يحيى المعلمي..فارس العسكر فارس الأدباء

وجوه وأعلام
03 - ربيع أول - 1423 هـ| 15 - مايو - 2002


كان "يحيى المعلمي" ـ رحمه الله ـ حالة خاصة، برزت ملامح تميزها مبكراً، وكان تجربة فريدة واتتها مقومات النجاح، فقد كان عسكرياً، أديباً، إدارياً، ناضجا، وموفقاً إلى حد كبير؛ فعندما تنظر إليه كرجل عسكري تجده من أبرز الشخصيات العسكرية، وعندما تنظر إليه على أنَّه أديب تجده قامة عالية يزاحم الأدباء ويتفوق عليهم، هكذا كان حالة خاصة ورجلاً ذا حظ وقبول بين الناس عظيمين.

ولد يحيي بن عبدالله المعلمي عام 1347هـ في قرية "ميادي" بتهامة عسير، وقد غادر قريته إلى "جازان" وهو رضيع، ولم يرجع إليها إلا عند بلوغه العشرين من عمره عندما كان ضابطاً في الشرطة، وقد بُعث إليها في مهمة رسمية، فتوجه إلى داره التي وُلد فيها وأقام بها طوال فترة تواجده بالقرية، إلى أن أنهى مهمته.

تلقى المعلمي تعليمه الأولي على يد عمه القاضي محمد بن عبدالرحيم المعلمي، الذي أقرأه القرآن الكريم، وعلَّمه مبادئ النحو والفرائض، والفقه، ومبادئ الحساب، ولما فتحت المدرسة الحكومية في جازان سنة 1356هـ التحق بها في السنة الثالثة الابتدائية، ثمّ انتقلت أسرته إلى مكة المكرمة، فالتحق بالمدرسة الفيصلية، ثمّ المدرسة العزيزية، بعدهما انتقل إلى مبنى قلعة جبل هندي في حملة الشاحبة بمكة المكرّمة، كانت القلعة تحتوي على مدرستين ثانويتين، هما: مدرسة تحضير البعثات، والمعهد العلمي السعودي، وفصلان ابتدائيان.

بعد مدَّة من الدراسة في القلعة حصل على الشهادة الابتدائية، ثم التحق بمدرسة تحضير البعثات للعلوم الطبيعية واللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى علوم الدين: التفسير، الحديث، التوحيد، الفقه، إضافة إلى قراءة الكتب المقررة في المعهد العلمي السعودي، وهي كتب دينية واجتماعية ولغوية.

لم يكتف ـ رحمه الله ـ بالتفقه في اللغة العربية وحدها، فتعلَّم اللغة الإنجليزية وأجادها، وربما يستغرب البعض هذا التحول الذي طرأ في حياة الفريق العلمية، فمن آداب اللغة العربية والنحو والفقه، إلى صرامة الدراسات الأمنية، فقد ترك الدراسة الثانوية ليتجه عام 1367هـ إلى مدرسة الشرطة ويلتحق بها ويتخرَّج فيها بعد شهر واحد ـ بعد ما استطاع أن يستوعب الدروس التي درسها زملاؤه في سنتين ـ برتبة ملازم ثان، وكان أول راتب يتقاضاه هو 105 ريالات.

استمر في العمل في سلك الشرطة، وتنقّل في مدن المملكة، ومارس مختلف أعمال الأمن، وتدرَّج في الرتب العسكرية، حتى وصل إلى رتبة فريق. أمَّا أهم المناصب التي تقلدها فهي: المدير العام للمرور والنجدة والعلاقات العامة معاً، والمدير العام لشؤون الضباط بالوزارة نفسها بمختلف قطاعاتها، ثمّ المدير العام للسجون، وآخر منصب تولاه هو: منصب مساعد مدير الأمن.

اتسم المعلّمي طوال عمله العسكري بالمهابة وسعة الاطلاع وإتقان مختلف أعمال الشرطة من ضبط إداري وتحقيق جنائي، واستعمال الوسائل العلمية في تحقيق الحوادث الجنائية، كما استطاع كسب حبّ جميع من تعاملوا معه بخلقه الرفيع وسمته الملتزم.

وحينما أُحيل المعلّمي إلى التقاعد لم ينطفئ ولم يخمل، فقد توجّه إلى ميدان آخر كان يمشي مع ميدانه الأول في خط متوازٍ، يأكل كلّ أوقات فراغه، فقد كان ميدان البداية الحقيقي؛ إنّه ميدان الأدب والشعر، الذي سطع نجمه من خلاله وتألق مرّة أخرى داخل المملكة وخارجها، بما ألّفه من كتب وما اشترك فيه من ندوات إقليمية ودولية من اليابان إلى الهند والباكستان، إلى الدول العربية من الكويت والإمارات العربية المتحدة، إلى المغرب الأقصى، وذلك بفضل الله تعالى، ثمّ بفضل دأبه وحرصه على العلم ونشره. وقد ألّف "47" كتاباً في مختلف الفنون: علوم القرآن الكريم وتفسير كلماته، والأحاديث النبوية الشريفة، والفقه والأدب والشعر، وعلوم الشرطة وغيرها.

وكان يرى أنّ كل لغوي أديب، واللغوي في أعلى مراتب الأدب، وليس كلّ أديب لغوياً، فمن الأدباء ناشئة وشداة ومبتدئون، ثمّ أدباء كبار، وعمالقة، واللغوي لا يصل إلى هذه المرتبة إلاّ بعد اجتيازه جميع مراحل الأدب.

وفي عام 1412هـ انضم المعلّمي إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وقد رشحه للعضوية كتابان من كتبه، أحدهما بعنوان "الأخطاء المشهورة" والآخر "كلمات قرآنية"، ففي هذين الكتابين ظهر تشبعه باللغة العربية وغوصه في بحارها، وكان من بين من رشّحوه للانضمام للمجمع علاّمة الجزيرة الشيخ "حمد الجاسر" ـ عليه رحمة الله ـ والأستاذ الدكتور "بدوي طبانة"، والدكتور "يوسف عزالدين"، وآخرون من أعضاء المجمع بعد اطلاعهم على كتبه، وبعد ما عرفوه شخصياً.

ومن إسهاماته التي تُحسب له وتجعله جديراً بكلّ ما حصد، إسهامه مع نخبة من زملائه العلماء أعضاء المجمع في إعداد المعجم الكبير الذي يعدُّ مرجعاً وافياً للباحثين في اللغة، كما أسهم معهم أيضاً في إيجاد تعريبات أو تراجم لكثير من المصطلحات العلمية الأجنبية، وقد قام بنشر عددٍ كبيرٍ من هذه المصطلحات في صحف المملكة.

وكان ـ رحمه الله ـ يشدد على العناية باللغة وبتعليمها في البيت وفي المدرسة، ويرى أنّ أهم أسباب ضعف الطلبة وشداة الأدب في النحو هو أنّ آباءهم ومدرِّسيهم لا يتكلمون معهم وهم أطفال اللغة الفصحى، فتبدو اللغة العربية غريبة على أذهانهم عندما يبدؤون في تعلمها بعد بلوغهم العاشرة من العمر؛ لذلك فقد كان ديدنه الحديث عن اللغة وعن طرائق تعليمها، وإحلالها ليتحدَّث بها الجميع، وكان يدعو المثقفين والمدرِّسين إلى التحدث مع الصغار باللغة العربية الفصحى لتصبح سليقة فيهم، وتصبح مألوفة لأسماعهم، وأذهانهم، وتصبح طيّعة في ألسنتهم، كما كان يدعو إلى تغيير طريقة تدريس النحو وجعله ضمن النصوص المختارة من الشعر والأدب العربي؛ حتى تمزج صعوبة اللغة بعذوبة النص، فتخف الصعوبة ويزداد التذوق للنصوص.

وفي سنوات عمره الأخيرة كان واحداً من أنشط دعاة الأدب الإسلامي، وكان يرأس المكتب الإقليمي لرابطته العالمية بالرياض، وكان حريصاً ـ برغم مرضه ـ على حضور مؤتمر الرابطة وفعالياتها حتى آخر أيامه، رحمه الله.

وفي يوم 25/5/1422هـ رحل المعلّمي عن أربعة وسبعين عاماً قضاها في خدمة وطنه وأمّته في المجال الأمني والعسكري، والمجال الأدبي واللُغوي والثقافي، مدافعاً عن أمته وعن لسانها العربي المبين، كان شعلة من الحماس لم تطفئها سنوات المرض العصيب، وكان يتحلّى بالصبر الجميل والتفاؤل والروح المتوثبة للمشاركة في كلّ ما من شأنه رفعة الأدب الإسلامي، وعودة العرب والمسلمين إلى الشدو بلسان واحد.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- سارا - السعودية

27 - ذو الحجة - 1428 هـ| 06 - يناير - 2008




جدي الغااااااالي الله يرحمه و يغقرله انا فخورة جدااا به و اشكركم على الموضوع الراااائع

-- عثمان الزهراني - السعودية

18 - صفر - 1430 هـ| 14 - فبراير - 2009




رحمه الله رحمة واسعه واموات المسلمين رجال افذاذ يذكرهم التاريخ بكل فخر سيرة عطره نظيفه خدم الاسلام واللغه العربيه رحمه الله

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...