23 - جماد أول - 1432 هـ| 27 - ابريل - 2011
هل تتكرر مذبحة حماة (1ـ2)
شجعت الإنجازات التي حققتها بعض الثورات العربية بيد شعوبها المقهورة، الإخوة السوريين على كسر حاجز الخوف الذي تشكل منذ أحداث مذابح حماة التي لا يتذكرها الشباب الذين حركوا الانتفاضات في عدة بلاد.
فبعد عدة انقلابات واضطرابات منذ ما يزيد عن 48 عاما، وقع انقلاب عسكري حاسم استطاعت فيه الطائفية (أي الفرقة الشيعية المنحرفة المعروفة عند العلماء الذين حكموا عليها بالكفر بالنصيرية، وقد أعلن رئيس الانقلاب حافظ الأسد في الإذاعة الرسمية أنه أسلم ودخل لمذهب أهل السنة)، بعد أن تمكنت قواتها من التسلل والاستيلاء على قيادة الجيش السوري، وعلى مراكز القوة في الوزارات والمؤسسات، وتمكنوا من ضرب القوى الوطنية كافة، وأخرجوها من الساحة السياسية وسلبوها كل قوة مؤثرة لها في جميع دوائر صنع القرار، فاستتب له الأمر، بعد تحكمه في جمع كافة السلطات في يده، ولم يتمكن أحد من الانقلاب عليه، فاستمر بقوة في تحقيق أهدافه التي ركزت على تغيير الهوية الإسلامية الحقيقة للبلاد، ونشر مبادئ القومية العربية المنتنة، وسيطرة قيم حزب البعث الاشتراكي الضال.
مدينة حماة المجاهدة
وقد أدرك الطائفيون خطورة بعض المدن التي أرادت منع هذه الأهداف، ومنها مدينة حماة المجاهدة، واعتبروها قلعة منيعة تقف في مواجهتهم؛ بما لها من ماضٍ جهادي عريق، فقررت الحكومة تدميرها، فرسموا مخططاً خبيثاً لإبادتها، وإبادة شعبها الحر المكافح، وإبادة أي مدينة تنهض لمساعدتها، وذلك عن طريق الاستفزازات والتحرشات.
فبدأت التصرفات الاستفزازية ـ بعد استيلاء قادة الانقلاب على الحكم بقليل ـ التي تتحدى مشاعر المسلمين، فأدت لصدامات دموية، أودت بحياة عشرات الطلاب، واعتقال المئات، وضرب المسجد الجامع، وانتهت الفتنة بتدخل عقلاء المدينة للكف عن هدمها، ومن خلال هذه الأحداث الدموية، ظهرت نيات الطائفيين الذين لم يستطيعوا كتم عدائهم الشديد، وأحقادهم الدفينة على مدينة حماة وأبنائها.
وبعد انتشار الفساد في عدة مجالات، وانتشار الظلم ومصادرة الحريات، قد جهز المصلحون ـ بعد عشر سنوات تقريبا ـ عدة مطالب إصلاحية مقبولة، تم الاتفاق بين كافة قطاعات الشعب على إعلان الإضراب العام سنة 1980م لتحقيق المطالب المشروعة وإجراء الإصلاح المنشود، فطبعت آلاف النشرات، وخرجت المظاهرات الشعبية للتضامن مع المطالب الإصلاحية.
ولجأ النظام القمعي للبطش بالشعب لإخماد هذه الروح الجديدة، فحل النقابات العلمية، ومنع المؤتمرات، وحرم الاجتماعات، وأسرف في الاعتقالات من جميع الفئات، وقتل أعدادا كبيرة من المتظاهرين، وأغلق عدداً آخر من دور العبادة ودمر قسماً منها، و ابتدع النظام طريقة جديدة للإرهاب وهي الاعتداء على حرمة المساكن، واختطاف النساء والفتيات، والسطو على الأموال والممتلكات، وقتل الأزواج، والتمثيل بهم، أمام الزوجات والأولاد.
وأقدم النظام على هذه الجرائم تحت اسم "تمشيط المدن والقرى" بالدبابات ومجموعات كبيرة من الجنود والوحدات الخاصة، وسرايا الدفاع وعناصر المخابرات والكتائب الطائفية، وكانوا يستبيحون كل شيء في أثناء "التمشيط"، و يسرقون وينهبون ويدمرون ويعتدون على الناس، والحرمات والمقدسات، ويقتلون كل من يرفع صوته محتجاً على هذه الانتهاكات، زاعمين أنه من الإخوان المسلمين (الذين خرج أو انفصل فصيل منهم ـ بقيادة مروان حديد ـ على الجماعة الأم، وأعلن الجهاد المسلح ضد الحكومة البعثية الكافرة). فنشر النظام الذعر والرعب والإرهاب في قلوب المواطنين، وارتكب عدة مجازر جماعية في حماة، وغيرها مثل مجزرة سجن تدمر، و بل لم تكد تخلو مدينة أو قرية في القطر السوري إلا وتعرضت للتمشيط(1).
إبادة مدينة حماة
ومن عام 1981 تعرضت حماة لحرب إبادة فعلية، تم استخدام فيها جميع أنواع الأسلحة، بدأت بتحريض السلطة أجهزتها القمعية في حماة على اضطهاد أبناء المدينة لأي سبب، ثم أطلقت أيدي سرايا الدفاع المخصصة أصلا لحرب الأعداء، وجندت الوحدات الخاصة، وتعاونت مع المخابرات العسكرية، والعامة، والكتائب الحزبية المسلحة.
ووقع أهم تطور، وهو ما حصل في أحداث شباط (فبراير) 1982م فقد قرر نظام الأسد استباحة مدينة حماة بأسرها، بل ولم يخجل من تدميرها، فقد حوصرت المدينة من كل الجهات، ثم قصفت بالمدفعية الثقيلة قصفاً عشوائياً، تمهيداً لاقتحامها بالدبابات والآليات، في الوقت الذي تخوض فيه عناصر سرايا الدفاع والوحدات الخاصة حرب الشوارع، ضد المواطنين العزل. يرافق ذلك كله تعتيم إعلامي شديد في الداخل والخارج، ليدفع قوى المعارضة إلى ما يشبه اليأس، ويضلل الجيش النظامي، ويخفي الحقائق عن أبناء الشعب في بقية المحافظات، وعن الرأي العام العربي والعالمي، إلى جانب اعتماد السلطة الباغية على البطش الشديد السريع العشوائي؛ ليكون الأداة الفعالة في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية والنفسية في آن واحد.
يقظة الشعوب
وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي لعدم تسريب أخبار ارتكاب المجازر التي وقعت في الثمانينات، وإن كان قد تسربت بعض الأنباء من الفاريين من جحيم المجازر، ونقلت الإذاعة المؤقتة للمجاهدين أو الثوار (بالعراق) الذين خرجوا على النظام بعض الأخبار. قد ثبت إخفاق الأنظمة الطاغية في الاستمرار في تحقيق أهدافها الخبيثة، وبحمد الله بدأ الشعب السوري في الاستيقاظ هذه الأيام ـ عام2011م ـ، بعد انتشار الفساد، وكثرة الظلم، وتوريث الحكم لفئة منتفعة مخصوصة نهبت خيرات البلاد، و مارست القمع، وأجهدت جهود الإصلاح بقوة البطش، وإرهاب السجون، والتخويف بالمعتقلات.
واليوم وقد ثبت أن الطغاة لم يستطيعوا منع التعتيم عن وسائل الإعلام الحديثة، وقد كان النظام قديما يمنع توزيع المنشورات، ويقوم بإغلاق المطابع، ويمنع المراسلين، ويزوّر الحقائق.
فهل ينجح النظام السوري في تزوير الحقائق، وتغيير الوقائع؟
ولكن الآن وقد تغيرت الأحوال، و انتشرت الفضائيات، وظهرت مواقع التواصل الاجتماعي، وظهر تأثير النت في إنجاح الثورات، واستمرار الانتفاضات، فهل ينجح النظام السوري في تزوير الحقائق، وتغيير الوقائع؟
وهل يستطيع القيام بمذابح جديدة مثل مذبحة حماة؟ وقد بدأ ذلك فعلا في درعا وغيرها، فلا أظن أن ينجح هذه المرة في تكرار مذبحة حماة، ليس فقط لانتشار وسائل الإعلام الحديثة، بل لانتشار الصحوة الإسلامية، ولانتصار الانتفاضات العربية في تونس ومصر وغيرهما. فالمطلوب الآن أن يتعلم أبناء الشعب السوري كيف انتصرت بعض هذه الثورات؟
كيف انتصرت بعض هذه الثورات؟
فهي لم تنتصر لانتشار وسائل الإعلام الحديثة فقط، أو لأن الجيش وقف بجوار الشعب، أو لأن الداخلية قد ارتكبت المجازر، وقتلت المئات، أو لأن بعض الدول الغربية وقفت بجوارها، أو لحصول التلاحم بين أبناء الشعب، أو لشدة القسوة من الحكام الظلمة، أو لانتشار الاستبداد، وتشعب الفساد في جميع المجالات، وإن كانت هذه بعض الأسباب التي أدت لنجاح الثورات، ولكن السبب الحقيقي هو أن المؤمنين المصلحين علموا أن النصر من عند الله، كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" سورة القتال، فنصروا الله تعالى في عدة مجالات، وتوكلوا عليه وحده، وتضرعوا إلى الله تعالى بالدعاء بعد أن علموا شروطه وآدابه، وتوجهوا إلى المولى سبحانه بصدق وإخلاص خصوصا المظلومين الذي لا ترد دعوتهم، فاستحقوا أن يتنزل عليهم النصر المبين من الغفور الرحيم، فثبتهم الله تعالى في أحلك الظروف، وأيدهم بجنود من عنده أو بالتحام كافة فئات الشعب لتحقيق النصر، و أعمى بصائر الحكام عن النجاح في تدبير الأمور، وفشل خططهم، وجعلهم يرتكبون الحماقات.
وقد تأكدت الشعوب أن النصر والتثبيت والصبر في وقت الابتلاء والشدة من عند الله تعالى، فهي تدخل الآن معركة الحرب على الفساد، وتحقيق الإصلاح والتغيير و البناء وتحاول أن تتمسك بهذا النهج، نسأل الله تعالى أن يحقق للبلاد الإسلامية ما تصبو إليه من عزة، وتقدم وازدهار.
ــــــــــــــ
توجد مواقع عديدة كتبت بالتفصيل عن أحداث ومجزرة حماة، منها: موسوعة ويكيبيديا، ومنتديات أنسابكم موقع أهل السنة، وقد نقل هذا وغيره بعض الوقائع بالصور عن بعض المواقع الإخبارية مثل الجزيرة نت.











50
الرد على هذا التعليق

خدمة RSS