قراءة في كتاب :"الليبرالية في السعودية والخليج .. دراسة وصفية نقدية"(4)

دراسات وتقارير » تيارات
05 - صفر - 1432 هـ| 11 - يناير - 2011


1

تناولنا في الحلقة الأولى والثانية  والثالثة من عرضنا لهذه الدراسة شديدة الأهمية، والتي هي بعنوان "الليبرالية في السعودية والخليج .. دراسة وصفية نقدية" للباحث :"وليد بن صالح الرميزان"، طباعة دار الروافد، بيروت، وذكرنا خلالها مفهوم الليبرالية ونشأة الليبرالية الغربية، ومجالاتها والقيم الجوهرية لليبرالية وأسس الليبرالية، ومراحل تطور الفكر الليبرالي في العالم العربي، ونشأة الليبرالية في الخليج، ومسلمات الخطاب الليبرالي الخليجي.

وخلال هذه الحلقة نكمل ما بدأناه، وتعد هذه الحلقة أهم أجزاء الدراسة، وقد بذل فيهما المؤلف جهدا كبيرا خاصة عند نقده للخطاب الليبرالي الخليجي؛ لذلك سنحرص على عرضها بشكل تفصيلي، حيث يتناول هذا الجزء الأخير من الكتاب القضايا التي يركز عليها الخطاب الليبرالي الخليجي وطرق طرحه لهذه القضايا وأبرز الانتقادات الموجهة لهذا الخطاب.

قضايا الخطاب الخليجي:

يركز الخطاب الليبرالي الخليجي في أطروحاته على مجموعة من القضايا التي يتمحور حولها الخطاب وهى كالآتي:

أولا:قضية الديمقراطية والإصلاح السياسي:

يزعم البغدادى أن الديمقراطية تشكل قيمة ورؤية شاملة للحياة، باعتبارها مقدمة أولية لأي نهوض فهي "نظام حكم تحول إلى نظام حياة،  ثم إلى حياة متكاملة من خلال مبدأ مهم يتمثل في أن الإنسان سيد نفسه". إلا أن الديمقراطية بنظره لا يمكن تأسيسها دون تأسيس للقيم الليبرالية: كالحرية والمساواة والعلمانية, ورفض كل قيمة تتناقض مع هذه القيم، فالغرب الذي يمثل لدى الخطاب الليبرالي الخليجي نموذج الديمقراطية المعاصرة قد آمن "إيمانا كاملا أن خير حياة يحياها الإنسان هي تلك الحياة القائمة على المساواة وممارسة مختلف الحريات, وأن ذلك يقتضي ضرورة نفي كل ما من شأنه أن يعيق ذلك مثل الأخلاق أو العادات والتقاليد" .

ثانيا: قضية الثقافة والدين والتراث:

(أ‌)      قضية الثقافة:

عندما يلاحظ أنصار الخطاب الليبرالي في الخليج المجتمعات التي ينتمون إليها، وهي تستهلك المنتجات المادية التي أنتجتها الحداثة الغربية، وفي الوقت نفسه يرفضون القيم التي تقوم عليها, يبدؤون في طرح المسألة الثقافية كأولوية مطلقة في مشروعهم الفكري، مؤكدين أنه لا يمكن تجاوز التخلف إلا ببث الثقافة الحداثية كمقدمة ضرورية لتحقيق القيم الليبرالية,على أساس أن الثقافة الحداثية هي أصل كل تقدم بزعمهم, والقيم الليبرالية ليست إلا نتاجا لثقافة الحداثة.

(ب)قضية الدين والتراث:

يرى بعض الليبراليين الدين عائقا أساسيا للتقدم! ويبررون ذلك من عدة جهات، فمن جهة أن الشعوب الإسلامية فريسة مرض الازدواجية بين مثالية الدين وواقعية الحياة، التي تأبى الانصياع لهذه المثالية". ومن جهة أخرى:غلبة الأفكار الدينية على الثقافة السائدة وعدم التمكن بسببها من التحول من الحالة الدينية إلى الحالة الحضارية.

ويمكن إجمال نظرة الخطاب الليبرالي الخليجي لدور التراث في عملية التخلف من وجهة نظرهم على النحو الآتي:

1-       الزعم بانفصال النص المنتج في الماضي (التراث)عن الواقع المعيش المتصف بالتغير والحركة.

2-       رفض دور علماء الدين؛ لأن عالم الدين بنظرهم ظل يعيد إنتاج الماضي مما أعاق التغيير وتبني القيم الحديثة.

3-       رفضهم للنظرة العدائية للغرب-وخاصة المؤصلة شرعا- التي يزعمون أنها أصبحت جزءا من بنية الثقافة العربية.

4-       مهاجمة الطابع الأخلاقي للدولة في النظرة التراثية للفكر الإسلامي, الذي جعل الدولة في البلدان العربية تتبنى رؤية أخلاقية مناقضة لفلسفة وطبيعة الدولة الحالية((فمنطق الدولة يقوم على مبدأ واحد، ألا وهو مصلحة الدولة ومصلحة الدولة تقوم على ركن واحد هو بقاء الدولة)).

5-       يزعم الخطاب الليبرالي الخليجي أن استخدام الدين في السياسة حول الدين إلى إيديولوجيا سياسية, وهذا التحول ينتج عنه أسوأ أنواع الأنظمة الاستبدادية،   ف ((الاستبداد الديني هو أشد أنواع الاستبداد قسوة كما يشرح ذلك بوضوح المفكر عبد الرحمن الكواكبي, حيث تقوم فئة من الناس أو الحاكم في أحيان كثيرة باستخدام الدين لإرهاب الناس باسم الدين)).

ثالثا:قضية المرأة:

يقدم الخطاب الليبرالي الخليجي وصفا سلبيا لوضع المرأة كما يراه في الواقع وفي الفكر والتشريع, حيث يعتقد الليبراليون أن ((المجتمع العربي ظلم المرأة. وأن هناك نظرة تمييزية متحاملة على المرأة وضدها في ثقافتنا الدينية والأدبية والفكرية. ويؤكد أن ((المرأة هي الجنس المستضعف في ثقافتنا وفي تاريخنا وفي تراثنا))؛ مما خلق هيمنة ذكورية كان من نتائجها بحسب - "محمد علي المحمود "أن (( يسيطر على الوعي الاجتماعي لدينا رؤية متخلفة تجاه المرأة, إذ ينظر إليها باعتبارها (شيئا) يتم التعامل معه ضمن إطار وعي الرجل به, فالرجل يتخذ المرأة موضوعا يكيفه كما يشاء وكما تمليه عليه رؤاه ومطامعه وهواجسه, على اعتبار المرأة (شيئا) من هذه (الأشياء) في عالمه)).

ثم ينتقل الخطاب الليبرالي إلى الشق التشريعي الذي يراه مجرد ترجمة للواقع حيث يزعم الأنصاري:

أن تشريعاتنا – للأسف- إفرازات لنفسيات وعقليات مشحونة بثقافة متحاملة لا ترى في المرأة (إنسانا)كرمها الله وجعل لها حقوقا متساوية, وتشريعاتنا قد تمت صياغتها في سياق مجتمعي، كانت المرأة فيه مهمشة ومغيبة, وقد آن الأوان في ظل تعاظم دور المرأة التنموي, أن نعيد النظر في تشريعاتنا بما يحقق إنصافها, وأن تنصف المرأة بأيدينا, خير من أن يفرض علينا.

ولحل مشكلات المرأة وتجاوز وضعها الراهن يقدم الخطاب الليبرالي الخليجي حلولا تتمثل فيما يلي:

0التركيز على وسائل الإعلام المعاصرة باعتبار أن:

التعاطي مع هذا الإعلام لابد أن يؤدي إلى كسر الجمود النسوي تجاه خطاب الحداثة, خاصة وأن هذا الإعلام جماهيري بطبعه قد يرى البعض ما يعدونه سلبيا في هذا الاتساع الإعلامي اللا منضبط  لكن - أيا كان الأمر- هو دافع مهم تجاه عوالم مفتوحة, ستؤدي إلى بلورة رؤية أخرى, هي بأية حال لا تنتسب لواقع التخلف المزمن الذي كنا ولا نزال أسراه.

0تفعيل الاتفاقات الدولية المتعلقة بالمرأة, فيؤكد أنه:

إزاء هذه الحال التي تنمط المرأة على نمط تراثي شعبوي, لابد من تفعيل دور الاتفاقيات العالمية ذات البعد الإنساني- من دون الإصغاء إلى أعداء الإنسان –لكونها ذات ارتباط بجوهر المعنى الإنساني, ولكونها ـ من جهة أخرى _بعيدة عن الخضوع لتصورات محدودة بعوالم محدودة.

ضرورة انخراط المرأة في الخطاب الحداثي الذي يعدها بمستقبل إنساني مغاير لما هي عليه, ولابد أن يكون هذا الانخراط ذا طبيعة جماعية, ومنتظمة في تسلسل مشدود بمرونة إلى استجابات الواقع.

رابعا: القضية التعليمية:

يشكل التعليم أحد المرتكزات الجوهرية، وقوة من قوى التغيير الفاعلة لدى الخطاب الليبرالي الخليجي, وهذا ناتج عن قناعة التيار الليبرالي في دول الخليج العربية بالمسألة الثقافية كمدخل جوهري للتغيير, وصناعة التقدم, فقد مثل التعليم أهم القضايا لديه, خصوصا في المملكة العربية السعودية, فالعقل والفكر والثقافة الجديدة- حسب طرحه- لابد لها من خطاب جديد يعبر عنها والوصول لها لا يمكن أن يكون إلا عبر التعليم باعتباره وسيلة وطريقة فاعلة وحاسمة لبداية التأسيس لتكوين خطاب جديد من أجل ذاتية جديدة وعالم جديد.

فعملية إصلاح التعليم لدى الخطاب الليبرالي لا تكون إلا بالانقلاب الجذري على واقعه الراهن، عندما يقرر أن التعليم لدينا ليس بحاجة إلي تطوير, ولا إلى تغيير يمشي على استحياء, نحن بحاجة ماسة إلى ثورة كبرى في التعليم.

ولعل أهم ما يحتاج على تلك الثورة في نظر الخطاب الليبرالي الخليجي ((المناهج))والتي يرى بأنها:

إحدى الإشكاليات,فما زال التطوير فيها يمس السطح ولا يمس العمق, فضلا عن أنه يسير على مهل, في حين أنها تحتاج لثورة منهجية,تعيد تشكيل بنيتها.

ويرجع الخطاب الليبرالي الخليجي تخلف العملية التعليمية وعجزها عن تشكيل العقول إلى استخدامها ((مناهج وأساليب في التربية والتعليم أشبه ما تكون بعش عنكبوت قديم لا يراد له أن يزال أو يجدد).

ويمثل التركيز على العلوم الشرعية جوهر هذه الثورة لدى الخطاب الليبرالي الخليجي. وفي هذا السياق يقول المحمود:((وإذا كانت جميع المناهج وآلياتها بحاجة إلى مراجعة وتغيير, فإن تركيزنا على المناهج الشرعية والعربية ينبع من حقيقة أن دورها في تشكيل الوعي أعمق بكثير من دور المناهج التي تخص العلوم التجريبية)).

ويصل هجوم الخطاب الليبرالي الخليجي للمنظومة التعليمية إلى حد ربطها بالإرهاب حيث يزعم الأنصاري أن:

أولى الخطوات في مكافحة الفكر الإرهابي البدء بالمنظومة التعليمية (مناهج وكتب ومدرسين وأنشطة دعوية), لتنقيتها مما يمكن وجوده من مفاهيم التكفير والتخوين والغلو والعنف واتهام المخالفين بالضلال, ونبذ التمييز ضد المرأة والأقليات, وذلك أضعف الإيمان, ثم تخصيب المنظومة التعليمية بالأفكار التجديدية كثقافة التسامح, وقبول الآخر, والانفتاح على الثقافات الأخرى من غير عقد أو خوف من غزو فكري أو عولمة أو توجس تآمري. يجب أن يتبنى تعليمنا نموذجا سياسيا متقدما تحترم فيه حقوق الإنسان والمرأة.

رؤية نقدية

عطفا على ما سبق يمكن القول إن الخطاب الليبرالي يعاني من إشكالات رئيسة في بنيته وفي علاقته بالواقع, وهذه الإشكالات تتلخص فيما يلي:

أولا :الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة:

فالخطاب الليبرالي الخليجي يعتقد أن الفكر الذي يطرحه ويدافع عنه أمر يرتقي إلى مستوى المسلمات والحقائق الناجزة, وهذا يفسر نفى ورفض كل ما يعتقد أنه لا يتوافق مع مرجعيته الفكرية, كالتيارات المنادية بالخصوصية الحضارية, بصفة عامة والتيار السلفي بصفة خاصة, ولذلك يلاحظ على الخطاب الليبرالي الخليجي عند نقده للرؤى ما يلي:

1-       النزوع نحو تجهيل هذه القوى وإلقاء التهم عليها، بدعاوى يزعم أنها حقائق مطلقة كوصفها بالجهل والماضوية والظلامية والدغمائية والانغلاق.

2-       الإيحاء بشكل مباشر بأن مشكلات الأمة تنبع من التفسيرات التي تقدم عن الدين.

3-       استغلال الأخطاء وتضخيمها وتعميم صفة الإرهاب والإقصاء والتعصب على كافة التوجهات الإسلامية.

4-       الاتهام بعدم القدرة على استيعاب المعرفة والمناهج العلمية, بل والادعاء أن فهم الجماعات الإسلامية للواقع والبيئة المحلية والدولية, قائم على رؤى وقيم غيبية. وكل ذلك بهدف إقصائهم ومنعهم من المشاركة في معالجة مشكلات الواقع.

وتبدو نزعة الإقصاء هذه لدى الخطاب  الليبرالي الخليجي حتى في مجال تحديد معايير الديمقراطية التي يدعو إليها حيث يزعم الحمد أن: الثقافة الديمقراطية, والعقل الليبرالي الذي لا يمكن الحديث عن ثقافة بدونه, هما الأساس لأي ممارسة ديمقراطية ناجحة, وحجر الأساس في أي بناء ديمقراطي. هذه الثقافة تتكون من قيم عدة, لعل من أهمها قيم الحرية (حرية الحركة في إطار القانون), والمساواة(في المواطنة وأمام القانون), والفردية (بوصف الفرد أساس كل مجتمع), والتعددية (بوصفها طبيعة الحياة), والتسامح للكل حق الإيمان بما يشاء, ولكن لا حق لأحد بفرض إيمانه على الآخرين.

وهنا نلاحظ أن الخطاب الليبرالي الخليجي برغم ادعائه التأسيس على قيمة قبول الآخر, إلا أن نتائج الخطاب وآلياته  الكامنة فيه تقصي الآخر؛ مما يجعل الخطاب متناقضا بين الليبرالية في مصدرها التنظيري والنتاج الفكري للخطاب الليبرالي الخليجي.

ثانيا:الليبرالية نص مكتمل ومغلق:

يحاول الخطاب الليبرالي الخليجي أن يؤسس لأفكاره من خلال نقد الواقع وقيمه بكل الوسائل التي تتناقض مع المبادئ والظواهر الليبرالية الأصلية, كما يؤسس لأفكاره من خلال امتداح وتقدير والثناء على أي نموذج في الشرق أو الغرب متوافق مع تلك القيم التي يدعو لتطبيقها, ومن هنا يرى أن على الواقع الخليجي- في كونه عدم وجود تلك القيم والمبادئ في بنيته الثقافية-لا مجال أمامه سوى التخلص من موروثه التاريخي وتجربته التاريخية والانخراط في النسق المعرفي للحداثة المنوطة لتلك الاعتبارات.

 وهذا الطرح جعل من الليبرالية نسقا معرفيا مغلقا غير قادر على الانفلات من التجربة التاريخية الغربية من جهة، ومن ثقافة العولمة التي يعتبرها حتمية من جهة أخرى, كما جعلته غير قادر علي التطوير أو التجديد أو إثارة قضايا جديدة أو تقديم حلول متجددة لإشكالات قائمة في الواقع الخليجي لارتباطه بمصدر تلك القيم.

ثالثا: التمويه:

بداية لا يصرح الخطاب الليبرالي بالعلمانية كمطلب رئيس بوضوح تام (وإن تجلى ذلك الوضوح في كتابات أحمد البغدادي), فهو يقبل بالنص الشرعي ولا ينفيه,بل يؤكد تركي الحمد((أن النص(القرآن والسنة ) يشكل شرعية الفعل بمعنى أن الفعل لابد أن يكون مبررا بنص إن وجد)).

لذلك فإن الإستراتيجية الليبرالية لتحقيق العلمانية في الواقع تمر بعدة مراحل

المرحلة الأولى: القول بنسبية الحقيقة حتى في النصوص القطعية, فالحمد _على سبيل المثال _يرى أن التحريم لا يكون إلا بنص جامع ومانع, أي بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة. وحتى في مثل توافر مثل هذا النص, فإن القراءة وفهم النص, خاضعة للظروف المحيطة بمن يقرأ؟ وكيف يقرأ؟ وأين ومتى؟ وهذا هو السبب الذي كان يقف وراء تلك التعددية الفقهية والسياسية التي نراها في تاريخ الإسلام ودوله.

المرحلة الثانية: رفض التفسيرات التي قدمها التراث الإسلامي في تعامله مع النص؛ لأن الواقع الذي عاشوا فيه لم يعد صالحا لا للزمان الراهن ولا للمكان بصورته الراهنة.

المرحلة الثالثة:رفض التراث الفكري كليا وإحداث قطيعة معه.

المرحلة الرابعة:تقديم قراءات جديدة متوافقة وقادرة على دعم وتأكيد الطرح الليبرالي والقيم والمبادئ والأسس التي يقوم عليها.

المرحلة الخامسة: تمرير الحداثة الغربية بإرجاع أصولها إلى النص, أو تأويل النص ليتماشى مع الحداثة, أو التركيز على القيم الكلية للإسلام وعرضها بشكل مجرد كما يقول المحمود ((الإسلام في جوهره تنوير)).

رابعا:سيطرة البعد المادي:

يتمحور الخطاب الليبرالي الخليجي حول فكرة النهضة والتقدم في مشروعه الحضاري,  إلا أن ذلك التقدم ينحصر في الأبعاد المادية بشكل أساسي باعتباره غاية نهائية للإنسان في هذه الأرض, وهذا نتاج طبيعي للعلمانية كأحد مسلمات الخطاب الليبرالي الخليجي.

وعندما يحصر الخطاب الليبرالي غاياته وأهدافه بالبعد المادي ,فإن ذلك يجعله يعيد تفسير القيم الإسلامية وفق هذا المنظور, الذي على ضوئه جعل تعمير الأرض (المادي) الوظيفة الجوهرية للإنسان.

خامسا: تهميش الحقائق الواقعية والتعميم:

ينحاز الخطاب الليبرالي الخليجي كليا لقيم الليبرالية, بحيث يتعامل معها ويبشر بها كنسق مكتمل ومغلق, فالنظرية الليبرالية  جاهزة وناجزة ومطبقة في الغرب وقد حققت تقدما هناك, ومن ثم فإن قيمها هي الكفيلة بتحقيق التقدم والنهوض في الواقع الخليجي, ثم يقوم الخطاب نفسه بنقض ونفي الواقع الخليجي لصالح ذلك الطرح النظري.

فالخطاب الليبرالي عندما يفهم الواقع الخليجي يقدم صورة جزئية عن الواقع بالتركيز على أبعاد معينة تخدم مشروعه, دون تقديم نظرة تحليلية كلية للواقع المعقد والمتداخل.

وفي المقابل يعتبر الغرب بأكمله متقدما ومدنيا, دون تفكيك لما عند الغرب من حضارة وتجربة تاريخية, ودون التطرق بالنقد والتحليل للجوانب السلبية الموجودة فيه من مثالب الأخلاق وسلبيات العولمة.

سادسا: تحييد الزمان وتجاهل دلالة المكان:

يتخذ الليبراليون الغرب نموذجا يرى أنه واجب الاحتذاء به، وهذا ما جعله يستبطن الزمن الغربي الذي أنتج الفكر الليبرالي فهو بداية يعيد تجربة أوربا في صراعها مع الكنيسة، فجعل من قضية الثقافة السائدة ومنها الدين قضية أولية وأساسية في النهضة.

ومن جانب آخر يعيش الخطاب الليبرالي الخليجي مشكلات وقضايا المرحلة الليبرالية العربية بعد الحملة الفرنسية على مصر قبل مئتي عام، لذلك فهو خطاب تقليدي مكرر لا جديد فيه، كل هذا أدى بالخطاب الليبرالي إلى نفي التاريخ الخليجي بالدعوة للقطيعة معه.

سابعا: الرؤية الشمولية وتجزئ القضايا:

على الرغم من إصرار الليبراليين على وصف الواقع الخليجي بالمتخلف، فمن البديهي أن يكون لدى الخطاب نفسه رؤية شاملة لانتشال ذلك الواقع من تخلفه. إلا أن الليبراليين يركزون على جانب واحد فقط، وهو الجانب الثقافي بحيث يصبح محورا يرتكز عليه خطابه ويصبح الواقع بكل تعقيداته يدور حول تلك القضية، ثم يصور النهوض أنه مرتبط بتلك القضية، مع أنه قد لا يكون له أولوية في ذلك الواقع، لهذا أصبح الخطاب الليبرالي الخليجي أسيرا لمسلماته على المستوى الفكري وغير قادر على استيعاب واقعه من خلالها، لذلك نجده يحصر نفسه  في مشكلات وقضايا محددة كالتعليم والمرأة والفكر الإسلامي والإصلاح السياسي ويتناولها بصورة تجزيئية، فعندما يتناول التعليم يركز على المناهج الشرعية بحيث تصبح هي المعضلة وكأن المناهج الأخرى لا تعاني مشكلات، وعندما يتناول قضية المرأة يركز على جانب عمل المرأة وما يتفرع عنه من مفاهيم مثل الاختلاط أو قيادة المرأة للسيارة والحجاب متغافلا عن مشكلات أخرى أكثر خطورة.

الخاتمة:

في ضوء ما سبق يمكن القول إن الخطاب الليبرالي الخليجي انطلق من مفاهيم ومقاييس المنظور الليبرالي الغربي وتجربته الذي أنتجته بيئة مغايرة من حيث الزمان والمكان والمرجعية، جعلت منه طرحا يحمل رؤية مسبقة معزولة عن طبيعة الواقع وحاجاته، متجاهلا الخصائص والظروف والإمكانات للواقع الخليجي، ومن ثم فهو لايعبر عن واقع دول الخليج العربي، وهذا ما يساهم بشكل كبير في إعاقة التجدد الداخلي والاستقلال الثقافي ويشوه النسق الحضاري ومنظومة القيم السائدة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...