النقد النسوي الأدبي خصائصه وأهدافه (2من2)

أدب وفن » آراء وقراءات
22 - ذو القعدة - 1431 هـ| 30 - اكتوبر - 2010


بعض الأديبات العربيات ممن ينتمين إلى اليسار أو الفكر الغربي بعامة، يتطرفن مثل الغربيات، ويردد المقولات المعادية للإسلام وللرجال، ظنا منهن أن الإسلام يقيدهن، والرجال يضطهدونهن، ويبدو أنهن لا يعلمن شيئا عن طبيعة الإسلام وتشريعاته..

ومع ذلك فإن هناك أديبات عربيات يرفضن فكرة الأدب النسوي من منظور أن الأدب أدب؛ سواء كتبه رجل أم امرأة، ولذل لا يقسمن الأدب إلى رجولي ونسائي.

وقد جرت طوال العقد الماضي سجالات ونقاشات حول قبول تسمية الأدب النسائي بأدب المرأة يعد أمرا مقبولا بسبب حرمان المرأة من التعليم والثقافة، وقد أتيح لها أن تتبرع في مجال الكتابة الأدبية فيما بعد.

وتشير "فريدة النقاش" صاحبة هذا الرأي إلى أن "نازك الملائكة" كانت أول من أبدع قصيدة التفعيلة في الشعر، كما تشير فريدة إلى أن تعبير الأدب النسوي يذكرها بغرفة الحريم(1).

وعلى كل يمكن أن نقول: إن الأدب الذي تنتجه المرأة ثلاثة أنواع:

1ـ أدب نسائي.

2ـ أدب تحارب به الرجل الذي يهمشها.

3ـ أدب تخدم جنسها، وتعزل من خلاله نفسها عن العالم الإنساني الرحب.

ويلاحظ أن كتابة الأدب الإنساني تستقطب عددا لا بأس به من الناقدات النسويات حيث يتجاوزن النظرة الضيقة إلى عالم فسيح واسع.

تقول الناقدة النسوية "هيلين سيترو": "لكنني أومن بأهمية الرسالة في النص. إن الكتابيثيرون اهتمامي فقط إذا كان ما يقولونه له علاقة بالإنسانية" وتضيف:

" إنني أومن أن النص يجب أن يقيم علاقة أخلاقية مع كل من الواقع والممارسة الفنية، أستطيع أن أوجز تعريفي للشعر بوصفه "غناء فلسفيا".. بعض الشعر بالطبع ليست لديه رسالة. هناك شعر يميل إلى الموسيقى أكثر منه إلى الفكر. ما أسميه أنا بالشعر يمر عبر أرض الفلسفة الخصبة ليتخطاها إلى ما وراءها.."(2)

خصائص:

ويمكن الآن إجمال خصائص النقد النسوي أو الأسس التي ينطلق منها للممارسة النقدية:

ـ الثقافة الغربية الذكورية (ثقافة الأدب)، تؤكد هيمنة الرجل ودونية المرأة في كافة مناحي الحياة ومفاهيمها الدينية والعائلية والسياسية و الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والتشريعية والفنية والأدبية.. وصارت المرأة ترى دونية نفسها بوصف ذلك بديهية مطلقة.

ـ بنية الثقافة التي أنتجتها التحيزات السائدة في ثقافة الغرب جعلت المذكر يتسم بالايجابية والمغامرة والعقلانية والإبداع وتتصف الأنثى بالسلبية والرضوخ والارتباك والتردد والعاطفة وإتباع العرف والتقاليد.

ـ اجتاح مسار الفكر الأبوي الذكوري كتابات الثقافة الغربية كافة، من أوديب في العصر الإغريقي قبل الميلاد حتى عصرنا الراهن وتجسد في أشهر الأعمال الأدبية وأبطالها مما أدى إلى تغريب الأنثى القارئة أو إغراقها بقبول منظور الرجل وقيمه وطرق إدراكه ومشاعره وأفعاله حتى يجندها ضد نفسها وهي لا تدري.

ـ مقولات النقاد والنقد الأدبي منحازة إلى جنس الذكر بشكل كامل لأن التصنيفات النقدية التقليدية ومعايير التحليل والحكم على الأعمال الأدبية تتبع من افتراضات الرجل وطرق تعليله مع أنها تدّعي الموضوعية وعدم التحيز والعالمية.(3)

إن الهدف الصريح للنقد النسوي هو استيعاب الإنتاج الأنثوي الموروث والمعاصر الذي أهمله الرجل طويلا.. لقد أدخل هذا النقد أعمالا أنثوية كثيرة إلى ساحة النقد الأدبي. والنماذج التي تحتذى الموروث الأدبي. وجعل لنفسه سمات يتميز بها، أهمها:

تحديد ما تكتبه المرأة وتعريفه وكيفية اتصافه بالأنثوية من خلال النشاط الداخلي، وليس الخارجي ( علاقة المرأة بالمرأة وعلاقة الأم بالإبنة، تجارب الحمل والوضع والرضاعة والبيت).

كشف التاريخ الأدبي للموروث الأنثوي من خلال تجارب النساء الرائدات السابقات وتقليدهن بوصفهن نماذج يُحتذى بها من غيرهن.

إرساء صيغة التجربة الأنثوية المتميزة ( الذاتية الأنثوية) فكرا وشعورا وتقويما وإدراكا للذات والعالم الخارجي.

تحديد سمات لغة الأنثى ومعالمها أو الأسلوب الأنثوي المتميز في الكلام المنطوق والكلام المكتوب وبنية الجملة والعلاقات اللغوية والصور المجازية.(4)

مأزق النقد النسوي :

إذا كان النقد النسوي قد نجح في تقديم الأدب النسوي على دائرة الاهتمام الأدبي والاجتماعي، فإن مصطلحاته وصراعاته الفكرية داخل الحركة النسوية تنتمي في حقيقة الأمر ـ إلى السياسة وعلم الاجتماع أكثر مما تنتمي إلى الأدب والنقد.

وترتبط الكتب التي صدرت حول النقد النسوي في العقود الأخيرة بين النقد الأدبي والعلوم الاجتماعية ربطا لا يدع مجالا للشك في مسار هذه الحركة.. ومن ثم " فنحن لسنا بصدد منهج نقدي يخضع لمنطق علمي متماسك، ولكننا بإزاء تيارات فكرية تلتقي حول الانتصار للمرأة بعد أن حُرمت من حقوقها دهورا.(5)

وقد سبقت الإشارة إلى أن النقد النسوي يحل الصراع بين الجنسين محل الصراع الطبقي ولذا وجه إليه الاتهام بأنه نقد عقائدي (أيدلوجي ) يمينا أو يسارا.

ثم إن كثيرا ممن ينتمين إلى النقد النسائي نشرن كتبا تعتمد على الإثارة مثل مقاطعة الرجال، والانغماس في الجنسية المثلية، واتهام المخالفين لهن بالتخلف ومعاداة المرأة.(6)

ويمكن القول؛ إن صدى هذا النقد في الأدب العربي المعاصر، كان تعبيرا عن حالات فردية مأزومة أكثر منه حالة ذات وجود عام طبيعي، وجاء إنتاج أصحابها في الغالب، بعيدا عن الهموم العامة والقضايا الاجتماعية، ولذا لم يحقق انتشارا ذا قيمة، وإن صاحبه ضجيج صاخب، وقبع في دائرة محدودة تؤدي به عادة إلى الخمول والتلاشي بعد حين.     

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1)     حوار أجراه على ياسين بعنوان "الأدب النسوي والهيمنة الذكورية" مجلة المدى 19/10/2006م.

(2)     الخروج من التيه ص 296ـ297

(3)     دليل الناقد الأدبي، ص 223ـ 224

(4)     السابق ص 224ـ225

(5)     محمد عناني، المصطلحات الأدبية الحديثة ص 192

(6)     السابق، ص 192ـ193 والخروج من التيه ص 297

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...