إنسانية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في فتح مكة

دعوة وتربية » نوافذ
27 - رمضان - 1424 هـ| 22 - نوفمبر - 2003


إنسانية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في فتح مكة

الأستاذ الدكتور جابر قميحة*

 

على مدى ثلاثة عشر عامًا ظل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو قومه إلى الدين الحق، ولم يستجب إليه إلا القليل، وكان أغلبهم من الفقراء والعبيد والمستضعفين، وتحمَّل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو وأصحابه من الأذى ما يفوق طاقة البشر إلى أن أذن الله له وللمسلمين بالهجرة، وفي المدينة أقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دولةً تقوم على الحق والخير والأخوة والبر والرحمة والإنسانية، وكان بينه وبين قريش معارك ضارية، انتصر في أغلبها إلى أن كان صلح الحديبية في العام السادس من الهجرة.. ومن نصوصه: قيام هدنة لعشر سنوات، وإعطاء الحق للقبائل في الدخول في حِلف أحد الطرفين؛ فدخلت قبيلة (بكر) في حلف قريش، ودخلت قبيلة (خزاعة) في حِلف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن قريشًا أغرت رجال (بكر) بـ(خزاعة)، وحرضتهم عليهم، واشتركوا معهم في قتل رجال من (خزاعة) غدرًا؛ فانطلق "عمرو بن سالم الخزاعي" إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنشد بين يديه شعرًا يشرح فيه غدر قريش وخيانتها ونقضها لعهد الحديبية، فقال: "نُصرت يا عمرو بن سالم".

وأمر ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالزحف إلى مكة، فغادر الجيش الإسلامي المدينة في العاشر من رمضان سنة 8 هجرية، ودخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجيشه (الذي بلغ عشرة آلاف) مكةَ في مطالع الأسبوع الأخير من رمضان.

ومن المدينة إلى مكة نواكب أعمال الرسول ـ عليه السلام ـ وأقواله، فنجدها جميعًا ـ دون استثناء ـ تتدفق بالإنسانية الحانية، بعيدًا عن الصلف والغرور ومشاعر الانتشاء التي تستبد بالقادة في مواقف النصر، ونشير في هذه العجالة إلى بعض المواقف النبوية الإنسانية:

لقد كان ضمن الجيش الزاحف ما يُسمَّى بـ"الكتيبة الخضراء" أو "كتيبة الحديد" (وهي كما نسميه اليوم "الكتائب المدرعة")، وكان عليها "سعد بن عبادة" الذي أخذه شيء من الزَّهْو، فصاح: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحَل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا"، فغضب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأعطى الراية لـ"علي بن أبي طالب"، وقال: "لا يا سعد، بل اليوم يوم الرحمة، اليوم تُقدّس الحرمة، اليوم أعز الله قريشًا"، وبينما كان الجيش يزحف إلى مكة رأى (كلبة) تُرضع أولادها، فخشي أن يَسحقها الزاحفون دون أن يشعروا، فأمر "جعيل بن سراقة" أن يقوم حذاءها؛ حتى لا يعرض لها أحد من الجيش ولا لأولادها، وأمر المسلمين أن يدخلوا مكة بروح الموادعة والرحمة والمسالمة بلا قتال.

ووسع الملاذ لمن يريد الأمان من المشركين فأعلن ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من دخل داره فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن".

ودخل مكة في تواضع عجيب؛ حيث كان يركب ناقته القصواء وقد أحنى رأسه على رَحله تواضعًا، حتى كادت تمس لحيته الرحلَ من شدة التواضع، وهو يقول: "لا عيش إلا عيش الآخرة...".

وأراد "فضالة بن عمير الليثي" أن يغتال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أثناء طوافه، فكشف الله للنبي خبيئته، وعفا عنه بعد أن أعلن إسلامه، ودعا له بالخير.

ورفض عرض "علي بن أبى طالب" ـ كرم الله وجهه ـ بأن تكون الحِجابة لهم، وقد انتزع "علي" ـ رضي الله عنه ـ مفتاح الكعبة من "عثمان بن طلحة" ـ سادنها في الجاهلية ـ فأخذ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المفتاح، وأعاده لـ"عثمان"، وأبقى سدانة البيت له ولقومه، وقال: "هاك مفتاحك يا عثمان، فاليوم يوم بر ووفاء"، وأعلن العفو العام عن قريش بمقولته الكريمة المشهورة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

وأعلن في خطابه لأهل مكة أصولَ القيم الإنسانية العليا: "أيها الناس، لقد أذهب الله عنكم نخوة الجاهلية, وتعظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: بَرٌّ تقيّ كريم على الله, وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب... {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ..} (الحجرات : 13).

حقًّا، لقد كان فتح مكة فتحًا حقيقيًّا لآفاق من الخير والحقّ والبر والنور والإنسانية! فعليك الصلاة والسلام، يا رسول الله.

----------

* أستاذ الأدب العربي- جامعة عين شمس



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...