هدى شعراوي في جدة.. فماذا نحن فاعلون؟

أحوال الناس
03 - ذو الحجة - 1424 هـ| 26 - يناير - 2004


هدى شعراوي في جدة.. فماذا نحن فاعلون؟

عصام عبد العزيز

 

عندما كنا نتابع ونشاهد الجلسة الافتتاحية لفعاليات منتدى جدة الاقتصادي، رأينا ما لم نره من قبل في البلد الحرام وحصن الإسلام.. عديد من النساء المتبرجات يختلطن بالرجال! فالدوائر التلفزيونية المغلقة على الرغم من وجودها لم تستخدم كما هو المعتاد من قبل!

ومما زاد من الصدمة وأثار الدهشة أن أغلبهن مسلمات سعوديات، بل إن إحداهن كانت المتحدثة الأولى في هذا المؤتمر.

وعلى الرغم من وجود عديد من الكفاءات والخبرات العلمية المحلية والعالمية في هذا المؤتمر لا غنى عن الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم، إلا أن الحديث الإعلامي جله انصب على الحضور النسائي السافر لهن في هذا المؤتمر، وصواب أفكارهن ورؤيتهن للإصلاح!

عبر عن هذه الفرحة "عبد الله باجبيـر" في جريدة الشرق الأوسط 18/1/2004: "وهكذا أيها السادة آن الأوان لنرفع "الغترات" للمرأة السعودية احتراما وتقديرا لأول ظهور "علني" لها في ساحة الحوار والقرار. وبالإنابة أو النيابة عن المرأة السعودية وقفت (...) لتقدم صورة حضارية وثقافية للمرأة في السعودية.. صورة مشرفة، ليس لأنها وقفت وقالت وأبدعت، ولكن لأنها أيضا قدمت حلولا أو اقتراحات بحلول لقضايا طال العهد بها دون أن يصل فيها الرجال إلى قرار".

وإن دل هذا على شيء إنما يدل على أن الإخراج لهذه المسرحية بهذه الطريقة ـ نساء متبرجات يطالبن بالإصلاح في مهبط الوحي ـ مقصود في حد ذاته، وأن ذلك أحد أهداف المؤتمر إن لم يكن الهدف الأساسي لهذا المؤتمر!

فما أشبه الليلة بالبارحة؛ فقد خرجت هدى شعرواي ومن التف حولها بمشروعها الإصلاحي المزعوم آنذاك لتحرير المرأة، كما بشر به أستاذها قاسم أمين للمطالبة بسفور المرأة ونزع حجابها، ولكن لكي تصل إلى أهدافها كان لابد من تبني الخطاب الوطني فكانت تطالب هي ومن معها برحي ل الإنجليز عن مصر، واشتركن في مظاهرات ثورة 1919م ضد الإنجليز.

ومن المضحكات، وشر البلية ما يضحك؛ أن هدى شعرواي ومن معها وهن يهتفن ضد الإنجليز أخذن يلقين بحجابهن في وجه الجنود الإنجليز! وكأن الإنجليز هم الذين ألبسوا هذه المرأة الحجاب!

ويعلق المفكر "محمد قطب " على هذه المسرحية اللامنطقية في كتابه "واقعنا المعاصر" قائلا: "ولكن التجارب التالية علمتنا أن هذا المنطق ـ الذي لا منطق فيه ـ هو الطريقة المثلى لمحاربة الإسلام، إن الذي يقوم بعمل من أعمال التخريب والتحطيم ضد الإسلام ينبغي أن يكون بطلاً لتتدارى في ظل البطولة أعمال التخريب والتحطيم"!!

فمن المعروف أن الإدارة الأمريكية تعمل على تحويل مقررات المؤتمرات الدولية بخصوص المرأة، ابتداءً من "مؤتمر نيروبي" عام 85، مرورًا بمؤتمرات القاهرة وبكين عام 95، ثم استانبول عام 96، ثم نيويورك عام 99، وانتهاءً بمؤتمر "بكين+5" و"المرأة عام 2000م" الذي عقد في نيويورك، في محاولة مشبوهة لوضع وثيقة عالمية ملزمة لكل الدول تبيح حق الشذوذ والإجهاض والممارسة الجنسية والمساواة بين الجنسين. تعمل واشنطن على تحويل مقررات تلك المؤتمرات إلى واقع معاش في المنطقة العربية والإسلامية بطريقة الخطوة خطوة.

لقد كان أول شيء ركز عليه الإعلام الأمريكي والغربي عامة بعد القصف الأمريكي لأفغانستان، وإسقاط حكومة طالبان، هو صورة المرأة الأفغانية، ونقلت مختلف وسائل الإعلام المرئية صور النساء الأفغانيات حاسرات الرأس بدون حجاب، وقدمت ذلك على أنه شاهد على عودة "الحرية" و"حقوق الإنسان" بمفهوميهما الأمريكيين إلى هذا البلد المنكوب، وعلى دور الولايات المتحدة في حمل "رسالة الحرية" إلى المجتمعات المتخلفة.

وتكرر الأمر نفسه مع ظهور نساء متبرجات حاسرات الرأس في منتدى جدة الاقتصادي، وهذا هو الإصلاح المنشود على الطريقة الأمريكية.

هذا الأمر يستدعي من كل مخلص ومحب لهذه الأرض الطيبة وقفة للتأمل والمدارسة لوضع المرأة المسلمة في وقعنا المعاصر.. مدارسة وفق تخطيط محكم ومنهج رشيد مستمد من السماء موصولاً بالأرض، لتأتي الثمرة متناسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء..لا أن نندفع في رد فعل يغلب عليه التهور والعصبية مع الاستسهال المفضي إلى السطحية.. فلا ينبغي أن يلدغ المؤمن من جحر مرتين!

ومن الملامح المرجوة على هذا الطريق ما يلي:

أولاً: أن بيان سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الذي ندد فيه بسفور النساء واختلاطهن بالرجال في منتدى جدة الاقتصادي، وأكد أن الاختلاط أصل كل بلية وشر، وأعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب كثرة الفواحش والزنا.. يجب أن يكون هذا البيان أول الغيث ونقطة الانطلاق.

ثانياً: التأكيد على ما ذكره الشيخ "سلمان العودة" بهذا الخصوص بقوله: "أدعو إلى تجنب إدانة الأشخاص ما أمكن ووضع احتمال للخطأ غير المقصود.. قد تكون بعض الصور تسربت بغير قصد، وقد يتم النشر دون استئذان؛ فهناك من أصحاب بعض الصحف - هداهم الله – من يجرون وراء الإثارة ولو على حساب الآخرين.. وقد حصل نموذج لهذا في الحوار الوطني. علينا أن نقوم بالنقد والتصويب للأعمال دون أن نتورط في خصومات مع الأشخاص؛ لأننا نصنع بذلك أعداءً من حيث لا نشعر. والمطلب الشرعي هو تأليف الناس وتقريبهم وتبشيرهم، وليس تنفيرهم، خصوصاً في هذا الزمن المظلم، وفي ظل ضعف الإيمان وكثرة الإغراءات. هؤلاء بناتنا، وهذه أسرنا، وكل بنت لها عائلة تغضب لها، فعلينا الالتزام بالضوابط الشرعية مع القيام بحق الله في رد المخطئ وتصويبه".

ثالثاً: أن يكون هناك هجوم إعلامي مضاد ومكثف عبر كل الوسائل الإعلامية أياً كانت، وغير الإعلامية كالمؤتمرات والمنتديات المتعلقة بالمرأة من قبل كل الم خلصين بالحجة والدليل والبرهان، فمزاحمة الخير للشر حتى ينهار أمر مطلوب شرعا، وأن يتصدى لهذا العمل النساء والرجال على أن تكون المبادرة والريادة أولاً للنساء بخاصة، ويمكن كتابة بيان كخطوة أولى يتم التوقيع عليه من قبل كل النساء أصحاب الشأن بالقطاع الحكومي والخاص، وأن ما حدث لا يمثل من قريب ولا من بعيد المرأة السعودية المسلمة، كما يدعي المتأمركون العرب.

وليكن هذا البيان والموقعون عليه هو نواة لرابطة النساء السعوديات، مع إبراز وتفعيل دور الرائدات الحقيقيات للمرأة السعودية، وتسخير المنابر الإعلامية المتاحة لهم كنماذج حية فاعلة في المجتمع غير مصنوعات، مثال ذلك الزوجة المجاهدة "مها الحصين" زوجة المهندس السعودي "سامي الحصين" المعتقل لدى إدارة بوش بتهمة ما يسمى الإرهاب، ولو تطلب الأمر نشر مقالة الدكتور "أحمد بن راشد بن سعيد" بهذا الخصوص مرات ومرات؛ حتى تعلم نساؤنا وبناتنا كيف تكون المرأة المسلمة؛ لأن مخلفات الفكر المهزوم والنفوس المبتورة ستبقى ما بقي الغرب وأذنابه، فلا نتوقع أن تنقطع فصيلة المهزومين، ولكن علينا أن لا نغرق بلا ساحل.

رابعاً: لا ننكر أن العمل الدعوي في واقعنا نجح إلى حد ما في مغالبة وتفنيد حجج وإفك المتأمركين العرب بخصوص المرأة، ولكن وبكل أسف عجز هذا الخطاب عن أن يخرج لنا عدداً كافياً من الداعيات الواعيات ممن يملكن روحاً دعوية مبادرة ورؤية شاملة مدركة لمتغيرات العصر ومتطلبات الشريعة، يستطعن من خلالها صناعة الرأي العام وتغيير قناعاته، ولو عقدنا مقارنة في هذا المجال لوجدنا أن الغلبة ستكون لمن يملكون رؤية غير إسلامية، ألا تعد مزاحمة هؤلاء وفضح إفكهم نوعاً من أنواع الجهاد، بل يصبح فرض عين؟!

خامساً: المتأمركون العرب ومن التف حولهم توحدوا في مواجهة كل ما هو إسلامي، واستفرغوا جل طاقتهم وقواهم المادية والإعلامية وال سياسية في ضربه تحت الحزام وفوق الحزام، وأصبح اللعب على المكشوف.

فالمتابع لأحداث منتدى جدة يدرك مدى الاهتمام بحاسرات الرأس في البلد الحرام، وهذا يتطلب من الدعاة والمخلصين والحريصين على البلد الحرام العمل بشكل جماعي، وتقديم صورة جلية الملامح واضحة التفاصيل للمرأة المسلمة في القرن الواحد والعشرين.

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...