جواهر إبراهيم دماؤها رسالة تطالب الفلسطينين بالوحدة

تحت العشرين
22 - صفر - 1432 هـ| 27 - يناير - 2011


بنما تفتقد كثير من الفتيات إلى الهدف والرسالة في حياتها. تضيّع وقتها هباء، ويتملك الفراغ ذهنها وساعات يومها، نرى فتيات في فلسطين يجندن حياتهن في سبيل الدفاع عن أرضهن، فلا تهنأ لهن حياة طالما الاحتلال يلوث أرضهن.

فبعد أن شق الجدار العنصري قرية بلعين على بعد 16كيلومترا من رام الله، مصادراً القسم الأكبر من أراضي المواطنين لم يملك أحد منهم إلا أن يجاهد في التعبير عن رفضه للجدار، ضمن مسيرة أسبوعية لا تخلو أبداً من اعتداءات صهيونية بالقتل بالرصاص حيناً، وبالغاز المسموم حيناً آخر.

جواهر إبراهيم أبو رحمة، ومن قبلها شقيقها باسم، وهما كانا من الرافضين للجدار العنصري الحريصين على استعادة أرضهما، لكنهما ما استطاعوا بفعل بطش آلة الاحتلال. 

 فباسم غادر شهيداً قبل عامين أثناء رميه بالرصاص في إحدى المسيرات الأسبوعية.  

 وكانت نهاية شقيقته جواهر بذات الظروف لكن بوسيلة مختلفة، و هي الغاز السام الذي دخل إلى صدرها فلوث أنفاسها وقضى عليها لتستقبل العام الجديد بشهادة هي عند الله أسمى وأعظم من شهادات الدنيا، لكنها خلفت ألماً دفيناً في قلب من أرضعتها حليب الصمود والوفاء للوطن وغرست بفكرها الحق بالأرض.

وبينما هي مسجاة على الأرض ملتفة بثوب الشهادة الأبيض، جلست والدتها الحاجة صفية أبو رحمة ـ في أواخر العقد السادس من العمر ـ تنعيها والدموع تقطر أنيناً بقلبها قائلة: "حبيبتي كانت تكمل رسالة شقيقها باسم في الذود عما تبقى من أرض بلعين، وحين لم تملك طرد الصهاينة بحجرها قدمت روحها فداءً للأرض والوطن؛ لتلحق بشقيقها الذي سبقها في الشهادة قبل عامين"، وأضافت وهي تبلل وجه رحمة بدموعها أنها تحتسبها عند الله، لكنها طالبت بأن تكون دمائها رسالة لتوحيد الفلسطينيين على امتداد الأراضي الفلسطينية لمواجهة الاحتلال الذي لا يرحم أحداً، قائلة:"ابنتي لهذا الوطن.. كله فداء للوطن ولا بد لهذا الاحتلال من زوال"، وما إن أنهت كلماتها الحزينة المجبولة بدموع العين وأنين القلب حتى تطاير نعش جواهر على أكتاف أهلها ومن خلفهم الآلاف من أهالي القرية لتشييعها مرددين شعارات الوحدة التي طالبت بها والدتها.

مفاجأة واستحضار ذكريات

الحاجة صبيحة رغم أنها طبعت قبلة الوداع الأخير على جبين جواهر، إلا أنها مازالت غير مصدقة أنها لن تطل عليها بابتسامتها الرائعة بعد حين، أو سيشرق صباح غدها دون أن تتمتع بسماع أعذب تحيات الصباح من فيها، تقول:"كانت صدمة ومفاجأة كبيرة لن يحتملها قلبي"، وأضافت أنها باستشهاد جواهر استعادت مشهد استشهاد باسم قبل عامين.  مؤكدة أنه قضى نحبه لذات الهدف الدفاع عن الأرض والوطن لكن الوسيلة هي المختلفة، في إشارة منها إلى استشهاد باسم بعد إصابته بقنبلة غاز اخترقت صدره وأصابت قلبه فرحل على إثرها فوراً شهيداً، بينما جواهر ضاقت أنفاسها بما استنشقته من غاز معبق بالفسفور فارتحلت هي الأخرى شهيدة بعد ساعات محددة.

 تصمت قليلاً وتعلق بصرها بصورة جمعتها بشقيقها باسم قبل استشهاده، تزرف عيونها دمعاً بمرارة الفراق ويبدأ لسانها بسرد ذكريات عن الأحبة، فجواهر وفق قولها كانت الأحب إلى قلبها والأقرب إلى وجدانها، كانت عماد البيت وعموده الفقري، مدبرة تسعى على تأمين رزق عائلتها من خلال عملها في مركز رام الله للطفولة، واستطردت: "إن العائلة بعد رحيل جواهر لم يبق له أي معيل بعد الله عز وجل".

 من جديد يعاودها الصمت وما تلبث أن تروي فصلا آخر من فصول معاناتها كأم فلسطينية مع الاحتلال الذي أبى إلا أن يفطر قلبها على فلذات أكبادها، تارةً بالاعتقال كأحمد الذي يواجه جبروت السجن وممارسات السجان، وتارةً أخرى بالإصابة كأشرف الذي كان مشاركاً في إحدى المسيرات ضد الجدار قبل عام ونصف، فكان نصيبه الإصابة المباشرة بعد أن أجهز عليه عدد من جنود الاحتلال وكبلوه وأطلقوا عليه الرصاص.  مؤكدة أن مشهد إصابته والذي صورته شابة في بلعين وتناقلته عدسات الإعلاميين على صفحات الجرائد وفي نشرات الأخبار المحلية أثار جدلاً دولياً كبيراً وقتها واضطرت دولة الاحتلال حينها لفتح تحقيق والإدعاء بمعاقبة الضابط الذي أمر بتنفيذ الجريمة، مشيرة إلى أن آخر صيحات معاناتها كانت بتغييب جواهر وباسم عن الدنيا حيث قضيا من أجل الأرض والوطن.

 تقول الأم المذبوحة بما حل بأربعة من أبنائها الثمانية:"نحن أصحاب حق وندافع سلمياً عن حقوقنا لكن الاحتلال يواجهنا بالبارود والنا".

 وتضيف متسائلة هل تحتاج مسيرات بلعين الأسبوعية السلمية لهذه القوة العسكرية؟

موضحة أن جميع المتظاهرين مدنيون عزل، صودرت أراضيهم، ويحاولون التعبير عن رفضهم لسياسات الاحتلال"حسبي الله ونعم الوكيل".

تصعيد واضح

ووفقاً لشهود عيان فإن قوات الاحتلال كانت مبيتة النية للتصعيد وإيقاع شهداء وجرحى خلال مسيرة بلعين الأسبوعية ضد الجدار، يؤكد أحد المشاركين في المسيرة ويدعى باسم أبو رحمة أنهم  لمسوا نية التصعيد من سلوك الجنود، في إشارة منه إلى استدعاء الاحتلال لوحدات من حرس الحدود؛ للمشاركة في قمع المسيرة.  مؤكداً أنه في الغالب يتم استدعاء الجنود.

 استكمل الرجل قائلاً:"كانوا يريدون إخبارنا أنها رسالة قمع جديدة" خاصة وأن قوات حرس الحدود أكثر قمعاً، وعمدت إلى استخدام قنابل أكثر أثراً لم يتم استخدامها من قبل في مسيرات بلعين.

 وأضاف أن ذلك الغاز هو ذاته الذي استخدم في حادث استشهاد باسم أبو رحمة شقيق الشهيدة جواهر رحمهما الله.  وكأن الاحتلال يترصد بالعائلة ويسعى إلى قتل أفرادها وتغييبهم جميعاً بشتى الوسائل قتلاً وإصابةً واعتقالاً.

غاز سام أدى لاستشهادها

من جانبه أشار أشرف شقيق الشهيدين جواهر وباسم إلى أن الاحتلال يسعى إلى قتل كل شيء جميل في حياة أهل بلعين؛ من أجل إجبارهم على السكون والصمت على مخططاتهم في سرقة الأرض.

 مؤكداً أن ذلك لن يفت في عضدهم، وستبقى بلعين رمزاً للمقاومة الشعبية في كل أنحاء العالم، وأضاف أن شقيقته جواهر استشهدت بذات الغاز السام الذي استشهد به شقيقها باسم قبل نحو عامين.

 وبشيء من التوضيح وصف حالتها وقت الإصابة مشيراً إلى أنها أصيبت بضيق تنفس حاد؛ نتيجة استنشاقها الغاز المخلوط بالفسفور.  مؤكداً أنها ما إن وصلت إلى مجمع فلسطين الطبي برام الله حتى عانت من هبوط حاد في الضغط، لافتاً إلى أن الأطباء لم يتمكنوا من إنقاذها أو حتى تشخيص حالتها سوى بكلمات محدودة: "ماتت خنقاً بنوع غريب من الغاز السام".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...