نحو منهج نقدي لتقويم الرجال والحكم عليهم

كتاب لها
11 - جمادى الآخرة - 1432 هـ| 15 - مايو - 2011


1

ما أحوجنا إلى منهج نقدي نزن به الرجال؛ ذلك لأن الرجال - إذا صلُحُوا وأصلحوا - صاروا قدوة للناس يقتدي بهم الكبير والصغير، ويصدرون عن رأيهم، ويأتمرون بأمرهم، ويلزمون مواقفهم، ويؤمنون بتصوراتهم.

ما أشـد حاجـتـنـا إلـى هــذا الـمــنـهـج - الذي لا أدعي عدم وجوده - الذي نسدد به خطانا، وَنُقَوِّمُ حياتنا، وَنُرَشِّدُ سلوكنا ونضبط تصرفاتنا، ونزن مواقفنا في ميزان سـواء؛ فـــلا نــضــل، ولا نــحــيــف، ولا نتيه، ولا نزيغ.

وفي اعتقادي: إن كثيراً من التخبطات التي نمارسها في حياتنا، والانتكاسات التي توحلنا فيها على جميع الصُعُد، بل وكثيراً من الاضطراب في ممارساتنا وآليات حياتنا - يعود إلى فقدان هذا الـمـنـهـج في عـالـمـنـا وتغيـيـبـه عـن دنيانا؛ كـيـمـا نـبــقـى خــفـافـاً لا ثـــقـالاً، هائــجـين لا مـجـاهـديـن(١) هائـمـين لا سالكين، زائغين لا قائمين على الحق.

وتكمن خطورة غياب الوعي الأصيل بهذا المنهج حينما يُرَبَّى أبناء الاتجاه الإسلامي، وغيرهم على التبعية المطلقة لإنسان ما؛ بذريعة أنه شخص فوق النقد والمناقشة، وأن أعماله وسلوكه وتصوراته لا تقبل المعارضة فضلاً عن المخالفة؛ وكأن هذا الملهم نبي معصوم لا بشر يخطئ ويصيب كسائر الناس، وإن فتشت عن المعايير التي بها قُدِّمَ هذا الإنسانُ، فَــتَـوَلَّى أمــراً، أو نُـصِّــبَ قــدوة للآخــرين - لوجدتها ترجع إلى مقايـيس لا ترقى إلى درجة الاحترام الكامل فضلاً عن تقديسها، ووضعها في موقع بعيد عن المساءلة والمحاسـبـة، فــتـرى هذا الإنسان - وقد تبعه خلق كثير - قد أصابه العجب بنفسه، وبلغ منه الزهو كل مبلغ، أو أصابه شعور (ما) جعله يحس أنه أبو الجميع ومرشدهم، وموجههم، فتراه يُشَرِّق ويُغَرِّب في مواقفه وقراراته دون الرجوع إلى الشرعية الاستشارية التي تُسَوِّغُ له هذا الموقف أو ذاك....

إن هذا المخلوق لا يتمتع بصفات عقلية عالية، ولا يُحَصِّلَ علماً شرعياً أصــولـيــاً، أو ثـــقـافــة إنــسـانــيــة عــامــة، أو خبرات عريقة؛ إنه مجرد خطيب رُزِقَ موهبة الخطابة أو الشعر، أو كاتب صارت الكتابة فناً مَهُرَ به، أو محاضر أُوتي لَسَانةً، أو وُهِبَ جسماً جذاباً، أو له مريدون في حلقة علمية يَدَرِّسُ بها كتاباً كُتب من قرون بأسلوب لا يصلح لطلاب العصور المنحدرة!!!

وقد يكون شخصية طيبة سليم القلب، لكنه ضعيف الوعي، لا يفقه الواقع ولا يعيه ليس بالخب لكن الخب يخدعه. نعم! إن بعضاً من تلك المقاييس يحتاج إليها القدوة، ولكنها لا تصنع القدوة وحدها.

إن الكارثة التي مُني بها الاتجاه الإسلامي وغيره (من غير تعميم مطلق) ؛ إما سببها تولي أمثال هؤلاء الأشخاص مقاليد الأمور في حركاتهم، ولا سيما في البلاد التي لا تسمح بالعمل المنظم إلا من وراء الجُدُر؛ حيث كبتُ الحرية لا يهيئ الأجواء لفصيل قائد (ما) أن يمارس العمل في أجواء مفتوحة، أو مناخ طليق منضبط تحترم الإنسان، وتقدر مواهبه وآراءه ما دامت لا تصطدم مع الآدمية التي كُرِّم الإنسان بها.

ولعلك تسأل أخي القارئ: ما المنهج النقدي الذي نُقَوِّمُ به الرجال أو نحكم عليهم؟ لقد أشرت من قبل أن هذا المنهج موجود، يحتاج إلى مَن يجمع شتاته وترتيبه وتقديمه إلى الناس كيما يستخدم عند التقويم والترجيح. إن هذا المنهج الذي ندعو إليه هو (علم الجرح والتعديل عند المحدثين)؛ لكنه بحاجة إلى توسيع دائرته لـتـشـمـل مـنـاحي الحياة الأخـرى، ولا يمنع أن نستفيد مما كتبه نُقَّاد الأدب وغيرهم في مناهجهم النقدية التي بها درسوا أعمال الأدباء والعظماء وحياتهم، وأخص بالذكر المنهج المتكامل الذي أشار إليه سيد قطب - رحمه الله - في كتابه النقدي المشهور (النقد الأدبي أصوله ومناهجه).

إننا لو اتبعنا منهج المحدثين بالإضافة إلى المنهج المتكامل في الأدب وغيره - في أثناء تقويم الرجال والحكم على الآخرين؛ لكي نُقَدِّمَ هذا، ونؤخر ذاك، ونرفع من شأن شخص أو نخفضه، نُبَدِّعُ زيداً، ونكفر(١) عَمْراً، و نْفَسِّقُ فلاناً، وَنُعَدِّلُ آخر، نَتّبِعُ أو نرفـض - أقـول إنـنا لو اتبعنا هذا المنهج، لسلم مقصدنا، واستقام أمرنا، وحسنت مسيرتنا، وكتب لنا - إن شاء الله - القبول والتوفيق والتمكين بإذن الله.

إن الحكم على الأحياء من الأشخاص - المقتدى بهم على وجه الخصوص - منهج ينبغي أن يتم وفق الطريقة التالية:

تدرس حياة هذا الإنسان من جميع جوانبها، كما يدرس نتاجه العلمي والفكري، ونتتبع مواقفه وأقواله وسلوكياته، ثم نعرضها على ميزان الشرع؛ فما وافقه قبلناه، وما خالفه رفضناه، ويبقى حكمنا عليه باعتبار ما انتهى إليه أمره، فإن كانت في حياته جراحات خُلُقية وسلوكية وفكرية، أشرنا إليها - بقصد التنبيه على مخالفتها لشرع الله - دون تجريح أو تشهير أو تشفٍ، وأبرزنا الجوانب المضيئة، والمواقف القوية، والسلوكيات الرفيعة.

جاءني مرة أحد الأصدقاء ممن نحسبه على خير يطيل لسانه على أحد القيادات الإسلامية ويزعم أنه كان يدخن! أو يسمع الموسيقى! وووو. قلتُ له: هذا رجل له مواقف كذا وكذا، وهو الآن من الصالحين الواعظين؛ فمحال أن يكون هذا حاله! (هذا مثال من عشرات الأمثال المشابهة).

ثم قلت له: أين تجد ذلك؟

قال: في كتاب (مذكرات لا ذكريات).

عدت وإياه إلى الكتاب وإلى الصفحة وقرأنا ما كتب الرجل؛ وإذا بنا نفاجأ أن الرجل يتحدث عن ماض قطع حباله، وعن زمن تخلى عنه، ثم تاب إلى الله والتحق بركب الرجال الصادقين.

قلت: سبحان الله! لماذا لا نحاسب عمر - رضي الله عنه - عندما كان جاهلياً، ولماذا لا نحاسب خالداً على سـيـرته في مـكــة قـبـل أن يسلم؟! الإسـلام - يا أخي - يَجُبُّ ما قبله، فسكت الرجل.

إن الله - سبحانه وتعالى - لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ومن حسُنَ عملُه، وتاب إلى الله توبة نصوحاً، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات.

ويُصرُّ بعض الناس على الحكم على الأحياء والأموات بميزان عجيب عماده الهوى والغلو والكراهية، وضحالة التفكير، والاستقراء الناقص الملفع ببساطة القلب، وضعف في رجاحة العقل.

كم من رجل رفعناه؛ لأنه صاحب مصنفات ومؤلفات! فإذا بحثنا عن مواقفه وسلوكياته وجدناه خفيفاً في الميزان العادل مرجوحاً عند الأصوليين! كم من رجل يحمل لقباً علمياً - ولـيـس مـن أهـله - تـبـوأ دفـة التوجـيـه والإرشـاد ونال القبول ولا سيما عند العامة، ولو أردت أن تعرف السبب، لوجدته قد ارتفع في أعين الظلمة، فكبروه في أعين الناس بما يملكون من أبـواق إعلامـيـة فـصـدقـه أنـاس؛ وما ذلك إلا لأنه قد مرر لهم مشاريع جاهلية، وسوغ لهم سياسات منكورة!

آن لنا أن ننزل الناس منازلهم وفق ضوابط العدل والحق، آن لنا أن نؤخر من يعبثون في حياتنا، آن لنا أن نستريب بكل رَوَّاغٍ متلون لا تعرف له وجهاً واحداً فهو معك وعليك.

حدثتنا كتب السيرة عن طليحة ابن خويلد الأسدي (الذي ادعى النبوة) أنه عندما رجع وتاب، وكفَّر عن فعلته الشنعاء بمرافقة المجاهدين في ساحات الوغى، أوصـى عـمـرُ بـن الخـطـاب - رضي الله عنه - بألاَّ يُولَّى ولا يُؤمَّر على أحد، وكان موضع ريبة؛ إلا أن الصحابة عاملوه على ظاهره، ولم تمنعهم توبته من تقديم الظـن فيه على اليقين حتى يستقيم أمره مع الزمن.

إذن لا بد من العودة إلى منهج المحدثين والمنهج المتكامل في النقد الأدبي للحكم على الناس؛ وبذا نتخلص من هذه الفوضى التي تعصف بحياتنا، وجعلتنا نتفرق في عالم يسعى إلى الوحدة على أسس سليمة؛ ولا نلتفت إلى النوايا التي لا يعلمها إلا الله تعالى، وإنما مدار الحكم على الأعمال الظاهرة والله من وراء القصد والحمد لله رب العالمين وإلى الحلقة القادمة حول الموضوع نفسه.      

هوامش: ---------------

(١) الجهاد في الإسلام له مفهومه وشروطه وأهدافه.

(١) بحسب ما يظهر لنا من أعمال وأقوال تحمل نواقض الإيمان والإسلام ظاهراً، أما السرائر فإلى الله.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
-- يسرا - مصر

13 - جمادى الآخرة - 1432 هـ| 17 - مايو - 2011




جزاك الله خيرا,ما احوجنا في هذا الزمان من العمل بهذا الفقه ؛لكي يستقيم العدل وينتشر وتوضع الموازين في موضعها .

-- عادل الشمري - السعودية

25 - جمادى الآخرة - 1432 هـ| 29 - مايو - 2011




آن لنا أن ننزل الناس منازلهم وفق ضوابط العدل والحق، آن لنا أن نؤخر من يعبثون في حياتنا، آن لنا أن نستريب بكل رَوَّاغٍ متلون لا تعرف له وجهاً واحداً فهو معك وعليك.
بارك الله فيك وفي علمك . فعلا ياشيخي الفاضل لابد من انزال الناس منازلهم ولاتاخذنا في لله لومه لائم
ابنكم البار عادل

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...