قراءة في كتاب :"الليبرالية في السعودية والخليج .. دراسة وصفية نقدية"(1)

دراسات وتقارير » تيارات
14 - محرم - 1432 هـ| 21 - ديسمبر - 2010


1

الرياض : لها أون لاين

       الصدام الحضاري بين الشرق والغرب في العصر الحديث والذي كانت بواكيره مع قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر، شكل لحظة فارقة في تاريخ العالم الإسلامي، فلأول مرة يشعر العالم الإسلامي منذ ما يقرب من 12 قرنا بتفوق الغرب عليه، هذا الشعور الصدمة دفع العديد من أبناء المسلمين للبحث عن الأسباب وراء حالة التخلف التي أصابت العالم الإسلامي وأدت إلى تقدم غيرهم.

      إلا أنهم وخلال رحلة البحث طرحوا حلولا ومشاريع فكرية متعددة، ومتعارضة أحيانا، بعضها انطلق من ثوابت الأمة وقيمها محاول استيعاب أسباب التخلف ومعالجتها في ضوء الموروث الثقافي والقيمي وتطويره من داخل المنظور الحضاري للأمة نفسها. في حين خرجت مشاريع أخرى عن سياق حل الأزمة؛ لتصبح في حد ذاتها أزمة منسلخة من هويتها وقيمها ومكرسة ثقافة التبعية والذوبان في القوى الجديدة، وكان التيار الليبرالي هو أحد  إفرازات هذه المشاريع الأخيرة.

    زاد من خطورة هذا التيار انهيار العديد من المشاريع الأزمة كالماركسية والناصرية والقومية لأسباب عديدة – ليس المجال لتفصيلها-، ليبقى وحيدا في الساحة، في مواجهة، تيار الأصالة والممانعة الذي ينطلق من ثوابت الأمة وقيمها.

     هذه المعركة بين التيارين ممتدة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي منذ ما يزيد على قرنين من الزمن ،إلا أنه اشتد أوارها و صخبها خلال العقود الثلاثة الأخيرة في منطقة الخليج العربي، وخاصة في المملكة العربية السعودية.

      ومن هنا جاء عرض هذه الدراسة والتي هو بعنوان " الليبرالية في السعودية والخليج .. دراسة وصفية نقدية" للباحث :"وليد بن صالح الرميزان" ، طباعة دار الروافد، بيروت، والدراسة في أصلها رسالة ماجستير تمت مناقشتها وإجازتها  بعنوان "الخطاب الليبرالي الخليجي (1990- 2005: دراسة تحليلية نقدية" مقدمة لقسم العلوم السياسية في كلية الأنظمة والعلوم السياسية في جامعة الملك سعود.

     ويشير المؤلف في البداية إلى أن الدراسة اعتنت بنقد ونقض الليبرالية من الجانب الواقعي، دون النقد الشرعي لأسسها ومفاهيمها والتي قامت بها دراسات أخرى متميزة.

مفهوم الليبرالية:

     الليبرالية من الظواهر الفكرية التي تحمل دلالات مختلفة، ولا يوجد اتفاق حول مفهوم محدد لها، لذلك فالحديث عن ليبرالية واحدة هو سقوط في طريق التعميم، وهذا بطبيعة الحال يولد خلطا والتباسا شديدا في المفهوم.

      ثم يستعرض المؤلف عدد من التعريفات المختلفة لمفهوم الليبرالية، ليخلص في النهاية إلى أن جوهر الليبرالية هو تركيز على أهمية الفرد وتحقيقه لرغبات ذاته في المجالات المختلفة، وتمثل هذه الحقيقة نقطة انطلاق في الفكر الليبرالي بكل أطيافه مع ضرورة تحرره من كل أنواع السيطرة والاستبداد، ويتم ذلك من خلال توفير الحريات السياسية والفكرية والشخصية للفرد من خلال دستور يحدد واجباته ويمنحه حقوقه كاملة، فالفرد في النظام الليبرالي يمثل الغاية، ونظم الحكم التي تحقق للفرد غاياته وحرياته تمثل الوسيلة.

 الليبرالية الغربية : نشأتها ومجالاتها:

أولا : نشأة الليبرالية وتحولاتها التاريخية:

     يستعرض المؤلف أوضاع أوروبا في عصور الظلام ، حيث سيطرت الكنيسة وقوى الإقطاع المتحالفة معها على مجريات الحياة ومنعت كل تفكير يخالف البابوية، وكانت محاكم التفتيش الجهاز التنفيذي لهذا التحالف.

 أفرزت هذه الأوضاع بروز حركات فكرية مناهضة حاضنة لبدايات الأفكار الليبرالية تسعى إلى الإصلاح الجذري.

وفي هذا السياق نشأت حركة التنوير الأوروبية وفق تسلسل مرحلي بدءا من العلمانية، ثم الليبرالية، وأخيرا الديمقراطية لا يمكن عزل أي مرحلة منها عن الأخرى.

واعتمد الفكر الليبرالي في مصادره على كتابات جون لوك، وفلاسفة عصر التنوير، ولخصت الليبرالية مطالبها في شعارها المعروف "دعه يعمل دعه يمر" وفي المذهب الفردي الذي يرى أن للفرد حقوقا مطلقة ومستقلة سابقة على نشأة المجتمع والدولة، فيما يسمى بـ"حقوق الفرد الطبيعية".

     أخذ مفهوم الليبرالية يتطور وتتجاذبه مدارس فكرية مختلفة، حتى ظهور الليبرالية الجديدة التي تتحرك في إطار ما يسمى بظاهرة العولمة التي توظفها الولايات المتحدة والدول الغربية لتعظيم منافعهم الاقتصادية، إلا أن الأمر يتعدى المجال الاقتصادي ليشمل النواحي السياسية بنشر الديمقراطية الليبرالية ، وكذلك الحال في النواحي الفكرية والثقافية.

    عملت العولمة على تدويل قضايا إنسانية نحو حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وقضية الديمقراطية، فلم تعد هذه القضايا شأنا داخلياً، بل أصبحت تدخل في اهتمام المجتمع الدولي.

ثانيا مجالات الليبرالية :

تتعدد مجالات الليبرالية بحسب النشاط الفردي للإنسان.

فالليبرالية السياسية مذهب سياسي يرى ضرورة استقلالية السلطة التشريعية والقضائية بالنسبة للسلطة التنفيذية، وأن يعطى المواطنون أكبر قدر من الضمانات في مواجهة تعسف الحكم.

الليبرالية الاقتصادية هي مذهب اقتصادي يرى أن الدولة لا ينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية ولا تجارية، وأنه لا يحق لها التدخل في العلاقات  الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات والأمم.

الليبرالية الفكرية وتعني أن في الذات الإنسانية حيزا لا تستطيع أن تنفذ إليه السلطة، فإذا اكتشف الفرد ذلك أصبح بإمكانه أن يتمتع بقدر من الحرية.

القيم والمبادئ الجوهرية لليبرالية:

 

1- مركزية الفرد:

عملت الليبرالية على تطوير مفهوم الفرد عما كان عليه حقبة الإقطاع ، فقد كانت البنية الاجتماعية تتمثل في الأسرة والقرية و الطبقة الاجتماعية، وكانت هوية الفرد تتحدد بحسب صفات تلك المجموعات، وحين انهار النظام الإقطاعي واجه الأفراد نطاقا واسعا من الخيارات والأولويات الاجتماعية؛ مما أتاح لهم فرصة التفكير في الذات وبشكل فردى بحت، مما ساهم في توسعة عملية الحراك الاجتماعي، وصاحبه ظهور أسلوب جديد من التفكير العقلاني، بديلا للنظريات الدينية التقليدية. فأصبح النظر والتعامل مع المجتمع من زاوية الفرد وتحرره. وتمثل فكرة أولوية الفرد على الجماعة الخيط الرئيس للفكر الليبرالي.

2- الحرية:

تعد الحرية القيمة العليا المشتركة في الفكر الليبرالي، الذي يزعم أنه لا يمكن للفرد ممارسة حقه في الاختيار ومصالحه ما لم يتم تحقيق الحرية، باعتبارها حق طبيعي ملازم للوجود الإنساني.

3- العقل:

ترتبط الحرية في الفكر الليبرالي بالعقل، إذ يعتبر الفكر الليبرالي جزءا من مشروع التنوير الذي يتمحور فكره في تحرير البشرية من قيود الخرافة وإطلاق العنان للعقل.

4- المساواة:

يتمتع الفرد في ظل الفكر الليبرالي بحقوق متساوية لإنسانيته، بقطع النظرعن العرق والدين والجنس والخلفية الاجتماعية، والمساواة السياسية لدى الليبرالية تقوم على منح فرص متكافئة للجميع للتعبير عن أفكارهم وتنظيم أنفسهم.

5- التسامح:

التسامح لدى الليبرالية تحمل الأنا على احترام حريات الآخرين، أيا كانت نوعيتها سواء أفكرية كانت أم سياسية أم اقتصادية، ويرتبط  مفهوم التسامح بمفهوم التعددية، فتعدد القيم والآراء أمر طبيعي وفقا لليبرالية، وإذا لم يتم تأسيسها على التسامح فإن الصراع مع الآخر واقع لا محالة.

6- الإنسانية:

تؤسس الليبرالية رؤيتها لمفهوم الإنسانية وفقا للقواعد التالية: الاعتراف بالآخر، السماح للفرد بتحديد خياراته بحرية، منع ممارسة العنف ضد الأفراد، تأسيس العلاقات بين الأفراد على مفهوم الأخوة الإنسانية، بقطع النظر عن الجنس واللون والعقيدة                                                                                                             (يتبع).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...