قيمة العمل بين الإتقان والإحسان!

كتاب لها
05 - ربيع أول - 1433 هـ| 29 - يناير - 2012


1

سئل عامل النظافة بوكالة ناسا الفضائية عن طبيعة عمله، فأجاب مفتخرا والممسحة في يده: أنا أساهم في إطلاق الصواريخ إلى الفضاء!!

عامل بسيط ينتمي إلى عمله أيا كانت طبيعته، يفخر به ولا يحتقره، لأنه يدرك بذكائه الفطري أن العمل ليس بدرجته ومسماه، و إنما بحقيقته ومعناه، فهو في النهاية يسهم بهذا العمل في تحقيق منجز عظيم وهو نهضة أمته وحماية وجودها وضمانة رقيها. إن عنوانا ضخما نستطيع أن نقرأه من خلف تلك الإجابة العفوية يقول: إن أمة تحترم قيمة العمل، أمة تستحق الحياة!

إن إتقان العمل قيمة عظيمة أكد عليها الإسلام، وإن الله سبحانه وتعالى أبدع الكون حولنا بدقة وإحكام، كي نأخذ من ذلك العبرة في جميع أعمالنا!، و قد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن قيمة الإتقان بلفظ أرقى وأبلغ من مجرد الإتقان ألا وهو الإحسان! والإحسان أن نتقن أعمالنا ونحن نستشعر مراقبة الله لنا كما يُفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"متفق عليه.

إن الإحسان أن نجمع بين الإتقان والرقابة ونحن نؤدي أعمالنا، ومدلول الرقابة في الإسلام أعمق وأقوى من تلك التي اصطلح عليها علم الإدارة الحديث كأحد عناصر الإدارة الأربعة المعروفة: التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، ولكن الرقابة في الإسلام رقابة ذاتية بالدرجة الأولى، نابعة من إيمان الفرد بالله، واستشعار رؤيته له، ومراقبته لعمله، وحين تترسخ هذه القيمة في النفس المؤمنة تنتج أعمالا في غاية الإتقان والإحسان، ولكن المشكلة الحقيقية حين تبهت تلك القيمة في النفوس فلا ينتج عنها إلا ما نراه اليوم من تناقضات يندى لها الجبين!

ولنتوقف هنا عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح. وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته ) رواه مسلم.

ولنتأمل ما قاله الأستاذ محمد قطب حول هذا المعنى في كتابه القيم "قبسات من الرسول": "(فليرح ذبيحته) ما القيمة العملية لإراحة الذبيحة هذه الثواني المعدودة التي تنتقل فيها من عالم الوجود إلى عالم الفناء؟ بل ما قيمة إراحتها وأنت مقبل على إيلامها أشدّ ألم يمكن أن تتعرض له وهو الذبح؟ في الظاهر.. لا شيء ! وفي الباطن .. كل شيء! إن الذبيحة ميتة ميتة. أرحتها أم لم ترحها. وهي متألمة متألمة، سواء قطر قلبك رحمةً بها أم كنت تذبحها مجرّد القلب من المشاعر متبلد الوجدان. وهيَ لن تلقاك بعد اليوم، فتشكو إليك عنفك معها، إن كنت ممن يفهمون عن هذه الخلائق، ويجاوبون ما يصدر عنها من الأحاسيس، ولن يضيرها كثيرًا - وهي مسوقة إلى الفناء الكامل الوشيك- أنها ذاقت- قبل ذلك بلحظة- شيئًا من الغلظة أو شيئًا من الجفاء! إذًا فالقيمة العملية بالنسبة للذبيحة. لا شيء! ولكن القيمة العملية لكَ أنت.. كل شيء! " انتهى.

إن القيمة العملية هنا هي الإحسان ،حتى لو كان الأمر ذبح حيوان، فما بالنا بما فوق ذلك!

إن العامل الذي يهمل عمله ولا يتقنه، وربما زين له الشيطان سوء عمله أو سول له بأن هذا الإهمال لقاء المقابل المادي الضعيف الذي لا يكفي، أو برر اختلاسه ما ليس من حقه وغشه في عمله محملا ذلك على ما يقع عليه من غبن من جهة صاحب العمل، كما في المثل الإنجليزي: "خادم البخيل يصير لصا"، أما في الإسلام فإن خادم البخيل ـ إذا راقب الله عز وجل ـ لا يصير لصا، بل يصير شجاعا يطالب بحقه بدلا من أن يسرقه أو يختلسه، ولا يخاف ضياع العمل أو فوات الرزق، إن كان مؤمنا حقا أن أقداره بيد الله لا بيد سواه، ولن يضيع حق وراءه مطالب!

وإن صاحب العمل الذي لا يتقي الله في العاملين عنده؛ فإن كتاب الله ينطق بالوعيد الشديد محذرا من أولئك المطففين، الذين يأخذون حقوقهم كاملة، بينما يبخسون حقوق الآخرين ويظلمونهم في المعاملة ويكيلونهم بمكيالين، قال سبحانه: "ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين"

والعمل في الإسلام ليس مقصورا على العبادات وحدها، وإن كانت عبادة الله أجل الأعمال، ولكن عمارة الأرض بشتى أنواع العمل يدخل ضمن غاية الاستخلاف في الأرض، فالعمل في الزراعة بإخلاص والعمل في الصناعة بإتقان، وكذلك العمل في التعليم بمهارة، و العمل في التجارة بأمانة بل والعمل في كل ميادين الحياة طالما أنه عمل مشروع يهدف إلى عمارة الأرض بالخير، فهو عمل صالح نتقرب به إلى الله سبحانه.

أما ما يعيشه البعض من حالة فصام بين ما يؤمن به، وما يمارسه على أرض الواقع فلا يتورع ولا يراجع ضميره، ويصير إمعة يصنع كما يصنع الناس، ويتبعهم في الصواب والخطأ، فإن الله سبحانه سوف يحاسب كل إنسان بمفرده يوم القيامة "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا"سورة مريم، ولن ينجيه أن كل الناس يهملون، وأن كل الناس يغشون، وأن كل الناس يأكلون الحقوق و يظلمون، قال صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه" صحيح البخاري.

وأخيرا.. فإن الراتب الذي نتقاضاه من أعمالنا ليس غنيمة باردة ساقها الله إلينا، وإنما هو أجر مقابل عمل، علينا أن نحسنه ونتقي الله فيه وسوف يحاسبنا الله عليه يوم القيامة وإن أفلتنا من حساب البشر.

 وقبل كل شيء وبعده فالله رقيب فوقنا وشهيد على أعمالنا، قال سبحانه: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون" سورة التوبة.

ولا شك أن تخلف أمتنا الظاهر، وجهلها الفاضح، وضعفها بين الأمم، لا يرضى عنه الله ولا رسوله ولا المؤمنون!!

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- يوسف إسماعيل - مصر

06 - ربيع أول - 1433 هـ| 30 - يناير - 2012




معنى رائع غفل الكثيرون عنه، كم نحن في أمس الحاجة إليه خاصة بعد هذا الربيع العربي لنثبت عن جدارة أننا حقا خير أمة أخرجت للناس.

-- أنس - السعودية

11 - ربيع أول - 1433 هـ| 04 - فبراير - 2012




عبارة قالها ذات يوم في سنين خلت أحد المسئولين لافض فوه. معاقبة المقصر مكافأة للمجتهد، وذلك في معرض رده على أحد الموظفين والذي طرح سؤالا جوهريا في اجتماع حاشد حينما قال لماذا لاتكافئون الموظفين المجتهدين في مطالبة غير مباشرة بضرورة استحداث نظام حوافز يكفل للموظف المجتهد مواصلة جهوده وعطاءاته وبما يعود على الإدارة الحكومية بالنتائج الايجابية.
لكن تصريح المسئول الآنف ذكره قطع قول كل خطيب فهو يرى أن هذه المعاقبة من وجهة نظره كافية جدا لحفز كل الموظفين على العمل دون انتظار لكلمات شكر أو تقدير أو مكافآت مالية.. فهم يؤدون عملهم وواجباتهم وبالتالي فلا يسوغ للموظف المجتهد والمثابر والمكافح والمخلص المطالبة بما ليس له حسب رؤية هذا المسئول.

اتفق في جزئية بسيطة جداً مما ذكره أخونا المسئول وهو أن المقصر في أداء واجباته لابد أن يخضع للمساءلة والعقاب وبالذات حين تكون أخطاؤه موجهة نحو تعطيل العمل وإعاقة مصالح الناس.. والإخلال بقواعد العمل.. لكن هذا العقاب ليس مكافأة للمجتهد في كل الأحوال وإنما يأتي في محصلته النهائية انتصارا للعدالة.. ومن باب إعادة الحق إلى نصابه.. والمحافظة على شرف الوظيفة.. ويأخذ منها كافة الموظفين العبرة والعظة.

وفي المقابل فإن الموظف المجتهد والمخلص والمتميز في أداء عمله ليس بحاجة إلى الردع والإرهاب والتخويف كي يواصل عطاءاته وانجازاته، فهذه أساليب إدارية بالية عفا عليها الزمن ولم تعد صالحة في زماننا هذا.. لكنه أحوج ما يكون للحفز الايجابي والذي يدفعه لتقديم الأفضل والأجود.. ومن هذه الحوافز عبارات الشكر والثناء والتقدير.. والدروع والجوائز.. والمكافآت المالية.. والعلاوات التشجيعية.. والترقيات.. وإتاحة المجال للتطوير المهني بحضور المؤتمرات ذات العلاقة بالعمل.. والدورات التدريبية.. والأولوية في مواصلة الدراسة.. وفق ضوابط ومعايير دقيقة تفرق بين المجتهدين والمقصرين.

أما المقصر والمتقاعس في أداء عمله سواء كان مسئولاً أو موظفاً.. كبيراً أو صغيراً فلا مناص من خضوعه للمساءلة والمحاسبة.. فالدولة - أيدها الله - لم تقصر في شيء فقد وفرت الميزانيات الضخمة.. وطرحت الثقة بكافة المسئولين ليقدموا للوطن والمواطنين كل ما يختزنون من خبرات وقدرات.. وعليه أصبح لزاما خضوع الجميع لنظام رقابي محكم يعتمد على المساءلة ثم المحاسبة.

والتقصير في أداء العمل يختلف في نوعيته.. واكبر تقصير في ظني هو ما يؤدي إلي الإضرار بمصالح الناس.. وتعطيل العمل.. وتأخير البت فيما يخص حقوق الناس.. والتساهل مع المخالفين.. والعابثين بمقدرات الوطن وأموال الدولة.

أما المجتهد فيحتاج إلى التقدير، والدعم، والدفع به لأعلى المناصب.. وحتى تستقيم عبارة المسئول يجب أن تكون على النحو الآتي مكافئة المجتهد دافع له وحافز للمقصر .
د.عبد الرحمن الشلاش

x

11 - ربيع أول - 1433 هـ| 04 - فبراير - 2012

مشكوووووووور.....

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...