عروس على الأبواب

كتاب لها

لها أون لاين » كتاب لها » تحرير الفكر

تقييمك للمقال
  • حاليا 5/3 نجمات.
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
(259 صوت)
28 - رجب - 1432 هـ| 30 - يونيو - 2011

تحرير الفكر


تحرير الفكر
تحرير الفكر

لا يوجد نقاش حول أن العالم أفرز الكثير من المذاهب والنظريات والأفكار التي تدور حول الإنسان والكون والحياة، وقد انطلقت في صياغتها وفلسفتها من منطلقات متباينة ومتناقضة، تدور حول بعد واحد فقط، كالبعد المادي أو الجنسي أو الطبيعي أو ... غير مهتمة بالإنسان ككل وفق فطرته وتكوينه، فجسده ليس بمعزل عن روحه، ونفسه ليس بمعزل عن غرائزه، وحياته المادية ليست بمعزل عن حياته الدينية، فالإنسان ذي كينونة واحدة.

لقد عاشت الشعوب العربية والإسلامية  تتلاطمها أمواج العلمانية والمادية والبعثية والليبرالية والاشتراكية والشيوعية، والأفكار والنظم الفلسفية المختلفة ، سنوات وسنوات، فماذا كانت النتيجة!؟

إن كل نظرية أو مذهب تتناقض مع الفطرة أو تصطدم بها مصيرها الفشل، وأي أفكار أو فلسفة لا تسير مع طبيعة الفطرة أو تسير في عكس طريقها مصيرها الفشل!! سواء كانت هذه الأفكار في الاجتماع أو الاقتصاد أو السياسة أو أي شيء آخر.

لقد فشلت هذه المذاهب الوضعية في حل مشاكل الإنسان وقضاياه، ففشل العلمانيون والماديون والبعثيون والليبراليون والاشتراكيون في عالمنا العربي والإسلامي في تحقيق العدالة والكرامة والحرية للإنسان، كما فشلت في حل مشكلات الإنسان في كافة أنحاء الأرض، من الانتحار والإفلاس والشقاء والظلم والفساد والقهر والفقر والاستبداد والقلق والعري والتفكك والتخلف، ولم تفعل شيئا لتقدم الدول والشعوب، بل تمزقت الدول والشعوب والمجتمعات، وتمزق الفرد نفسه إلى أجزاء شتى، فأصبح لدينا الإنسان الغيرمنتمي،  الفاقد لخصائصه الذاتية، ولتكوينه المتوازن بين الروح والجسد، ومقومات حضارته.

لقد علمنا القرآن أن التغيير لا يتم إلا إذا كان هناك تغيير داخلي، وهذا التغيير الداخلي هو الأساس لكل لبنة بناء في صرح الحضارة. ] إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [ (سورة الرعد:11).

إن الأمة الإسلامية والعربية بحاجة إلى تحرير حقيقي للفكر والتفكير؛ للتخلص من العقبات التي تعيق البناء، وتمنع الرؤية الواضحة للحياة والإنسان والكون، وهذا التحرر لا يكون إلا بعدة أمور منها :

1.  العودة إلى النبع الصافي الذي لا يناقض الفطرة، إلى الرسالة التي أرسل بها إبراهيم وموسى وعيسى وختمت وحفظت بمحمد عليهم الصلاة والسلام، وهي رسالة الإسلام.

2.     الوعي بحقيقة خلق الإنسان وتكريم الله له.

3.     تحرير الفكر من الهزيمة الداخلية، وكسر قيد اليأس والإحباط، والشعور بالاحتقار، والسعي نحو التغيير والتطوير.

4.     تحرير الفكر من التعصب والأهواء والجمود والتقوقع.

5.     تحرير الفكر من التبعية للشهوة الحيوانية، والعادات والتقاليد التي تخالف الاسلام وقيمه وتعاليمه.

6.  تحرير الفكر من التبعية للأفكار الواردة من هنا وهناك، التي تناقض الفطرة، ومن حياة الغرب التي تخالف شرع الله، ومبادئ الإسلام، والتي نتلقاها دون تمحيص أو تثبت، وكأننا ببغاء يردد، ولنتأمل في هذا الاعتراف الصريح من زعيم الوجودية الكاتب والفيلسوف الفرنسي اليساري المادي جان بول سارتر في كيفية صناعة واستنساخ الثقافة الغربية لدى العالم العربي ، ورغم اشتهار هذا الفيلسوف بالتحرر الفكري، إلا أنه الإنسان الأوربي الذي لا ينسلخ عن ثقافته ذات المرجعية الفكرية المتمثلة في الفكر الإغريقي، والصراع ضد الكنيسة والتي يزعم أنها ثقافة متحضرة، وأن غيرها ثقافات متخلفة عقيمة.

فقد كتب عام 1961 مقدمة وضعها لكتاب "المعذبون في الأرض" للطبيب  الكاتب الفرنسي فرانز فانون: "كنا نحضّر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في أمستردام ولندن والنرويج وبلجيكا وباريز. فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويرتدون السترات والسراويل، ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو والاستقبال والاستدبار، ويتعلمون لغاتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا ندبر لبعضهم أحيانا زيجة أوروبية، ثم نلقنهم أسلوب الحياة على أساس جديد، وطرز جديدة من الزينة، واستهلاك أوروبي جديد، وغذاء أوروبي، كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أوروبة بلادهم، ثم نرسلهم إلى بلادهم، وأي بلاد؟ بلاد كانت أبوابها مغلقة دائما في وجوهنا، لم نكن نجد منفذا إليها. كنا بالنسبة إليها رجسا ونجسا وجنا. كنا أعداء يخافون منا، وكأنهم همج لم يعرفوا بشرا. لكنا بمجرد أن أرسلنا المفكرين الذين صنعناهم إلى بلادهم، صرنا بمجرد أن نصيح من أمستردام أو برلين أو بلجيكا أو باريس، قائلين: "الإخاء البشري" نرى أن رجع أصواتنا يرتد من أقاصي إفريقية، أو فج من الشرق الأوسط أو الأدنى أو الأقصى أو شمال إفريقية، كما نقول "الإخاء البشري"....كانوا يرددون ما نقول تماما، مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض، هذه أصواتنا في أفواههم. وحينما كنا نصمت، كانت ثقوب الأحواض هذه تصمت أيضا، وحينما كنا نتحدث كنا نسمع انعكاسا صادقا وأمينا لأصواتنا من الحناجر التي صنعناها، ثم إننا كنا واثقين من أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم ، ليس هذا فحسب، بل إنهم سلبوا حق الكلام من مواطنيهم".

لقد انتفضت الشعوب ضد الاستبداد بكل معانيه وألوانه وأشكاله السياسي والفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وهذا الاستبداد كان نتيجة حتمية لتلك المذاهب والنظم الوضعية المستوردة من الغرب والشرق، التي ما زال البعض يروج لها ويتمسك بها، فلم يفهم طبيعة الحياة، وحقيقة النفس البشرية في حاجتها إلى الله، وأتساءل هل انتفضت الشعوب لتبدل الاستبداد باستبداد آخر، فتعيش مرة أخرى في التيه والضياع، أم تستبدل الاستبداد بالحياة الكريمة التي لا تتحارب مع فطرتها ؟!

إن المعاناة التي عانتها الأمة العربية والإسلامية من مشكلات  التخلف والفقر والظلم والقهر والصراع لم تنشأ بسبب التمسك بالدين، أو بسبب العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإن كان لها تأثير بلا شك، وإنما نشأت بسبب البعد عن الدين، وطمس الفطرة السليمة، وتبعية الغرب في مذاهبه وآراءه، والذين يلهثون وراء هذه المذاهب والنظم الوضعية المتهالكة والمفلسة لإقامة مناهجهم وثوراتهم وحياتهم  كمثل "المستجير من الرمضاء بالنار"، فالقضية ليست قضية حاكم يراد استبداله بأخر، أو استبدال حزب البعث بالعلمانية مثلا، أو الاستعانة والتقوي بالغرب ضد أوطاننا، وإنما القضية الأساسية قضية العقيدة، قضية المنهج الذي يسير عليه الإنسان، فيوازن بين روحه وجسده، وبينه وبين الآخرين في سلام النفس وسلام المجتمع وسلام الأحياء في كل البقاع.


وما هذه الثورات إلا رسالة واضحة من الشعوب التي آيست من هذه النظم والمذاهب، فانتفضت فطرتها، تنفض عنها الغبار، وتكفر بهذه النظم والمذاهب المفلسة، وعادت إلى ربها، تكسر قيد العبودية إلا من عبودية الله سبحانه، ولهذا نحن في أشد الحاجة إلى تحديد الهوية،  وتحرير الفكر، وتصحيح الوجهة، فحين يحصل التحرر من الهزيمة الداخلية ومن التعصب والأهواء والجمود والتقوقع، والتبعية للشهوة الحيوانية، والعادات والتقاليد التي تخالف الإسلام وقيمه وتعاليمه، والتبعية للأفكار الواردة من هنا وهناك، التي تناقض الفطرة، ساعتها يحدث التغيير للانطلاق نحو مستقبل بناء الحضارة الإسلامية التي تستفيد منها الإنسانية كلها، ولا يصلح حاضر الأمة إلا بما صلح به ماضيها، كما قال الإمام مالك بن انس: "لا يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".


تعليقات 1 | زيارات المقال 3386 | مقالات الكاتب 58
1

thinker - السعودية 29 - رجب - 1432 هـ| 01 - يوليو - 2011
كيف للشعوب الاسلامية ان تتغير وتتحرر من عبودية الغرب
وهذا حقيقة ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم من مئات السنين؟؟

هناك بيانات مطلوبة ...


الأسـم *:
البريد الإلكتروني:
الدولة*:
العنوان:
التعليق *
كود الحقيق *
لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...