قراءة في كتاب :"الليبرالية في السعودية والخليج .. دراسة وصفية نقدية"(3)

دراسات وتقارير » تيارات
25 - محرم - 1432 هـ| 01 - يناير - 2011


1

الرياض – لها أون لاين

تناولنا في الحلقة الأولى والثانية من عرضنا لهذه الدراسة شديدة الأهمية، والتي هي بعنوان "الليبرالية في السعودية والخليج .. دراسة وصفية نقدية" للباحث :"وليد بن صالح الرميزان"، طباعة دار الروافد، بيروت، وذكرنا خلالها مفهوم الليبرالية ونشأة الليبرالية الغربية، ومجالاتها والقيم الجوهرية لليبرالية وأسس الليبرالية ومراحل تطور الفكر الليبرالي في العالم العربي. وخلال هذه الحلقة نكمل ما بدأناه، وتعد هذه الحلقة والتي تليها أهم أجزاء الدراسة، وقد بذل فيهما المؤلف جهدا كبيرا لذلك سنحرص على عرضهما بشكل تفصيلي، حيث يتناول هذا الجزء من الكتاب نشأة الليبرالية في منطقة الخليج وتطورها الفكري، ومسلمات الخطاب الليبرالي الخليجي.

 

نشأة وتطور الليبرالية في الخليج العربي:

يمكن تقسيم نشأة الليبرالية في الخليج العربي إلى ثلاث مراحل زمنية مختلفة على النحو التالي:

أولا : التيارات الليبرالية في الخليج العربي قبل الحرب العالمية الثانية:

العقد الثاني من القرن العشرين بداية ظهور الخطاب الليبرالي في الخليج العربي، وذلك في الكويت والبحرين ودبي وذلك يرجع لعدة عوامل يمكن إنجازها فيما يلي:

1-       وجود موانئ نشطة بها ساعدت على الاحتكاك مع الشعوب الأخرى من خلال السفر والتجارة.

2-       زيادة أعداد المتعلمين من الشباب بصورة تفوق مناطق الخليج الأخرى.

3-       وجود الأندية الثقافية، حيث تأسس في البحرين نادي "إقبال أوال" عام 1913م، والنادي الأدبي عام 1919م، النادي الأدبي في الكويت عام 1924م، بينما أنشأ المثقفون في المدينة المنورة  ناديهم الأدبي "جمعية الإسعاف الخيري" عام 1936م.

4-       نمو الشعور القومي ومشاعر العداء ضد الاستعمار البريطاني، وخاصة تدخله في الشؤون الداخلية.

5-       الجوار الجغرافي الكويتي للعراق، حيث تأثر المثقفون الكويتيون بالتجربة العراقية في الإدارة والتحديث والتعليم خاصة في حقبة حكم الملك غازي (1933- 1939) الذي كان يعد أنموذجا لمقاومة الاستعمار، أدت هذه العوامل  إلى ظهور عدد من الحركات الليبرالية في منطقة الخليج العربي والتي أبرزها:

أ ـ      حركة عام 1921 في الكويت: ظهرت هذه الحركة تحت قيادة فئة التجار، عندما احتكرت العائلة الحاكمة السلع فقدم مجموعة من الوجهاء مطالب بالمشاركة في شؤون الحكم، فاستجاب لهم الشيخ أحمد الجابر الصباح، وأنشأ مجلسا للشورى من 12 عضوا ولكنه لم يستمر طويلا للخلافات بين أعضائه والتي أسهمت بريطانيا في إذكائها.

ب-      حركة المجلس عام 1938م في الكويت: تشكلت بشكل سري من 12 عضوا؛ بهدف إنشاء مجلس تشريعي ومع تزايد قوة هذه الحركة، انتقلت لمرحلة العلن تحت اسم "الكتلة الوطنية"  فقدمت بيانا للشيخ أحمد الجابر الصباح تطلب منه تشكيل مجلس تشريعي من المواطنين ليتولى الإشراف على الحكم، وقد وافق الصباح على مطالبهم، فشكل ذلك المجلس الذي خاضت من أجله الكتلة الوطنية الانتخابات للدخول فيه وحصلت على أغلب الأصوات، وتكون المجلس من 14 عضوا، عشرة منهم منتخبون وأربعة من أبناء الأسرة الحاكمة وترأسه الشيخ عبد الله السالم الصباح، وكان أبرز أعمال المجلس وضع قانون أساسي للبلاد،احتوى على النقاط التالية: الأمة مصدر السلطة، ممثلة في هيئة نوابها المنتخبين، تناط بالمجلس مهمة تشريع كافة القوانين، يمثل المجلس هيئة استئناف عليا إلى أن يتم تشكيلها.

ج-      الحركة الإصلاحية في البحرين عام 1938م: كانت صدى لانتفاضة فلسطين عام 1936م ضد الاحتلال الصهيوني كما كانت امتدادا للحركة الوطنية الكويتية 1938م، حيث وجدت تأييدا من مثقفي البحرين، وكان من أبرز مطالبها إنشاء مجلس تشريعي، وأن يكون القضاء بيد المواطنين البحرانيين، وتشكيل مجلس إدارة للتعليم وإصلاح الجهاز الإداري، ولم تنجح هذه الحركة لاستخدام السلطة القوة ضدها.

د-       حركة الإصلاح في دبي عام 1938م: بدأت على يد التجار والأعيان نتيجة لرفضهم استئثار الأسرة الحاكمة بعوائد النفط، ونظمت المظاهرات، فتم القبض على المتظاهرين لكن المظاهرات تجددت بصورة أكبر ونتيجة لذلك اضطر الشيخ سعيد حاكم الإمارة على تكوين المجلس الأعلى لدبي  من 15 عضوا يختارهم كبار قبيلة آل بو فلاسة، على أن يقوم المجلس برقابة دخل الإمارة من الجمارك والنفط والطيران وتوجيه ذلك الدخل لتطوير الإمارة.

يتضح أن الخطاب الليبرالي نتج في هذه المرحلة من حالة عدم الرضا الشعبي للتداخل الموجود بين العمل السياسي والتجاري للأسر الحاكمة، ولم يتعرض التيار الليبرالي لتغيير البنى السائدة في المجتمع، سواء على مستوى السياسة أو الثقافة أو المجتمع، وتركزت مطالبه في تحسين مستوى المعيشة وتحقيق المشاركة السياسية.

ثانيا : التيارات الليبرالية في الخليج العربي ما بعد الحرب العالمية  الثانية وحتى العام 1969م:

كان للأحداث المتسارعة التي شهدتها المنطقة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية تأثيرها على التيار الليبرالي، وكانت أهم هذه الأحداث: اكتشاف النفط وارتفاع المستوى المعيشي لسكان الخليج، وبداية دخول الولايات المتحدة للمنطقة، واستخدام المذياع والاستماع لما تبثه كل من دول الحلفاء والمحور من نشاطات دعائية، وتصاعد حركات التحرر في العالم الثالث، و قدوم اللاجئين الفلسطينيين للخليج بعد حرب 1948م، ونمو الشعور القومي بعد قيام ثورة 1952م في مصر، و الاحتكاك بالتيار التغريبي العربي عن طريق الصحف والمجلات والزيارات.

اتسم نشاط الليبراليين في هذه الفترة بالسرية وبرزت عدة تنظيمات:

1-       الحزب الوطني الديمقراطي الكويتي: ظهرت منشوراته عام 1954م،  وكان يطالب باستقلال الكويت وتأسيس مجلس تشريعي وتقييد الرأسمالية الأجنبية.

2-       العصبة الديمقراطية الكويتية: تأسست عام 1954م، ودعت لإقامة حكم برلماني واستقلال البلاد والحد من تدخل البريطانيين في البلاد، وزيادة التفاعل مع القضايا العربية.

3-       اللجنة الوطنية للدفاع عن البحرين: تشكلت عام 1954م، وطالبت بحرية تأسيس النقابات، وتحديد سلطات الحاكم وتأسيس مجلس تشريعي، وإنهاء النفوذ الأجنبي وإطلاق الحريات العامة.

4-       الهيئة التنفيذية العليا: تأسست عام 1954م  وتضمن برنامجها رفض التعصب الطائفي، والدعوة لتأسيس مجلس تشريعي والسماح بتأسيس النقابات العمالية.

5-       التجمع الديمقراطي: نشأ في الكويت في أعقاب نكسة 1967م، والانشقاق الذي أصاب القوميين وانفصال الحركة في الكويت عن تنظيم القوميين العرب في بيروت، وطالب التجمع بالحفاظ على الضمانات الدستورية الضرورية وإطلاق الحريات العامة، وتعزيز الحياة البرلمانية على أسس ديمقراطية ،وتمكين المرأة من ممارسة دورها في المجتمع.

6-       حركة التقدميين الديمقراطيين (جماعة الطليعة): وهو مكون أعضاء سابقين في حركة القوميين العرب ولا يختلف كثيرا عن التجمع الديمقراطي في توجهاته. وقد أصدر مجلة الطليعة وشارك في انتخابات 1967، 1971.

يتضح مما سبق مدى تأثر التيار الليبرالي الخليجي بالفكر القومي الناصري في تلك الفترة، حيث كانت القومية العربية والوحدة أبرز مفاهيم هذا التيار، كما شهدت تلك الفترة المطالبة بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية.

ثالثا: الليبرالية في التسعينات:

بعد الهزيمة في حرب 1967م وفشل المشروع القومي، ظهرت مشروعات عدة على الساحة الفكرية العربية إلا أن سيطرة الصحوة الإسلامية على الساحة الفكرية منذ نهاية السبعينات، جعل خطاب هذه المشاريع ومن ضمنها الخطاب الليبرالي يبدو ضعيفا على الساحة العربية.

أما في دول الخليج فقد ظهر التيار الليبرالي بوضوح خلال حقبة ما بعد تحرير الكويت، أي بعد تأزم العلاقة بين تيارات الصحوة الإسلامية وحكومات المنطقة، بسبب معارضة التيار الإسلامي لوجود القوات الأجنبية في الجزيرة خلال حرب الخليج الثانية والفترة التالية لها، فاستغل التيار الليبرالي الأزمة بين الإسلاميين والحكومات، بالإضافة لتواجد القوات الدولية في منطقة الخليج وما صاحبه من اهتمام إعلامي بالمنطقة لتعزيز نفوذه مستقويا بالنفوذ المتنامي للولايات المتحدة في المنطقة.

ففي السعودية استغل التيار الليبرالي الوضع لتحريك مسيرة مكونة من  13 سيارة يقودها نساء سعوديات للمطالبة بقيادة المرأة للسيارة.

ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر2001م  لتمثل نقطة انطلاقة جديدة لحدوث تغييرات شملت العالم كله، وفقا للرؤية الغربية، ويدخل الإسلام مرحلة حصار ومواجهة مع القوى الداخلية والثقافية المعارضة لتوجهه، كما ضغطت الدول الغربية بقيادة أمريكا بشدة في اتجاه تجفيف منابع التدين داخل المجتمعات الإسلامية بدعوى محاربة الإرهاب.

حاول التيار الليبرالي في الخليج تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الأحداث، حتى اعتبرها أنصار التيار الليبرالي أن هذه الأحداث ساهمت في تسريع وتيرة المشروع الليبرالي، وأننا نعيش مرحلة انتقالية ستنتهي بنا نحو الليبرالية، وفي هذا السياق يقول تركي الحمد :"هذه المرحلة التي نعيشها هي مرحلة انتقالية (ضرورية) بين زمن ولى وجديد في طريقه إلى القدوم".

وقد وظف التيار الليبرالي في الخليج وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت والفضائيات وغيرها في عملية الاستقطاب الفكري، حيث أنشئت العديد من المواقع الإلكترونية، منها على سبيل المثال: "منبر الحوار والإبداع" ، و"صحيفة الفكر الحر الليبرالية" ،و"منتدياتنا الشبكة الليبرالية السعودية". وعلى الرغم من عدم وجود تنظيمات ليبرالية بالشكل المعروف للمنظمات، وإنما مجرد مجموعة من الكتاب والمثقفين، إلا أن الكويت والبحرين تتسم بوجود تنظيمات رسمية فيهما، وذلك لوجود انتخابات تشريعية في البلدين، ومن أبرز تلك التنظيمات: المنبر الديمقراطي في الكويت، التجمع الشعبي الليبرالي في الكويت، جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي البحريني، جمعية العمل الوطني الديمقراطي.

مسلمات الخطاب الليبرالي:

من خلال استعراض أدبيات التيار الليبرالي الخليجي يمكننا القول إنه ينطلق من عدة مسلمات أبرزها:

1-       حتمية اللحظة الليبرالية:

يزعم الليبراليون أن اللحظة الليبرالية حتمية إن لم تفرضها عوامل داخلية؛ فإن زحف العولمة قادر على فرضها في كافة المستويات السياسة والاقتصادية والاجتماعية، وفي هذا يرى تركي الحمد أن وثيقة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة تعد أعلى تجسيد لليبرالية السياسية، حيث بدأت تأخذ شكل الدستور العالمي وإن لم تكتمل آلية الإلزام، فإن الاتجاه العالمي يتجه نحو وجوب تنفيذها، ويضيف أن ثقافة العولمة لا يمكن وقف زحفها وسيادتها على حساب الثقافات المحلية.

2-       التأكيد على البعد الثقافي للتخلف:

يرى التيار الليبرالي أن أساس النهضة هو إرادة التغيير والتخلص من الثقافة السائدة، وعندها فقط يمكن الاستفادة من العوامل الخارجية للنهضة والحل كما يراه الليبراليون التخلص من "ثقافة الأموات التي تسيطر على الأحياء" – بحسب تعبير تركي الحمد- وإعادة بناء العقل وفق الأصول والآليات المعاصرة، والنتيجة النهائية التي يريد الليبراليون الوصول إليها هي إحداث قطيعة بين الماضي والحاضر وليس مجرد تجاوزهما.

3-       العلمانية:

تشكل العلمانية المدخل الجوهري للفكر الليبرالي، وتشكل المرجعية المؤسسة لبقية القيم فهي تمثل فكر وفلسفة حياة جديدة، الدين هو أحد مرجعياتها وليس المرجعية الوحيدة – بحسب أحمد البغدادي - ، وفي سياق مشابه يرى تركي الحمد أن  مقولة :"الإسلام دين ودنيا مقولة مضللة أكثر الأحيان، وأدت إلى ظهور طبقة من رجال الدين المتحكمين في كل تفاصيل الحياة"، ويضيف أن تحقيق التقدم لن يتم دون عزل السياسة عن الدين.

ولتحقيق العلمانية يركز أصحاب التيار الليبرالي على ضرورة استبعاد دور العلماء من الحياة العامة وحصرهم في الجانب الروحي ، حيث يرى البغدادي أن المجتمعات التي أنهت دور رجل الدين من المجتمع على المستوى السياسي تعيش التقدم والرقي، في حين أن المجتمعات التي يمارس رجل الدين دور السياسي تعاني التخلف والتدهور.

4-       النسبية :

لا يؤمن الخطاب الليبرالي بأي قيمة مطلقة، فالقيم يختلف معناها باختلاف المكان والزمان والمواقع الاجتماعية، بل إن النص الشرعي ـ كما يزعم محمد علي المحمود ـ نص مفتوح على التأويل قابل لأن يقرأ في ضوء متغيرات الواقع.

5-       معيارية النموذج الغربي:

من الصفات اللازمة لأي فكر ليبرالي اتخاذ الفكرة والتجربة الغربيين نموذجا، بحيث يتم من خلاله إسقاط التجربة الغربية على الواقع الخليجي، فنجد مفاهيم مثل الثيوقراطية، ومحاكم التفتيش، وعصور الظلام مستخدمة بصورة واسعة في الخطاب الليبرالي.

ونتيجة لذلك يحاول الليبراليون تفكيك النظرة العدائية للغرب؛ لأنها بزعمهم تشكل عائقا كبيرا أمام تبني الفكر الليبرالي وهي من جهة أخرى تعزز الفكر الديني.  وفي هذا السياق يزعم الخطاب الليبرالي الخليجي أن أصحاب الفكر الإسلامي هم من يقومون بتكوين هذه النظرة العدائية تجاه الغرب لمحاربة الفكر المتنور القادم منه ،باعتباره "حاقدا دائما، متآمرا دائما، ساعيا دوما إلى كبح جماح الأمة بذاتها دون الأمم أو الشعوب الأخرى على هذه الأرض "(تركي الحمد –من هنا يبدأ التغيير)، وهذا الخطاب في تصور الليبراليين لا يؤثر على الغرب، لكنه يؤثر على  تقدم بلادنا.

من جهة أخرى يحاول الخطاب الليبرالي تبرير أخطاء الغرب وتجاوزها؛ بهدف تهيئة العقول للقيم الليبرالية، فيقرر المحمود على سبيل المثال أن "حقب الاستعمار على كل ما فيها من مهانة فتحت آفاقا وأرست قيما، لم تكن لتكون لولاها".

ويتخذ الليبراليون مواقف مؤيدة لسياسة الولايات المتحدة حتى في احتلالها لبلاد العالم الإسلامي، وفي هذا السياق يلخص عبد الحميد محمد جابر الأنصاري إيجابيات السياسة الأمريكية التي خلصت الشعوب الإسلامية بحسب زعمه من نظامي (الملا عمر وصدام حسين) الديكتاتورين:فـ"الطغاة لن يرحلوا إلا إذا سقطت القنابل والشعوب وحدها غير قادرة على مواجهة الأنظمة الديكتاتورية إلا بعون خارجي قوي". (يتبع).

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...