّد!!

أومأ بالموافقة؛ لا رحمة بحازم، وإنَّما نشوة الانتصار أسكرت رأسه.

انضمَّ مسكوناً بالخوف مع صفوف المعتقلين الميممين وجوههم شطر مكان الزيارة..

تعثرت خطواته.. تارة يتقدَّم، وأخرى يتأخر.

خشي رؤية الفجر الجديد الذي قد لا تشرق عليه شمس العذاب والحرمان.

أدار ظهره قافلاً للزنزانة.. لكن وقف في طريق عودته بكاء طفل لم يسمعه قط، لكن حبال عبراته تشدّ نياط قلبه.. اقترب أكثر نحو الصوت، فسمع زوجته تهدهد الطفل..

أدرك أنه صوت ابنه.. ركض مسرعاً نحوهما.. رآهما أخيراً.. كانت تحمله ووهج النور الساطع يشعُّ من جبينه الصغير، وابتسامة افترَّ بها ثغر زوجته مسحت كلّ ما تبقى من قلقٍ منزوٍ في دهاليز نفسه..

اقترب أكثر..

حاول تقبيل الصغير، فوقف الشبك الأسود حائلاً بينهما.



*القصة الفائزة بالجائزة الثانية في مسابقة القصة القصيرة بموقع لها أون لاين



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
قصة ممتازة لغة وموضوعا وبناء فنيا

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...