29 - جماد أول - 1432 هـ| 03 - مايو - 2011
الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
المتأمل للمشهد السوري المحتدم في أعقاب المظاهرات التي عمت البلاد، يستطيع أن يلاحظ مفارقة عجيبة يمكنها أن تكشف طبيعة الأزمة المتفجرة والمتصاعدة، ونعني بها حالة الازدواجية الثلاثية التي يتم التعامل بها مع الحالة الثورية في سورية.
الازدواجية المحلية
فعلى المستوى المحلي هناك حالة من الازدواجية بين الخطاب السياسي المعلن والواقع على الأرض، فمنذ البدايات الأولى للثورة أعلن النظام حزمة من الإصلاحات المزعومة في محاولة لتهدئة الشارع، لكن الواقع على الأرض يكشف زيف هذه المزاعم، فعلى الرغم من إعلان إنهاء حالة الطوارئ، و إلغاء محاكم أمن الدولة، والسماح بتنظيم المظاهرات، ظل النظام في قمعه واعتقال الآلاف وقتل المئات، حتى بدا الأمر وكأن هذه الإصلاحات المزعومة محاولة للالتفاف على الموقف! وتخدير الشعب بقرارات لم تتجاوز الورق الذي كتبت عليه.
منهج تخدير الجماهير والالتفاف على مطالبهم استخدمه من قبل النظام التونسي والمصري؛ في محاولة لكبح جماح الثورات، ولكن الشعوب العربية لم تنطلِ عليها مثل هذه الأساليب، وأثبتت أنها أكثر وعيا من حكامها، لكن يبدو أن النظام السوري لم يستوعب الدرس جيدا.
الازدواجية الإقليمية
وعلى المستوى الإقليمي كانت هناك حالة من الازدواجية الصارخة في الموقف الإيراني، ففي الوقت الذي يصرخ فيه الساسة في طهران منددين بما زعموا أنه قمع للحريات في البحرين، في حين أن القتلى لم يتجاوزوا بضعة عشرات، نجد طهران تصف مظاهرات الشعب السوري المطالبة بالحرية والكرامة، ـ والتي سقط فيها ما يزيد عن 700 شهيد بحسب بعض التقديرات الحقوقية ـ بأنها (فتنة) و(مؤامرة) و (فوضى) نتيجة لتدخل خارجي؛ بدون أي اعتبار لحقوق الشعب السوري، وإرادته وحريته المغصوبة.
هذا النفاق السياسي والازدواجية المكشوفة دفعت أحد المراقبين(*) لوصف الفضائيات الإيرانية بأنها تحولت إلى فضائيات سورية منحازة، الأمر نفسه لا يختلف بالنسبة لـ"حزب الله" في طهران، بل إن الأمر تجاوز مجرد الدعم المعنوي للنظام السوري إلى عرض بتقديم مساعدات، والوقوف إلى جانب النظام العلوي النصيري في سوريا، بحسب بعض المراقبين.
هذه المواقف المخزية كشفت للشعب السوري وللشعوب العربية والإسلامية الأبعاد الطائفية التي توجه الساسة في طهران وقيادات "حزب الله"، وكان من نتاج ذلك أن خسرت من تعاطف معهم في الماضي، وزاد من تماسك وتعاضد أهل السنة في المنطقة في مواجهة محاولات الاختراق الرافضية.
الازدواجية الدولية
وعلى المستوى الدولي كان هناك حالة الازدواجية في تعامل مجلس الأمن مع المشهد السوري، فعلى الرغم من حالة عمليات التنكيل والقمع والإبادة التي يمارسها النظام السوري ضد المدنيين العزل الذي يطالبون بأبسط الحقوق، وهو العيش بحرية وكرامة، فقد فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار أو حتى توجيه إدانة لسورية؛ وذلك بسبب اعتراض كل من الصين وروسيا وهما من الدول التي تملك حق الفيتو لوقف أي قرار يصدر من مجلس الأمن.
هذا الفشل في إصدار قرار الإدانة يتعارض مع المواثيق المزعومة لهذه المنظمة الدولية في حق الشعوب في تقرير مصيرها ونيل حريتها، كما أن هذا العجز عن إصدار قرار هو بمثابة ضوء أخضر للنظام السوري في استمرار حملاته العسكرية لقمع المتظاهرين! وتعبيرا عن رضا المجتمع الدولي بالانتهاكات التي تجري في سورية ودعما لهذا النظام الديكتاتوري.
أخيرا
على الرغم من حالة التواطؤ الدولي والإقليمي مع النظام الاستبدادي في سوريا، فإن التجارب الثورية في مصر وتونس أثبتت أن الشعوبهي التي تحدد المستقبل، وأن الكلمة هي للشعب السوري، وأن إرادة الشعوب المسلمة لا يمكن أن تقف أمامها أعتى الأنظمة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
*انظر "الجمهورية الإيرانية ... بعد خمس مئة شهيد"، زهير سالم، مركز الشرق العربي.











38
الرد على هذا التعليق

خدمة RSS