هو وهي في يوم المرأة العالمي!

عالم الأسرة » هي وهو
13 - ربيع الآخر - 1433 هـ| 07 - مارس - 2012


1

هو: يرشف رشفة من فنجان القهوة الموضوع أمامه، ثم يمسك القلم من جديد ليُتم إعداد برنامج الاحتفال بالمرأة في يومها العالمي في الجامعة، وُكّل بإعداد البرنامج وكتابة كلمة الاحتفال؛ لكونه مدرسا للغة العربية في الجامعة وبحكم عمل زوجته في شؤون المرأة، يخط الكلمات بضيق ونفور بالغ.

هي:  تطرق الباب ولا تنتظره أن يأذن بل تدخل ، شابة في الثلاثين في كامل زينتها وأناقتها تلقي التحية فيرد بلا اهتمام، فتقول: أتممت إعداد الطفلين  سنخرج الآن، وداعا، تخرج دون أن تنتظر رده.

هو:  يتم كتابة الكلمة ويتفنن في تزيينها، يعيد قراءتها من آن لآن، على الرغم من روعتها إلا أنني أشعر بها جوفاء. ينقطع سيل أفكاره بعد ساعة  على رنين جواله، |هي| ! لم تكد تغادرني حتى تتصل ، أمسكه بلا مبالاة ورد بهدوء مقيت، جاءه صوتها الغاضب، لقد تأخرت مربية الحضانة في فتح أبوابها، تأخرت عن عملي بسببها، الأزمة في الطريق زادتني غضبا، وها هي شريكتي في الإحصائية التي نعدها للغد حول عمل المرأة تأخرت، أشعر بضيق بالغ، يتأفف ويتململ ولا يجيب، اعتادت الإهمال منه، لكنها لا تزال تتحدث، حسنًا سأتركك الآن لأتم عملي، وداعا.

هو: يغلق الهاتف بارتياح، ثم ينظر لساعته ليلملم أوراقه المتناثرة يرتبها في الحقيبة الجلدية، يكاد أن يذهب لكنه يعود ليحمل فنجان القهوة إلى المطبخ، أخاف أن تغضب إن عادت ووجدته هنا، يخاطب نفسه، يخرج بعدها  حاملًا حقيبته وينطلق في سيارته إلى الجامعة.

هي: تقضي يوما حافلا مُتعِبًا، طفلاها أمضيا يومهما بعيدًا عنها، لم تشعر بأي تعب، أو في الحقيقة لم تشعر بشيء،  فهي منغمسة في عملها تمامًا، اجتماعات ولقاءات وإعداد لفعاليات الغد، تحب عملها كثيرًا، إنها تجد فيه نفسها التائهة، تجد  فيه طموحها المدفون، تهرب من زوجها المهمل ومن شغب طفليها اللذين تقول عنهما أنهما لا يطاقان، نشيطة للغاية في عملها وسعيدة بالتخطيط للغد، نريده يوما مميزا، أريد أن أشعر فيه بأهمية عملي طوال العام.

هو وصل للجامعة، وجدهم ينتظرونه، أو بالأحرى ينتظرون كلمته، عبارات رنانة مزينة عن المرأة والمساواة وحقوقها، فرحوا له وهنؤوه، شكرهم وذهب لمكتبه ليجد سكرتيرته الشخصية تنتظره، أرته جدول المواعيد الذي رتبته له والأمور التي يجب عليه فعلها ومن سأل عنه، ومن اتصل به ومن ومن، نظر لقائمة الأعمال والمواعيد، وطلب كأس قهوة عاجلة، شربها، وغادر ليبدأ أول محاضراته.

هي :أنهت عملها بعد العصر، غادرت بسرعة والتقطت بعض ما تحتاجه من السوق لتعود للمؤسسة، تطمئن على سير الأمور ثم تغادر، تنوي الذهاب للبيت، تتذكر بطريق الخطأ ولديها، تَمُرُّ وتأخذهم على عجل، لتصل للبيت، الطعام مُعدٌّ مسبقًا، تأكل وتطعمهم، موعد الاستحمام، ثم إلى غرفهم العامرة بكل ما يحبه الأطفال يذهبون، وبعد قليل من اللعب يكون قد حان وقت النوم ، تبتسم برضا، لقد انتهت المهمة الشّاقة على خير، تقبلهم وتوشك أن تغادر، يتململ أحدهم في فراشه، ثم لا يلبث أن يعاوده الهدوء بصرخة حازمة منها. وينتهي يومهم.

هو: عاد متأخرا بعد أن أنهى دوامه الجامعي، وتناول الغداء في المطعم،  ثم زار صديقين له، ومقهى أدبيا  يقرأون فيه الشعر، وعاد بعد أن ملَّ  وانتهت طاقته الإنتاجية، وجدها غارقة في المقالات تقرأ وتبحث عما يرضيها من كلام الحكماء والسابقين عن المرأة. ابتسم  ابتسامة فهمتها فورًا، فاكفهر وجهها، وأشاحت بوجهها عنه، لم يأبه لها كعادته، سألته محاولة إحياء الحوار الميت قبل أن يبدأ: هل أنت جائع؟، أجاب باختصار  وبنبرة موحية بالكثير: لا، شكرا، لا أريد أن ألهيك عن عملك، أنا ذاهب للنوم.

غادر دون وداع، اشتعل قلبها غيظًا، ونظرت إلى الباب المغلق بعد خروجه بحقد، سرعان ما تناست ألمها وعادت لعملها.

 هو:  قلب قنوات التلفاز قليلا ، ثم تصفح آخر الأخبار عبر الإنترنت ثم أوى لسريره متعبا ، ولم تنته خمس دقائق حتى كان ألقى الدنيا جانبًا   وغرق في النوم.

هي بعد سهرة طويلة: قررت أن تنام، ذهبت للمطبخ  تذكرت أنها جائعة، التقطت لقيمات، ثم جهزت نفسها واستلقت في سريرها. النوم لم يعرفها، فتحت شبكة التواصل الاجتماعي وكتبت: "يوم شاق ، لكنه ممتع، سأواصل النضال من أجل المرأة". ترسلها  وتتجول سريعا هناك، ثم تنظر لصورتها الشخصية مع طفليها، فتنتفض بلا إرادة، ثم تغتصب ابتسامة بلا معنى ـ تقبل الصورة وتشعر بالألم ، يأتيها النعاس بقوة في هذه اللحظة، فتستسلم للنوم.

هو وهي، استيقظا في الصباح، كعادتهما، هي أعدت نفسها وطفليها على عجل، فطور سريع وإيقاظ الأولاد وتجهيزهم بعد ساعة في تنسيق اللباس واختيار ألوان الزينة.

هو:  بأقصى الهدوء يتحرك، يلبس ويقرأ أخبار الصباح، يتثاءب، يقلب قنوات التلفاز، ينظر إليها صارخة في أكبر طفليها طالبة منه سرعة التحرك، فيبتسم، أيضا، بلا مبالاة.

هي تخرج بعد أن انتهت، وتوصل أولادها لمربية الأطفال التي تعلمت من درس الأمس فتجدها تنتظرهم على الرصيف، تسلمها الأمانة وتتنهد كمن أزاح همًا عن ظهره، وترسل لهم قبلة في الهواء وتغادر.

هو بعد أن أنهى إعداد نفسه يخرج ليتناول فطوره في كافتيرا الجامعة، ثم زيارة خاطفة لمكتبه، بعدها لقاعة الاحتفالات، المكان معدٌّ جيدًا، يصافح زملاءه الجالسين، ويتبادل معهم الحديث، منتظرين بداية الاحتفال.

هي: تصل لعملها لاهثة، الأمور كما تريد تماما، لا!! أين ذهبت الوردة الحمراء التي وضعتها على منصة المتحدث؟، تتفقد الأشياء جميعها، لتجلس بعدها تشرب كأسا من الشاي أُعد لها. ثم تبدأ بعدها فعاليات الاحتفال عندها  وعنده.

بعد ساعات صاخبة بين كلمات وخطب رنانة ودعوات لتحرير ومساواة، تأتي فقرة التكريم، هو يقف على منصة التكريم ليسلم الجوائز للنساء العاملات في الجامعة، وهي تجلس على كرسيها تترقب سماع اسمها لتخرج لتستلم هديتها.

بنهاية الاحتفال هناك وهنا يغادران، هو إلى مكتبه ـ وهي إلى حضانة الأطفال، تجد هناك احتفالًا من نوع آخر، طفلها يبكي على الباب ويطالب بالخروج، توبخه بنظراتها فيصمت بخوف فتشكر المربية وتحملهما للسيارة، تماما كــ.. ، لن أتم الوصف، عُذرا.

تعود للبيت فرحة، تدير مشغل الأصوات في السيارة لتستمع لشعار المؤسسة التي تعمل بها، للمرأة نعمل، من أجلها نسير، نناضل ونأمل، تطربها الكلمات كثيرا وتتفقد من آن لآن الهدية الموضوعة في محفظة السيارة الأمامية بلهفة، تصل للبيت، تنهي يوم ولديها كما أنهته بالأمس، لتجلس تكتب يومياتها عن أجمل أيام حياتها.

تنشره على صفحتها الشخصية، وتقوم لتتناول العشاء.

هو يعود للبيت، تماما كما الأمس، وجدها غارقة في أفكارها، ألقى التحية كأمر استثنائي، اليوم هو يوم المرأة، تعجبت  وشكرته وسألته عن الحال والاحتفال، لم يرضها جوابه المقتضب، وترقبت منه السؤال فلم يسأل، فأخبرته عن روعة الاحتفال، وعن الشخصيات البارزة مجتمعيا التي حضرته وعن الوعود المعطاة لهم، لم ينتظر لتنهي الحديث، بل تهرب بنظارته لساعته متظاهرا بالنعاس، فأنهت حديثها: كان يوما جميلا، تصبح على خير.

همسة  لها: قبل أن تبحثي عن حقوقك خارج بيتك، انتبهي للتي هي لك فيه.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


جود الشريف

بكالوريوس قرآن ودراسات إسلامية .دورة مهارات التفكير ودبلوم المستشار الأسري


تعليقات
-- ام عبد العزيز - فلسطين

14 - ربيع الآخر - 1433 هـ| 08 - مارس - 2012




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

لا شك ان هناك نماذج مماثلة مثل ما ذكرتي في مقالك ، ولكن بالتأكيد اظهار الصورة وكانها صورة جميع العاملات فهذا حقا ظلم للمراة العاملة التي تستطيع ان توازن جيدا بين عملها واطفالها وزوجها ولا شك ان هذا على حساب راحتها ومن منا ينكر حاجة المجتمع لمراة عاملة طبيبة ومدرسة وغيرها الكثير فبدلا من اظهار جهود العاملة وقدرتها على الاهتمام بامور بيتها ربما اكثر بكثير من جالسات في المنزل يقضين غالب اليوم في المطبخ والتليفون والزيارات والاسواق ، هذه حقيقة لا ارغب ان نتغافل عنها فالصورة التي ظهرت في المقال شعرت ان بها رغبة لتشويه صورة جميع العاملات ، وكما ذكرت في البداية لا انكر وجود حالات كثيرة من العاملات مثل ما ذكرت حضرتك في المقال ، هذا رايي الخاص والله المستعان

جود الشريف

14 - ربيع الآخر - 1433 هـ| 08 - مارس - 2012

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياك الله / لم أقصد تشويه الفئة العاملة من النساء ، وانما كان قصدي اظهار جانب من التناقض الحاصل في حياة الكثير ممن حولنا ، بكل تأكيد هناك من تعدل في العطاء وتجمغ بين العمل والحياة الأسرية ، لكن كثيرا من العاملات وغيرهن لم يعد مفهوم التربية لديهن واضح ، تكتفي بالطعام والشراب واللباس ، وتغفل الاحتياج الأقوى للأبناء وهو الاحتياج العاطفي ، اضافة لأن الكثيرات تلهثن وراء العمل وتنسى نفسها وهو جانب مهم قصدته ،
شُكرا لتعليقك ومرورك ، وأصلح الله حال جميع المسلمين.

-- ياسمين - فلسطين

14 - ربيع الآخر - 1433 هـ| 08 - مارس - 2012




مقاله معبره ومؤثره جدا وكل مغزاها صحيح ويحدث كثيرا شكرا للكاتب

جود الشريف

14 - ربيع الآخر - 1433 هـ| 08 - مارس - 2012

اهلا بك أخت ياسمين ، سعدتُ بتعليقك.

-- احلام -

16 - ربيع الآخر - 1433 هـ| 10 - مارس - 2012




تسلمي جود مقالك جميل و مؤثر موفقة باذن الله.

-- مونا /الصيام - موريتانيا

19 - ربيع الآخر - 1433 هـ| 13 - مارس - 2012




مقالة معبرة وفقكم الله فيها وشكر للكاتب وبدور أهنئ المرأة العربية والإفرقية بمناسبة 8 مارس 2012 وأتمني لهم مزيدا من التقدم والإزدهار

الأستاذ : مونا بنت الصيام
ناشطة حقوقية في ميدان المرأة والطفل
أنواكشوط - موريتانيا

رنا

25 - ربيع الآخر - 1434 هـ| 08 - مارس - 2013

جميل جدا كتاباتك جكيلة يا جود.

-- سارة عمر المحتسب - فلسطين

17 - جماد أول - 1436 هـ| 08 - مارس - 2015




بارك الله فيكِ وجزاكِ خيراً على كتابتك لهذه القصة الهادفة, وصلت الفكرة إليّ وأظن أن مرأة كهذه جعلت أهم أولوياتها وظيفتها والعمل خارج البيت, وأهملت حاجة أبنائها وزوجها العاطفية , هي أطعمتهم ألبستهم وقدمت لهم الأساسيات المادية, لكن حرمتهم من العاطفة وحنان الام ولا يوجد اي شخص في الدنيا يستطيع ان يمنحهم حنان الام وعطفها غيرها, لذلك هي ليست أم ناجحة, لكنها عاملة ناجحة
يجب ان تكون المرأة ذكية تدبر احتياجات بيتها ومن ثم تنظر الى ما هو خارجه, ولو احتاج الامر ان تخلى عن وظيفتها فلتفعل ما دام زوجها ينفق على احتياجات الاسرة

هي ليست مجبرة بأن تعمل خارج البيت لكن واجبها الديني يقضي عليها بأن ترعى أطفالها وزوجها وتجعلهم اهم ما في حياتها فرعايتهم عبادة اوصى بها الاسلام

-- أنس غزال - السعودية

18 - جمادى الآخرة - 1436 هـ| 08 - ابريل - 2015




مقال موفق,,
يصف الواقع تماما,, :)
تأخرت في قراءته, ولكن لم أندم أني قرأته,,
بارك الله فيك اختي الكريمة,, :)

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...