الاستفتاء على الدستور المصري .. وأزمة الليبراليين العرب

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
20 - ربيع الآخر - 1432 هـ| 26 - مارس - 2011


1

ردود فعل التيارات الليبرالية المتشنجة والصاخبة في مصر على نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية، كشفت عدد من وجوه أزمة هذا التيار في العالم العربي، هذه الأزمة التي تحدث عنها العديد من الكتّاب والمفكرين منتقدين سلطوية هذا التيار ورفضه لقبول الآخر، واستبداده بشكل قد يفوق في بعض الأحيان استبداد النظم القمعية التي ينتقدها هذا التيار ويدعو للخروج عليها.

والمسألة لا تختص ببلد دون بلد، فهذا التيار يعاني من مشاكل وأزمات حادة في جميع البلدان العربية، لكنها عندما تبرز في بلد كمصر كان لها السبق في نشأة هذا التيار الذي بدأت بواكيره منذ قرنين من الزمن، ومنها انطلق لبقية البلدان العربية كما أن حضوره في الجامعات المصرية والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني كبير، فإن الصورة عندئذ تكون أوضح من غيرها.

يصف الدكتور "عبد الله الغذامي" في محاضرته المشهورة  التي ألقاها في جامعة الملك سعود يوم الاثنين السابع من شهر المحرم لعام 1432 هـ ، ضمن البرنامج الثقافي (تواصل) بكلية الآداب، والتي كانت بعنوان "الليبرالية الموشومة" التيار الليبرالي بأنه يحمل نفس صفات المؤسسات التي ينتقدها ، قائلا:  "حينما تكون المعارضة تحمل عيوب المؤسسة المنقودة، حينما يكون الناقد يحمل عيوب المنقود، ولا يسمح الناقد لنفسه أن يكون منقودا، وعملية النقد لا تستقيم في أي مكان من الأماكن قط ، إذا الناقد لم يقبل أن يكون منقودا، لأنه في الحالة هذه يتحول إلى سلطة أخرى وسلطة قمعية غير قابلة للتساؤل".

ويشير الغذامي في محاضرته إلى أن الخطاب الليبرالي الذي يرفع شعارات الحرية، لا يختلف عن غيره من التيارات الأخرى التي ينتقدها عندما يوجه له انتقاد "فإذا كنت قلت ما لا يريدك أن تقوله عنه- يظل حينئذ يحاول إسقاط مصداقيتك بطريقة أو أخرى".

أما الدكتور عبد الله العروي، فهو من أهم الناس اللي ناقشوا مفهوم الليبرالية والحرية، وقد وصل إلى قناعة أن الليبرالية العربية ساذجة ومشوشة، وأن فهمها للحرية يأتي عبر ثنائية متناقضة سماها بالحرف الواحد تسمية جميلة يقول: "توجد حيثما غابت، وتغيب حيثما وجدت".

هذا التوصيف الأخير من العروي ينطبق بشكل يكاد يكون متطابق مع الحالة المصرية، فأصحاب التيار الليبرالي في مصر صدعوا رؤوسنا عن المطالبة بالحرية خلال عهد الرئيس المخلوع "محمد حسني مبارك" وكانت هي الهاجس الذي يسيطر على الخطاب الليبرالي طوال 60 عاما، فلما سقط النظام وأجري أول استفتاء حر ونزيه في تاريخ مصر الحديث، انقلب الليبراليون على الديمقراطية وحرية التعبير، مطالبين الجيش التدخل لمنع قيام أحزاب على أسس دينية، وإقصاء التيار الإسلامي بالقوة وأخذوا في ترديد عبارات النظام السابق حول عدم استعداد المجتمعات العربية والإسلامية لممارسة العمل الديمقراطي.

هذه الانتهازية السياسية هي سمة هذا التيار حتى في الغرب، ففرنسا تسمح للحريات ويتسع أفقها لكل أشكال التعبير لكن عندما ترتدي عدد من النساء (لا يتجاوزوا الألفين) للنقاب؛ تقوم الدنيا وتنتفض الجمهورية الفرنسية وتصدر قانونا يقيد الحريات ويمنع النساء من ارتداء النقاب.

 والولايات المتحدة هي أكبر داعم للديكتاتوريات في العالم طالما أن هذه الدكتاتورية تنفذ مصالحها، لذلك فليس من المستغرب على التلاميذ أن ينتهجوا السياسية الانتهازية نفسها، ويشنوا أكبر حملة إعلامية على التيار الإسلامي لمجرد مخالفتهم في الرأي.

الليبراليون عندما يطالبون الشعوب العربية بإلقاء دينهم - الذي يشكل جزءا أساسيا ورئيسيا من وجدانهم وشخصيتهم وتاريخهم بل وجغرافية بلادهم - وراء الظهور، فإنهم بذلك يفصلون أنفسهم عن هذه المجتمعات، ويبنوا أسورا فولاذية بينهم وبين الجماهير العريضة، ويضعونهم أنفسهم في مأزق لا يمكنهم الخروج منه أبدا، لذلك فإن أي تيار يريد أن يكون له موطأ قدم في المجتمعات الإسلامية لابد له من التصالح مع الدين وعدم تهميشه من جوانب الحياة.

هذه الثورات والتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية هي ظرف تاريخي مناسب للتيار الليبرالي لإعادة النظر في أطروحاته وإعادة إنتاجها من جديد بشكل توافقي يجمع بين الانفتاح على الثقافات العالمية مع الحفاظ على خصوصية المجتمعات الإسلامية والعربية وهويتها، وهناك نماذج كثيرة استطاعت إيجاد صيغ توافقية من هذا النوع كما في تركيا وماليزيا أو في أحسن الأحوال يظل يدعو لقيم الحرية والعدالة دون أن يتعرض لما هو ديني احتراما لعقيدة الأغلبية الكاسحة من جماهير الأمة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بسام حسن المسلماني

ليسانس آداب (قسم تاريخ ) جامعة القاهرة 2004م.

بكالوريوس خدمة اجتماعية 1995م.

حاصل على معهد القراءات (مرحلة التجويد) 1997م.

*- كاتب ومحرر صحفي في موقع "لها أون لاين" والمشرف على محاور تقارير ودراسات وشاركوا بالرأي والاستطلاع والملف الشهري، من يناير 2008 وحتى الآن.

*- صحفي بمجلة سياحة وآثار سعودية.من ديسمبر 2010 وحتى الآن.

*- كاتب ومحرر صحفي بمجلة قراءات إفريقية.

*- نائب مدير تحرير موقع مجلة قراءات إفريقية.

*- إعداد وتقديم مواد إذاعية وحوارية في موقع "لها أون لاين".

*- صاحب مدونة "دفتر أحوال الأمة" (http://anns012.maktoobblog.com/)



الإصدارات:


- مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2007/11/25/55474.html

- الصومال .. وسيناريو الحرب المقبلة
- http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2006/12/28/26057.html

- مستقبل العلاقات الباكستانية الأمريكية .. بعد اغتيال بوتو
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2008/01/03/57621.html

- العسكر في تركيا .. هل ينقلبون على جول؟
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/04/29/40651.html
- العلاقات المصرية الإيرانية إلى أين تسير..؟
http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2007/12/28/57319.html

- مؤتمر”شرم الشيخ” .. واستباق الفشل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/05/03/41178.html

- الإسلاميون داخل فلسطين 48.. موقف خاص من الانتخابات
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2525.html

- الأحزاب العربية داخل فلسطين 48 .. ورهاناتها الانتخابية
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2523.html

- أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية
http://www.lahaonline.com/articles/view/14327.htm

- الصحفية "إيفون ريدلي".... أسيرة طالبان التي أصبحت داعية للإسلام
http://www.lahaonline.com/articles/view/15619.htm

- المرأة المسلمة النيجيرية.. عقبات ونجاح
http://www.lahaonline.com/articles/view/15784.htm

- الشخصية الصوفية
http://www.alsoufia.com/rtb_uploaded_images/magazine_9.pdf

- بين الثورة المصرية وثورة الاتصالات ... وطن جديد
http://www.lahaonline.com/articles/view/37717.htm

- الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
http://www.lahaonline.com/articles/view/38308.htm


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...