شعراء من فلسطين.. للحج مشاعر لا تكتبها الأقلام!

أدب وفن » آراء وقراءات
08 - ذو الحجة - 1432 هـ| 05 - نوفمبر - 2011


1

هناك في قلب الأرض المسلمة - مكة المكرمة والكعبة المشرفة- يفيض المسلمون من بقاع الأرض الأربعة صفوفا وراءها، صفوف تمتد بامتداد البصر، وموج البحر المترائي للناظر خارج الحرم المكي، تجدهم من المشرق والمغرب، من الشام ومصر والعراق، من الهند وماوراء البحار، بألوانهم المختلفة وأجناسهم ولغاتهم المتباينة، فقط يجمع بينهم لباس أبيض ونيةٌ صادقة بالتحلل من غصات النفس وشهوات الدنيا،  حول الكعبة يستقرون طوافاً وإذا ما انتهوا ينتشروا إلى حضن جبل عرفات كصفحات بيض تتزاحم فوق بعضها بعضاً، لا يشوبها كدر شهوة أو ذل إثم أو ألم حقد، يعودون أطهاراً كما ولدتهم أمهاتهم بنفوس صافية لم تعرف الإثم يوماً أو تقترب من أبواب المعاصي.

ففريضة الحج تترك آثار بصماتها الإيمانية والروحانية على الإنسان حسياً ومعنوياً، فتظل روحه تهوى إليها تتمنى عودة أخرى ولقاء آخر بالحبيب صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام بلا حجاب أو ستار، وكلما مرت  أيام الحج أستذكر الأيام الأول وعاد بإحساسه إلى تلك المشاعر وبذاكرته إلى المواقف التي حفرت فيها مؤلمة كانت أم مفرحة وهكذا يبقى على مد العمر به.

"لها أون لاين" تلتقي ببعض الأدباء والشعراء الفلسطينيين، تستعيد معهم ذكريات الحج وتقف على مواقف لا تنسى المفرح منها والمؤلم، تابعونا.

"كل كلمات البيان والبلاغة الأدبية تعجز عن وصف إحساس الحاج عندما يقف بباب الحرم ويرى الكعبة لأول مرة" هكذا؛ قال الشاعر الفلسطيني عمر أبو شاويش، فالمشاعر في حضرة مكة المكرمة والكعبة  المشرفة والمدينة المنورة حيث الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ووطئ موطئه مختلطة بين الفرح والانبهار والصدمة الإيجابية أيضاً، قائلاً:"أن تكحل عينك تلك الأماكن بعد أن كانت مجرد خيال في القلب يختفي خلف جبال وصحاري ومسافات بعيدة شيء عظيم جداً" ويستكمل: "أنه كلما اقترب منها زاد شوقه وغالب ألمه وازداد من تحريك لسانه مصدقاً لخافقه بالدعاء".

ويؤكد أبو شاويش أنه ما إن شهد صحن الكعبة، حتى ارتعدت أوصاله رهبةً، وأخذ يمرر شريط حياته منذ مرحلة وعيه أمامه، وقف عند مواطن الضعف فيها، وسأل الله العفو والمغفرة، وصدح مسامحاً كل من آذاه أو آلام قلبه، ورجا طُهر القلب والنفس من أمراضها.

 يقول: "حاولت أن أسجل تلك المشاعر في أبيات شعرية، لكن الحروف اللغة وكلمات البيان خانتني وبقيت فقط تزين نفسي وروحي"، يشير الشاعر أبو شاويش الذي أدى المناسك العام الماضي أن قلبه مازال معلقاً بأرض المسجد الحرام والمسجد النبوي، وكلما مر يوم ازداد شوقه للعودة إلى رحاب مكة وطيبة المدينة، ويضيف: "هناك وعلى الرغم مما قد يؤلمك من مواقف عابرة، إلا أن قلبك يبقى عامراً بالإيمان لا مجال للحزن والأسى، فأنت في معية الله، وفي كنف حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم"، في إشارة منه إلى أقسى المواقف الذي مرَّ بها في أداء المناسك حين علم بوفاة خالته ـ شقيقة أمه- قبل وصولهم إليها بساعات فقط.

 يقول أبو شاويش:"كانت والدتي بصحبتي وأرادت أن ترى شقيقتها المقيمة في السعودية، وكانت لم ترها منذ ثلاثين عاماً، جاهدت في الاتصال بها إلا أن رقم الهاتف خاطئ، واستعانت بأقاربي في غزة للحصول على الرقم، وعندها كانت الفاجعة قال لي أحد الأقارب: "الآن قد آتانا نبأ وفاتها"، يؤكد أبو شاويش أن وقع الصدمة كان شديدا، لكن الوجود في الحرم يبعث طمأنينة غريبة في قلب الإنسان، ويجلي الحزن بدعاء خالص يرتد برداً وسلاماً إلى القلب، إضافةً إلى حالة الالتفاف من الجالية الفلسطينية والجاليات العربية، يقول هناك: "تلغى الحدود والفروق فيكون الحجاج كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له الباقي بالسهر والحمى".

إليها تهوى الأفئدة

والذكريات لدى الشاعرة والأديبة الفلسطينية من قطاع غزة فتحية صرصور مختلفة، يشوبها المزيد من الانسجام مع جلال وعظمة الكعبة فقد أدت فريضة الحج في عامين ميلاديين وهجريين معاً، فكانت كأنها قضت أربعة أعوام في رحاب الحجاز ومكة والمدينة، تقول:"كان ذلك في نهاية عام 2005 وبداية 2006 فشعرت أني قضيت عامين هناك، وقد وافق أيضاً انتهاء العام الهجري 1426 وبداية عام 1427، فكأني مكثت هناك أربع سنوات في تلك الديار".

 أما عن المشاعر الإنسانية هناك فلا شك أنها مغمورة برضا روحاني وإيماني قل نظيره، تقول: "كنت أتمنى أن أؤدي فريضة الحج  كأي فريضة أخرى، ولكن بعدما ذهبت لتلك الديار أصبح قلبي معلقاً بها لا يمكنني أنسى تفاصيل تلك الرحلة".

اليوم كلما مرَّ بناظر أ. صرصور مشهد الكعبة استذكرت طوافها وبكاءها ودعائها، وأخلصت الدعاء لله بأن يعيد عليها تكرار أداء الفريضة والعمرة تكراراً ومراراً، تؤكد أنها كلما تمكنت مالياً ستكون وجهتها بإذن الله تعالى إلى الديار الحجازية، قلب أ. صرصور الذي تعلق منذ أن خطت بأقدامها الحرم المكي جعلها ترفض الخروج منه تقول: "كلما خرجت منه قادني شوقي إليه مجدداً"، لافتة إلى أنها رفضت الذهاب لزيارة الأهل في السعودية، ومكثت تؤدي العمرة حتى أنهتها للمرة السادسة والطواف بالمسجد.

 ولعل أكثر المشاهد التي تعلق بذاكرتها رؤيتها للكعبة للمرة الأولى، تقول: "وقتها كنت أجهل جغرافية المنطقة فإذا بصديقتي تشير إليَّ ها هي الكعبة"، تصمت قليلاً ويختفي الكلام خلف الصمت يتراءى المشهد أمامها تؤكد أن المشهد كان عظيماً حتى أنه أعجز  قلمها عن أن يسوق كلمات الأدب ليجسده في أبيات شعرية، تقول:"رغم أنها أرض ترابية فيها مشقة كبيرة، وألم مؤلم، إلا أنه يزول حين تدركين أنك تؤدين أمر الله سبحانه وتعالى".

 وتتابع أن اختلاف اللغات والأجناس الآمة الحرم تأخذ بشعورك إلى منحى، آخر كيف أولئك توحدوا على كلمة "الله أكبر" وأضافت أنها حتى الآن تعجز عن تصوير تلك اللحظات بأسلوب أدبي من عظم وروعة وتدفق المشاعر الإيمانية والروحانية هناك، كما لا تنسى صرصور المشقة التي واجهتها كفلسطينية في الوصول إلى الديار الحجازية في الرحلات التي تستغرق وقتاً طويلاً وعبر مطارات مختلفة لكنها جميعها تهون أمام ساعة روحانية يقضيها الإنسان في أعظم بيوت الله سبحانه وتعالى- البيت الحرام-.

لم تتمالك أ. صرصور نفسها عندما طافت طواف الوداع، فكلما كان عليها أن تسير للأمام وتؤدي الطواف كانت تسير بجسدها بينما عيونها خلفها بدموعٍ منهمرة تودع الكعبة، تقول: "على مدار 500 متر كان وجهي إلى الكعبة تجهش عيوني بالبكاء بينما جسدي يطوف" وتقارن بين موقف رؤيتها للمرة الأولى، وموقف وداعها، مؤكدة أنها حزنت لذلك أشد من حزنها على وداع والدتها تحت الثرى، تؤكد أن ذلك المشهد لن يمحى من ذاكرتها على امتداد العمر، فوجودها في تلك البقعة المباركة جعلها تستشعر التاريخ الإسلامي بكل حيثياته ومواقف رواده محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء عليهم السلام وكافة الصحابة رضوان الله عليهم.

مشاعر مختلطة ومعاني سامية

المشاعر التي تنتاب الإنسان بمجرد قراره أداء فريضة الحج تختلف تماماً عن أية مشاعر تمر به على مر حياته، ففيها كما يقول صادق أبو سليمان الأديب الفلسطيني: "راحة للنفس وطمأنينة للقلب"، ويضيف أنها تختلط بين الرهبة والفرحة ويغزوها الحزن عند الفراق والعودة تجعل الإنسان على امتداد عمره يحن لزيارة الأماكن المقدسة في الأراضي الحجازية مرات عديدة في أزمان مديدة، برغم أنها فريضة على المسلم أدائها مرة واحدة في عمره، ويضيف أن سنة الاتباع وتقفي أثر الصالحين من الصحابة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إضافةً إلى ممارسة فعل الصبر على المشقة والألم من أهم وأبرز المعاني التي تتغلغل في نفس الإنسان في الحج مؤكداً أن الإنسان هناك يتحلل من أي فعل إلا ما يرضي الله عز وجل، وواتباع سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فينسى الولد والأب والأصدقاء وكل ملذات الدنيا إلا أنه ذاهب لعبادة ربه سبحانه وتعالى.

 وأشار أنه كلما رأى الناس أتوا من آفاق الأرض الأربعة من المشرق والمغرب وفارس والهند ومن المدن والصحاري يتملكه شعور إيماني بقدرة الخالق جلا وعلا الذي استجاب لدعوة إبراهيم عليه السلام، ويجزم صادق أن أكثر مشاهد الحج أثراً في نفسه ارتحاله من مكة إلى المدينة، فذلك المشوار الطويل من السير بالحافلة على مدار خمس ساعات أو ست يعيده إلى رحلة الرسول صلى الله عليه وسلم ويبقيه مستحضراً خطاه وهجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ماشياً على قدميه بين الصخور والجبال، ويتساءل عن قدرته صلى الله عليه وسلم لاحتمال تلك الآلام من أجل إعلاء كلمة الله.

 مؤكداً أنه لو تمكن مالياً للذهاب إلى مكة والديار الحجازية سيفعل حتى لو كان ماشياً على الأقدام، ويتابع أن المواقف في الحج كلها جميلة؛ لأن الإنسان يزور أماكن جديدة بالنسبة له، لكن أكثرها تعلقاً بذاكرته مشوار السير على الأقدام من مزدلفة إلى منى لرمي الجمرات، ثم العودة في ذات الاتجاه لذبح الهدي وما تحمله تلك الرحلة من مشقة تتبدد وينتهي أثرها إلى زوال مع وصولنا لمكان ذبح الهدي، فسبحان الله هي معية الله وحوله وقوته التي تسير بنا، فالحمد والشكر لله.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أوركيدا الشوبكي - فلسطين

19 - ذو الحجة - 1432 هـ| 16 - نوفمبر - 2011




تقرير رائع والتحية للرائع والجميل الشاعر عمر ابو شاويش صاحب الكلمة المؤثرة والصادقة .

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...