لها أون لاين » كتاب لها » حينما تنعطف الجيادُ من كبوتها ! (1)

تقييمك للمقال
  • حاليا 5/3 نجمات.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
(83 صوت)
05 - رجب - 1431 هـ| 17 - يونيو - 2010

حينما تنعطف الجيادُ من كبوتها ! (1)

حينما تنعطف الجيادُ من كبوتها !  (1)
حينما تنعطف الجيادُ من كبوتها ! (1)

      لَكم رأينا في سير العلماء وأهل الحق والنصَفة، من يتمنى أن يجري اللهُ الحق على لسان خصمه، ثم لا يجد غضاضةً أن يكون نصيرًا له، وأن يصير مؤيدًا له، وقد انبلج نور الحق، واستبان الخطأ من الصواب، ولا امتراء أنهم تخرَّجوا في مدرسة محمد – صلى الله عليه وسلم -، وذلكم هو التجرد للحق، والأوبة الصادقة للصواب، فالكيس إنما يسعى نحو الحقيقة متجردًا من الأهواء، مُستخلصًا قلبه من حظوظ النفس، مدركًا أن من تواضع لله رفعه، ومن لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن الله كتب ليهدين الذين جاهدوا فيه، وبذلوا وسعهم في التحصِّل على الحقيقة.

ولقد ذرأ الله كثيرًا من هذا الصنف في أمة الإسلام، فلا عجب إن رأيتَ منهم الإمام أبي حامد الغزالي الذي أمضى دهرًا من عمره في أفكار خاطئة، ومناهج باطلة، نافح عنها حقبةً من الزمان، فلما أن توصَّل إلى السبيل النقية، لم يمنعه ضميره أن يكون سيفًا صلتًا لقطع رؤوس المعتقدات التي كان ينافح عنها يومًا ما.
وهذا أبو الحسن الأشعري (ت 330هـ) ، الذي تقلَّب على بساط المذاهب، يمنة ويسرة، فعاد من مذهب المعتزلة إلى مذهب الأشعرية (التي أسَّس أصولها) ، ثم رجع منها إلى مذهب الكُلاَّبيَّة (نسبةً إلى عبدالله بن سعيد بن كُلاَّب القطَّان)، ثم يهدم كل هذا، وينتسب إلى إمام أهل السنة أحمد بن حنبل كما ذكر ذلك في كتبه؛ كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها. فكان من الذين تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا، كما نحسبه، والله حسيبه.
لقد ظل الرجلُ يعلِّمُ الناس أصولَ المعتزلةِ نحو عشر سنين في العراق، ولكنه انقلب عليهم حين بلغ الأربعين من عمرهِ، وتحول من كونه إمامًا لهم إلى خصمًا عنيدًا، يهاجمهم بسلاحهم الأقوى، سلاح المنطق، وقد كان لأبي الحسن الأشعري، أثرٌ عظيم في انتصار مذهب أهل السنة في عصره .
ومن قبلُ، منهم عبد الله بن سلام – رضي الله عنه – وقد كان حبرًا من أحبار اليهود، فلم تمنعه زعامته الدينية من اتباع الحق، حتى لو على حساب تلك الزعامة، بل هو الذي فضح اليهود في قضية رجم الزاني المحصن.  وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : "وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " [الأحقاف10].

جزاء الذين لم يرجعوا ...
قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }[البقرة159]
أي: إن الذين يكتمون الحق، الذي أمر الله بإظهاره، أولئك يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون من عباد الله!
أي: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من الآيات الجليات، والأحكام التي أنزلها الله لتبصير الناس بطريق الهداية ـ إن الذين يكتمون هذه الحقائق من بعد ما وضحها الله في "الكتاب" ؛ أولئك يطردهم الله من رحمته، ويستجيب فيهم من دعا عليهم باللعن.
كما أن الملائكةَ وأهلَ السماوات والأرض، حتى النملةَ في جحرها، وحتى الحوتَ يصلون على معلم الناسِ الخير، فإنهم كذلك يلعنون من يكتم الناسَ الحق الذي أنزله الله وبينه.
كاليهود الذين كتموا ما أنزل الله من أحكام، وقال تعالى فيهم:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }[البقرة146].
والنصارى الذين كتموا بشارة المسيح ببعثة النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ .
وهناك صنف أشد إثمًا، وهو ذلك الذي يتكسب من إضلال الناس، وهو يعلم الحق ويكتمه، وقد قال الله في هذا الصنف: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[البقرة174].

الترغيب في العودة إلى الحق:
يقول الله تعالى– يفتح باب التوبة لهؤلاء - :{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }[البقرة:160]
فملعونٌ من كتم الحق! مبعودٌ من أخفى حُكمًا من أحكام الله ـ إلا الذين تابوا من هذا الذنب الضخيم، وأصلحوا ما أفسدوه، وبينوا ما كتموه، فأولئك أتوب عليهم، وأتجاوز عن ذنوبهم، وأنا التواب: أتوب على من أصلح بعد الإفساد .. وأنا الرحيم بالعائدين إلى التوبة والإصلاح والتبيان.
وكذلك تكون توبة العلماء . كيما يعلمُ العلماء أن جريمة كتم الشرع من أكبر الذنوب، والعودة إلى رضوان الله تعالى ـ بعد هذا الوزر الغليظ ـ تكون على ثلاث مراحل: توبة و إصلاح وتبيين.
عوائق المراجعة:
ولا شك أن طريق العودة من رحلة خائبة لهي طريقٌ شاقةٌ على النفس، صعبةٌ على القلوب، فالإنسان إذا ما سار في سبيل توصله من محطة خير إلى محطة خير، ومن نجاح إلى نجاح، فإن ذلك يعطيه دفعة للمواصلة، ويُكسبه عزمًا ليمضي قدمًا في طريقه.
أما إذا قطع شوطًا في سبيل معوجة، وأمضى دهرًا يخدم فكرةً فاسدة، فلا امتراء أن الرجوع لا يصدر إلا من نفوس متجردة صادقة في البحث عن الحق.

ولكن هناك معوقاتٍ قد تقف في طريق المرء وتحول دون الرجوع إلى الجادة، ومن تلك المعوقات:
 
1ـ الحرص على الزعامة:
لطالما لم يرضخ للحق كثير من الناس، بسبب حرصهم على زعامتهم في أقوامهم، وأقرب مثال على ذلك، زعماء اليهود، الذين يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم، ويكتمون الحق وهم يعلمون، (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ).
يقول الإمام ابن تيمية في قول موسى عليه السلام لفرعون – وهو زعيم قومه - (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاَءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ): "دل ذلك على أن فرعون كان عالمًا بأن الله أنزل الآيات، وهو من أكبر خلق الله عنادًا وبغيًا، لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه".
وقد قال الله عن الفراعنة، وقد كانوا قادة الدنيا في زمانهم: "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا" [النمل14].

2ـ الخوف من الابتلاء:
ومنهم من يمنعه خوفه من المحنة، أن يراجع نفسه، فضلاً عن أن يصدع بكلمة الحق، وقد رأينا في التاريخ كم من فتنةٍ صدت أناسًا عن سبيل الحق، ومثال ذلك فتنة خلق القرآن، فقد جعلت الحليم حيرانَ، يُضمر الحق، وينطق بالكفر.
وقد كانت وسيلة التعذيب والإيذاء هي أهم طرق أهل الباطل لصد الناس عن السبيل.

3 ـ قلة النصير والظهير:
ومن معوقات الرجوع أيضًا، قلةُ النصير الذي يُعينك، وقلة الظهير الذي يُحفزك، فالعصبة قوة، ويد الله مع الجماعة، والمؤمنون نصحة، وقد أثنى الله تعالى على أهل الكهف كونهم فتيةً!
وقال تعالى في عددهم: "سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا" [ الكهف : 22].

4ـ قلة العلم:
وقد يكون العائقُ، قلةَ العلم، وتلك السطحية العلمية التي نراها في أصحاب المذاهب المنحرفة، وأنصاف العلماء والدعاة منهم، والذين لا يعرفون منهجًا علميًا في تمحيص الأدلة، ولا في تحرير المسائل، إنما ينقادون صمًا وبكما وعميانًا وراء زعمائهم، الذين جعلوا منهم أئمةً، ومشاعل نور، وههنا يحذرُ النبي – صلى الله عليه وسلم – قائلاً :
« إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»متفق عليه.

5ـ بطانة السوء:
وأصفياء السوء، عائقٌ دون الرجوع، فصحاب البدعة، وإمام الضلالة، تحوطه طائفةٌ تقوَّيه في ضلالته، وتعزز فيه بدعته، فيجد فيهم المدد والسند، والاتباع والمريدين، فهو فيهم كالملك المطاع، بيد أنهم في واقع الأمر يسوقونه كما الجرو الصغير المزهو بنفسه، بين الكلاب، يسوسونه، ويقولون له: أنت كبيرنا!
وفي بطانة السوء يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ " [آل عمران118].

وأحوج الناس لتطبيق هذه الآية، هم العلماء وأولوا الأمر والسلطان في المسلمين، فلطالما ضلت جماعات، وانحرفت مذاهب، وسقطت دولٌ، وضاعت ممالك بسبب بطانة السوء التي تحيط بالحاكم أو العالم أو أولي الأمر عمومًا.

وسُنّةُ الله في الحُكَّام والأئمة، سواء كانوا صالحين أو فاسدين، أنه جعل لهم بطانتين، بطانة خير، وبطانة شر، فإذا ما أطاعوا الأخيار فازوا وسادوا، وإذا ما أطاع الأشرار خسروا وخابوا، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ – رضي الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ :« مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلاَّ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ» رواه البخاري.
فليحذر أولو العلم من بطانة السوء.. وإن من طلبة العلم الذين يحتوشون العالِم لفريقًا يدسون الفتن والإحن بين العلماء والمشايخ، وينقلون بينهم الوشاية، ويسعون في الشر بينهم، جهلاً أو عمدًا.

تعليقات 0 | زيارات المقال 1001 | مقالات الكاتب 7
الأسـم *:
البريد الإلكتروني:
الدولة*:
العنوان:
التعليق *