مسندة خرسان .. زينب الشعرية

وجوه وأعلام
02 - ربيع الآخر - 1423 هـ| 13 - يونيو - 2002


هي زينب بنت أبي القاسم عبدالرحمن بن الحسن بن أحمد بن سهل بن أحمد بن سهل بن عبدوس الجُرجاني الأصل، النيسابوري الدار، الصوفي المعروف بالشعري. تكنى "أم المؤيد" وتدعى "الحُرة". من أهل نيسابور. فيها ولدت سنة 524 /1129 وبها نشأت وترعرعت وعندما كبرت تزوجها النجيب محمد بن علي ولها منه المؤيد وابنتها بيبي. توفيت بمدينتها "نيسابور" في جمادى الآخرة سنة 516هـ/1218م ولها 91 سنة.

عاشت "زينب" حياة طويلة امتدت لأكثر من تسعة عقود من الزمن قضتها كلها في مدينتها "نيسابور". مهدُ نشأتها وطفولتها وشبابها ثم شيخوختها ووفاتها. وهي مدينة عظيمة في إقليم "خراسان" ، وتقع اليوم في إيران، فتحت في عهد الخليفة عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ على يد القائد العربي "عبدالله بن كُريز" سنة 29هـ/649م. ومنذ ذلك الوقت نزح إليها الكثير من العرب واستقروا بها واتخذوا مواطن لهم فيها.

والمتتبع لتاريخ المدينة منذ بداية الفتح الإسلامي حتى أوائل القرن 7هـ/13م يلمس بوضوح أنها كانت من أمهات مدن العالم الإسلامي، ومركزاً نشطاً من مراكز العلم والثقافة والتجارة في مختلف العصور الإسلامية.

ويكفي أن نشير هنا أن نظامية نيسابور التي أنشأها الوزير السلجوقي "نظام الملك" في حدود سنة 450هـ/1087م ، أي قبل نظامية بغداد بعدة سنين كانت تُعد ثانية النظاميات من حيث الأهمية والخدمات العلمية التي تقدمها. وقد تخرج فيها العدد الكبير من الطلبة والعلماء في نيسابور وخراسان، ومن وفد إليها من مدن العالم الإسلامي الأخرى.

كما اضطلعت المساجد والجوامع في نيسابور بخدمات كبيرة في نشر العلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية وآدابها إلى جانب مسؤولياتها الدينية. وقد احتل مسجد عقيل الصدارة في ذلك، وكان مجمعاً لأهل العلم وفيه خزائن للكتب الموقوفة ويُعد من أعظم منافع نيسابور. هذا فضلاً عن الربط والزوايا والخوانق ودور العلماء.

ومن الطبيعي أن يضطلع بالنشاط الفكري والثقافي في تلك المراكز جمع كبير لا يحصى عدده من العلماء والشيوخ، رجالاً ونساء. وكان "الحاكم أبو عبدالله محمد بن عبدالله النيسابوري" المتوفى سنة 405هـ/1014م قد جمع تاريخ علماء نيسابور في ثمانية مجلدات ضخمة، وسماه "تاريخ نيسابور"، ذيل عليه "أبو الحسين عبدالغافر بن إسماعيل الفارسي النيسابوري" المتوفى سنة 529هـ/1134م كتاباً سماه "السياق لتاريخ نيسابور" وهو في مجلد ضخم.

وسط هذه البيئة العلمية والحركة الثقافية النشطة التي شهدتها نيسابور نشأت زينب الشعرية وترعرعت، تعلمت، وعملت، حتى بان فضلها ، وتألق نجمها في الحركة الفكرية والثقافة العلمية الواسعة التي شهدتها نيسابور خاصة وخراسان عامة خلال القرن 6هـ/12م وحتى أوائل القرن 7هـ/13م.

أجمع المؤرخون الذين تناولوا السيرة الذاتية لزينب الشعرية أنها كانت شيخة صالحة، وعالمة فاضلة، ومحدثة جليلة، مكثرة، معمرة. ويقول "ابن الصلاح" المتوفى سنة 634هـ/1245م: "وكان حظ أهلها وافراً من خدمة الحديث".  مما يدل على نشأتها في وسط أسرة علمية تخصصت في الحديث النبوي الشريف وخدمته كثيراً. فأبوها هو الشيخ الصالح "أبو القاسم"، وأخوها المحدث "أبو الحسن عبدالرحيم بن أبي القاسم عبدالرحمن"، كان رجلاً ثقة، صالحاً مكثراً، صحيح السماع، سمع صحيح مسلم من أبي عبدالله الفراوي ورواه عنه، كما سمع كتباً أخرى كثيرة من غيره ورواها عنهم، منها: كتاب "السنن والآثار" وقد رواه عن عبدالجبار الخواري، و"الموطأ" لمالك بن أنس، وقد سمعه من السيدي ورواه عنه، و"السنن الكبير" ورواه عن عبدالجبار الدهان، و"شعب الإيمان". وروى طلبة العلم عنه وانتفعوا به، وكان من بينهم أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي الكلبي، المتوفى سنة 633هـ/1235م، وهو من أهل "ميورقة" من بلاد الأندلس.

وعلى الرغم من قلة المعلومات الواردة عن بداية نشأتها وحياتها الأولى في الدراسة والتحصيل العلمي، فإن ما ورد من إشارات يؤكد بما لا يقبل الشك عناية زينب واهتمامها بتلقي العلوم الإسلامية، وعلى وجه الخصوص الحديث النبوي الشريف. وإن تلك العناية كانت مبكرة، وتمثل امتداداً متواصلاً لعناية أفراد أسرتها واهتمامهم. وبتعبير آخر فإنها سارت على خطى أهلها في خدمة الحديث. ولو لم تكن عنايتها مبكرة وسعيها متواصلاً لما بلغت المنزلة العلمية التي أهّلتها أن تكون عالمة فاضلة، ومحدثة جليلة، تميزت بين أقرانها المحدثين المعاصرين بالسماع الصحيح، والإسناد العالي، وتفردت بروايته حتى صارت مُسندة عصرها في خراسان. وعندما توفيت تركت فراغاً كبيراً في تدريس علوم الحديث لم يشغله أحد و"انقطع بموتها إسناد عال" كما يقول الذهبي.

المتتبع لسيرة زينب العلمية يلمس بوضوح اهتمامها بتلقي الحديث النبوي الشريف وتتبع رواياته، وأنه كان يتم وفق طرق تلقي الحديث وأصول الرواية على العلماء والشيوخ الأعيان في عصرها. وأن هذا الاهتمام رافقها منذ الطفولة. فهي لما تزل في سني عمرها الأولى وقد سمعت من الشيخ إسماعيل ابن أبي القاسم النيسابوري المتوفى سنة 524هـ/1129م جزء ابن نُجيد السلمي. ولما كانت هذه السنة هي السنة ذاتها التي ولدت فيها، ولما كان السماع يمثل أعلى درجات التحمل وأرفعها وأقواها، ويُعد عند العلماء المسلمين من بعد الخامسة من العمر، فمن المحتمل أن يكون سماعها للحديث بإفادة والدها أو أحد أقاربها وهو ما يطلق عليه "الحضور". وهو من التقاليد الرفيعة عند المسلمين في إحضار أولادهم وتسميعهم الحديث منذ الطفولة، إذ كان من عادة الآباء ـ  وبخاصة العلماء ـ  العناية بتربية أبنائهم من البنين والبنات منذ الصغر، يصطحبونهم إلى مجالس كبار الشيوخ والعلماء بغية السماع والإفادة وتثبيت ما يقرأ عليهم، واستحصال الإجازات العلمية لهم؛ لتكون أصلاً للرواية والإسناد فيما بعد. وكان الهدف من ذلك تنشئة الأبناء التنشئة الإسلامية الصحيحة القائمة على الفضيلة والأخلاق الحميدة والمتسقة مع مبادئ العقيدة الإسلامية؛ لأن الدين النصيحة، والدين هو العلم، وهو واجب وفرض كفاية؛ عملاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "طلب العلم فريضة على كل مسلم".

ومن الطبيعي أن يكون هذا الطريق سبيلاً لإعداد أبناء صالحين يقتفون آثار آبائهم وأجدادهم، ويسيرون على خطاهم في طلب العلم والمعرفة ونشرها بين الناس.

وسماع زينب من شيخها إسماعيل هذا لم ينحصر في مرحلة الطفولة فقط، ومن المحتمل جداً أن يكون والداها أو أحدهما قد واصل متابعتها في التحصيل والدراسة لموارده الفكرية، حتى تمكنت من حفظ مسموعاتها منه، أو استيعابها بشكل صحيح، بدليل أنها حدثت عنه – فيما بعد – بما سمعته منه. والحديث عنه لا يمكن أن يتم في السنة ذاتها التي سمعت بها، وإنما من بعد الخامسة من عمرها على أقل تقدير، وهو ما حصل على الأرجح.

أما أستاذاها مُسنداً الحديث آنذاك، وهما "زاهر بن طاهر الشحامي النيسابوري" المتوفى سنة 533هـ/1138م و"فاطمة بنت علي البغدادية النيسابورية" المتوفاة سنة 532هـ/1137م، فإن ما ورد من إشارات تدل على أن سماعها منهما كان وهي في السنة التاسعة من عمرها أو دونهما بقليل. وهكذا واصلت زينب سعيها الدؤوب وجهدها المتواصل في السماع والرواية وهي في عمر 11 سنة و12 سنة و14 سنة و17 سنة و25 سنة و29 سنة أو دونها بقليل   مما وقفنا عليه في أخبارها. وكان آخر من روت عنه الشيخ محمد بن علي بن محمد بن أبي القاسم الطوسي الشافعي المتوفى سنة 570هـ/1174م، وعمرها آنذاك 45 سنة، وربما دون ذلك بشهور.

ومن الجدير بالملاحظة هنا أن العلامة الكبير "محمود بن عمر الزمخشري" قد أجاز لها الرواية عنه وهي في عمر 14 سنة وربما دون ذلك ، وكان من جملة روايتها عنه حديثاً من المحامليات. ولم تشر المصادر التي تناولت سيرتها العلمية إلى أنها سمعت منه. وبتعبير آخر: لم تتصل به، ولم تحضر مجلس سماع عنه مباشرة، ولكن من المرجح أن يكون هناك من أفادها بإجازته لها عندما ورد خراسان. فهو ما كان يدخل بلداً إلا واجتمعوا له وتتلمذوا عليه. وفي هذا دلالة على قدرتها العلمية وكفايتها الشخصية، كما يدل على ثقة الزمخشري العالية بمروياتها ومستقبلها العلمي؛ لذلك لم يتردد في إجازتها بالرواية عنه رغم صغر سنها.

هذا من جانب، ومن جانب آخر لم تنحصر إفادة زينب من شيوخها لوحدها، ومهما كانت وسيلة الإفادة، إنما امتدت كذلك إلى أولادها أيضاً. وهي في هذه الحالة إذاً لم تكن إفادتهم بحضورها وإياهم في مجلس الشيخ، فمن المحتمل جداً أن تكون إفادتهم بروايتها إليهم. أي رواية ما انتفعت به من مرويات شيخها. كما ورد في أخبار الشيخ الفقيه الإمام ناصح المسلمين "أبوبكر محمد بن علي بن محمد بن أبي القاسم الطوسي الشافعي". فقد أشار الذهبي إلى أن زينب روت عنه، وكذلك ابناها المؤيد وبيبي، ولدا النجيب محمد بن علي.

وقد أحصينا من أعيان العلماء والشيوخ الذين أدركتهم زينب في عصرها وتتلمذت عليهم حصراً بطرق السماع والرواية والحديث والإجازة، سواء أكانت مجتمعة أو منفردة فبلغ العدد 17 شخصاً، منهم 14 رجلاً و3 نساء، جُلهم كان في زمانه: شيخاً جليلاً، معمراً، ورجلاً صالحاً صائناً، وفقيهاً عالماً، وإماماً مفتياً، وصدوقاً عدلاً، وعلامة قدوة، ومحدثاً مسنداً، ثقة فيما يروي، صحيح السماع، قرأ القرآن وكان مواظباً على الجماعة، وممن اشتغل بالعلم والثقافة، ورحل في طلب الحديث، وألف، وصنف، وأملى، وكان رأساً في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، وإمام مسجد أو جامع وممن ولي الخطابة بمدينته، وكان من بيت العلم والحديث، أو بيت العدالة والرواية، واتصف بالديانة، والتقى، وكان حسن الأخلاق، سديد السيرة ومن أهل الخير والصلاح والعفاف.

على أن معظمهم كان من نيسابور باستثناء أربعة منهم: الأول كان من قرية "زمخشر" في "خوارزم" وهو العلامة الزمخشري، وقد روت زينب عنه بالإجازة. والثاني من "أصبهان" وهي المسندة فاطمة البغدادي. والثالث نزيل نيسابور. فيما لا يعرف الرابع إلى أية مدينة ينتمي. ويرجح أن يكون من خراسان. وفي كل ذلك تأكيد على أن دراستها وتحصيلها العلمي طوال حياتها كان في مدينتها نيسابور، ولم ترحل إلى خارجها، إنما انتفعت بمن وفد إليها من العلماء والشيوخ.

وتنحصر وفيات أولئك العلماء والشيوخ الذين تتلمذت عليهم زينب بين سنة 524هـ/1129م، وهو تاريخ ولادتها وسنة 570هـ/1174م، أي قبل وفاتها بـ45 سنة. وهذا يعني أن مرحلة التلمذة والتحصيل الدراسي في حياة زينب (أي مرحلة الأخذ والانتفاع بعلوم الشيوخ) امتدت منذ طفولتها وحتى سن 45 من عمرها، مما يرجح القول بأن المرحلة اللاحقة من حياتها وحتى وفاتها كانت عطاء وإفادة للآخرين.

ومع ذلك لم يقتصر سماع زينب على أولئك العلماء والشيوخ والحفاظ ممن بزوا أقرانهم وسادوا زمانهم في الحديث والرواية والسماع والإجازة، إنما هناك آخرون غيرهم لم يُصرح المؤرخون بأسمائهم. وقد وردت ألفاظ عديدة تدل عليهم كقولهم: "وغيرهم" و"وغيرهما من السادات والحفاظ" و"وغيره من الحفاظ والعلماء"   و"وطائفة"  و"وخلق كثير".

ومع أن هذه الألفاظ تأتي مطلقة وعامة دون تحديد في أبعادها الزمانية والمكانية، فإنها تؤكد بما لا يقبل الشك أن أولئك العلماء الذين ورد ذكرهم صراحة لم يكونوا وحدهم ممن تتلمذت عليهم زينب وانتفعت بعلومهم؛ إذ كان إلى جانبهم آخرون غيرهم.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...