لماذا فشلوا في "تحرير المرأة".. ؟؟

كتاب لها
07 - جماد أول - 1433 هـ| 30 - مارس - 2012


1

لقد خاضت النخبة المتغربة على مدار قرنين من الزمان معارك ضارية تحت شعار تحرير المرأة، كانت البداية عقب عودة "رفاعة رافع الطهطاوي" من فرنسا لمصر سنة 1247 هـ / 1831 وتأليفه كتابه "تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فيِ تَلْخِيصِ بَارِيز" ، حيث دعا إلى تحرير المرأة، مظهرا إعجابه بما هي عليه المرأة الفرنسية، ونَفَى أنْ يكون الاختلاط والتبُّرج هناك داعياً إلى الفساد، أو دليلاً على التساهُل في العِرْض، وامْتَدح مُراقَصَة الرجال للنساء، ووَصَفَه بأنه فنٌّ مِن الفُنون (ولا يُشَمُّ منه رائحةُ العُهْر أَبَداً، وكل إنسانٍ يعْزِم امرأةً يَرْقُصُ معها، فإذا فَرَغ الرَّقْص عَزَمَها آخَرُ للرَّقصةِ الثانية وهكذا)! مرورا بقاسم أمين وتأليفه لكتابيه بكتاب "تحرير المرأة" نشره عام 1899، وكتابه "المرأة الجديدة" عام 1901 الذين آثارا ضجة كبيرة في مصر،  لا زالت صداها إلى اليوم، وقد تبنى الدعوة لتحرير المرأة العشرات، بل المئات من الرجال والنساء من أمثال: هدى شعراوي، ونبوية موسى، وأمينة السعيد وسعد زغلول، وموسى صبري، وفاطمة اليوسف، وإحسان عبد القدوس، وتوفيق الحكيم، وإقبال برقة، ونوال السعداوي، وغيرهم العشرات.

وبذلت هذه النخب في هذا السبيل جهوداَ جبارة من مؤتمرات وندوات وتظاهرات، وسنت القوانين الصارمة التي تفرض السفور، وأنفقت الأموال الطائلة للدعاية لخروج المرأة من بيتها سافرة متبرجة ولتحفيز النساء التشبه بنساء الغرب، ومورست العديد من الضغوط الداخلية والخارجية، وتم تغيير مناهج التعليم لترسخ هذه الدعوة في نفوس الناشئة، وكما تم استغلال الإعلام المرئي والمسموع والمقروء لخدمة عملية التغريب المرأة، كما قمع واضطهد أي صوت يعارض دعاة السفور، ووصف بعشرات النعوت المنفرة من التزمت والرجعية والتشدد وغيرها، حتى أصبحت قضايا المرأة من المسلمات داخل المجتمعات يتبناها الساسة والاجتماعيين والاقتصاديين وحتى علماء الدين. لكن على الرغم من كل هذه الجهود فما زالت المرأة في المجتمعات الإسلامية تعاني، ولم يتحقق لها أي شيء من المطالب التي ينادي بها الجميع، فلماذا فشلت جميع هذه الجهود والدعوات؟

نظرا لأن هذه النخب كانت تنظر إلى جانب واحد من الصورة دون أن تدرك الصورة بشكل كلي، لقد تركزت رؤية هذه النخب على بعض الممارسات والعادات التي هي بعيدة عن الإسلام وعن أحكامه، وإنما توارثها الناس عن آبائهم ثم نسبوها ظلما وبهتانا للدين، ومن ثم سعت هذه النخب إلى إقصاء الدين بشكل كامل عن الحياة وخاصة في قضية المرأة.

ولو أنهم حاولوا توضيح الحقائق وإبراز الهوة السحيقة بين تعاليم الإسلام وهذه الممارسات لاستطاعوا أن يقنعوا الناس ويصلحوا من سلوك الأفراد، لكنهم للأسف سلكوا الطريق الخطأ فضلوا وأضلوا.

إن مشكلة المرأة الأساسية نجمت عن انحراف المجتمع عن حقيقة الإسلام، وما نتج عن هذا من تحقير المرأة وإهانتها وعدم إعطائها وضعها الإنساني الكريم، وعلاج هذا هو العودة إلى حقيقة الإسلام لا التخلي عنه بالكلية.

نقطة أخرى ساهمت في فشل هذه النخب في تحقيق ما كانت تطالب به، وهي النظرة الجزئية القاصرة، حيث تم معالجة  قضية المرأة بشكل معزول ومنفرد عن بقية مشكلات المجتمع،  ومن ثم  أضاعوا وقتا طويلا دون أن يتمكنوا من تحقيق مطالبهم، إن  مشكلة التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية ذات أبعاد شاملة ومتداخلة، سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية. معالجة أي من هذه القضايا ينبغي ألا يتجزأ، وأي تجزيء لها يقود حتمًا إلى طرح المشكلات طرحا خاطئًا، ومن ثم تحديد وسائل خاطئة للعلاج.

يقول مالك بن نبي: "ليس هناك مشكلة للمرأة معزولة عن مشكلة الرجل، فالمشكلة واحدة، هي مشكلة الفرد في المجتمع، فقد حاول الكثيرون، بوحي من الفكر العربي التجزيئي، النظر إلى قضية المرأة كقضية مستقلة، ومن ثم خلقوا معركة مفتعلة بين أفراد المجتمع الواحد، ووضعوا المرأة في مواجهة الرجل، وهذه قمة التجزيئية وتشويه حقيقة الصراع الحضاري؛ لأنه يضع الزوجة في مواجهة الزوج، والبنت في مواجهة الأب والأخت في مواجهة الأخ وهلم جرا، فيتحول الصراع من صراع المجتمع ضد التخلف الحضاري والاغتراب إلى صراع داخل المجتمع نفسه، مما يلهيه عن التصدي للتحديات في بناء متماسك.

وتقود هذه الطريقة في تشخيص المشكلات وتحديد معالمها إلى منظور كمي، ذلك أن وضع جدار فاصل بين المرأة والرجل يؤدي ضرورة إلى البحث عما يفرق ويجمع بينهما، وبعد ذلك إلى إيجاد ما ينقص المرأة إزاء الرجل، وهل هي أكبر أو أصغر منه، أو تساويه في القيمة. ويعتبر مالك أن هذه الأحكام ما هي إلا افتئات على حقيقة الأمر ومحض افتراء "(1).

لقد عاشت المرأة المسلمة على مدار ثلاثة عشر قرنا،  شهد خلالها العالم الإسلامي أسماء عشرات الآلاف من النساء التي ساعدت وساهم في بناء المجتمعات، وقد امتلأت بأسمائهن كتب التراجم والتواريخ دون أن تعاني من أزمات أو مشكلات؛ نظرا لأن المجتمع نفسه كان يتميز بالقوة والصعود الحضاري، لكن عندما بدأنا نعاني من الانهزام والسقوط الحضاري ظهرت عندنا مشاكل المرأة والطفل والشباب والشيوخ والفقراء والأغنياء....إلخ.

وقضية المرأة تعتبر مجالا من المجالات التي وقع فيها التخلف الحضاري. وعلاجها- كعلاج غيرها من الحالات جميعا- هو محاولات البعث الحضاري والنهوض بالمجتمع من جديد، والتخلي عن ذلك التخلف المعيب.

"تلك هي [القضية].. وهي ليست [قضية المرأة] ولا [قضية الرجل].. إنما قضية الأمة الإسلامية كلها، بجميع رجالها ونسائها وأطفالها وحكامها وعلمائها وكل فرد فيها. وتخصيصها بأنها [قضية المرأة] فضلا عن مجانبته للنظرة [العلمية] الفاحصة، فإنه لا يعالج القضية. لأنه يأخذ عرضا من أعراض المرض؛ فيجعله مرضا قائما بذاته، ويحاول علاجه.. فلا يقدر لهذا العلاج أن ينجح، لأنه يتعامى عن الأسباب الحقيقية من ناحية، ويفتقر إلى الشمول من ناحية أخرى"(2).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الهوامش

1)       مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين . دار الفكر- بيروت الطبعة الثالثة 1969 ص 174 .

2)       محمد قطب: قضية تحرير المرأة ، ص9.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بسام حسن المسلماني

ليسانس آداب (قسم تاريخ ) جامعة القاهرة 2004م.

بكالوريوس خدمة اجتماعية 1995م.

حاصل على معهد القراءات (مرحلة التجويد) 1997م.

*- كاتب ومحرر صحفي في موقع "لها أون لاين" والمشرف على محاور تقارير ودراسات وشاركوا بالرأي والاستطلاع والملف الشهري، من يناير 2008 وحتى الآن.

*- صحفي بمجلة سياحة وآثار سعودية.من ديسمبر 2010 وحتى الآن.

*- كاتب ومحرر صحفي بمجلة قراءات إفريقية.

*- نائب مدير تحرير موقع مجلة قراءات إفريقية.

*- إعداد وتقديم مواد إذاعية وحوارية في موقع "لها أون لاين".

*- صاحب مدونة "دفتر أحوال الأمة" (http://anns012.maktoobblog.com/)



الإصدارات:


- مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2007/11/25/55474.html

- الصومال .. وسيناريو الحرب المقبلة
- http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2006/12/28/26057.html

- مستقبل العلاقات الباكستانية الأمريكية .. بعد اغتيال بوتو
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2008/01/03/57621.html

- العسكر في تركيا .. هل ينقلبون على جول؟
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/04/29/40651.html
- العلاقات المصرية الإيرانية إلى أين تسير..؟
http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2007/12/28/57319.html

- مؤتمر”شرم الشيخ” .. واستباق الفشل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/05/03/41178.html

- الإسلاميون داخل فلسطين 48.. موقف خاص من الانتخابات
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2525.html

- الأحزاب العربية داخل فلسطين 48 .. ورهاناتها الانتخابية
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2523.html

- أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية
http://www.lahaonline.com/articles/view/14327.htm

- الصحفية "إيفون ريدلي".... أسيرة طالبان التي أصبحت داعية للإسلام
http://www.lahaonline.com/articles/view/15619.htm

- المرأة المسلمة النيجيرية.. عقبات ونجاح
http://www.lahaonline.com/articles/view/15784.htm

- الشخصية الصوفية
http://www.alsoufia.com/rtb_uploaded_images/magazine_9.pdf

- بين الثورة المصرية وثورة الاتصالات ... وطن جديد
http://www.lahaonline.com/articles/view/37717.htm

- الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
http://www.lahaonline.com/articles/view/38308.htm


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...