الليبراليون أصحاب العمائم واللحى!!

دراسات وتقارير » تيارات
20 - جمادى الآخرة - 1433 هـ| 12 - مايو - 2012


1

أخفقت الليبرالية في البلدان العربية على مدار قرنين من الزمان، منذ قدوم الحملة الفرنسية على مصر، وحتى وقتنا الحاضر، في أن تحقق أي تواجد لها بين الشعوب؛ بسبب ما تطرحه من أراء وأفكار تصدم بعقيدة الشعوب المسلمة.

فتدين المجتمع ومحافظته هو السبب في ضعف تأثير التيار الليبرالي في المجتمع وأدواتها في المجتمع وأفراده. فرغم مضي هذه العقود على  قيام حركة التغريب، ورغم ما تملكه من أدوات خاصة في مجال الإعلام والأدب والثقافة والتعليم والسياحة والجمعيات، إلا أن تأثيرها على أرض الواقع ليس قويا.

 هذا الإخفاق أدى بهذه النخب الليبرالية إلى عمل مراجعات شاملة ليس لطبيعة الأفكار التي تطرح، ولكن في طريقة ومنهج العرض وكان من نتاج هذه المراجعات ظهور خطاب تغريبي جديد يحمل نفس مضامين الخطاب القديم، لكنه يختلف في شكل القالب الذي يتم عرض هذه المضامين من خلاله، سعت النخب من خلال إجراء تغييرات في الشكل دون الجوهر إلى مهادنة المشاعر الإسلامية لتحييد قطاع كبير من الجماهير  المتدينة بفطرتها.

فرأينا البعض يقدم أراء توماس هوبز، جان جاك روسو، مونتسيكو، جون لوك، جون ستيورات مل،  في قالب إسلامي ويحاول أن يحرف النصوص عن مواضعها لتتوافق مع هذه الآراء.

ورأينا من يستخدم المسائل الشاذة وزلات العلماء في الفقه والعقيدة ويروج لها باعتبارها الأصل وغيرها هو الشاذ، ويستدل بها على آرائه وأطروحاته.

ورأينا من "يتعمدون استخدام بعض القواعد الشرعية، نحو قاعدة "المصالح المرسلة"، وقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، دون مراعاة لضوابطها لتمرير ما يريدون قضايا وأفكار"(1).

ورأينا منهم من يحتج بالخلاف على النص، "ففي كل قضية يزعمون أن  “المسألة فيها خلاف”، وهكذا ضاعت فائدة النصوص لأنها صار يحكم عليها بالخلاف. والطريف في الأمر أن الله أنزل النصوص لتحكم على الخلاف، وهؤلاء يصنعون العكس، فيحكمون بالخلاف على النصوص"(2).

ورأينا ممن نشأ وترعرع على الفكر التغريبي وتجرع أراء مفكري الغرب حتى الثمالة، يطلق على نفسه الكاتب والمفكر الإسلامي، من أمثال "خليل عبد الكريم" صاحب كتاب "الحب في مجتمع يثرب" ، ومحمد سعيد عشماوي صاحب كتاب "الخلافة الإسلامية".

ورأينا من أبناء التيار التغريبي من يحتفي ببعض المنتسبين للدعاة و طلبة العلم، ممن يتم استخدامهم واستغلال أرائهم للترويج للمشروع التغريبي، من أمثال من يهاجم "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ، وأفتى بجواز الاختلاط بين الرجال والنساء، وطالب بعدم إغلاق المحلات وقت الصلاة ومن أباح الغناء بالمعازف وغيرهم.

هذه الأساليب وغيرها اعتمدتها النخب المتغربة في مجتمعاتنا بشكل من التكثيف في الآونة الأخيرة، خاصة بعد أن اكتسح التيار الإسلامي جميع الانتخابات التي أجريت في مناخ من الحرية في إطار ما يطلق عليه "الربيع العربي".

هذا الطرح الجديد أطلق عليه رفعت السعيد الكاتب الماركسي المصري اسم "الليبرالية المعممة" وسماها الكاتب الإسلامي السعودي "سليمان بن صالح الخراشي" اسم: "لحى الليبرالية".

ويوضح رفعت السعيد هذا المنهج الجديد قائلا: "الاستعانة بهذه الفئة العصرانية (المعممة) ليس حباً فيها؛ إنما لأجل أنها تمثل (القنطرة) التي تحمل العلمنة إلى البلاد الإسلامية التي تصعب علمنتها مباشرة؛ ولأنها أقدر على خداع بعض المسلمين بما تحمله من علم شرعي سوف يُسخر لهدم الدين من داخله! ـ كما يزعمون-، وهذا يذكرنا بوصية محمد عبده لشيخه الأفغاني بقوله: "لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين!" (3).

بينما يشير الكاتب "سليمان الخراشي" إلى هذا المنهج في السعودية قائلا: "و في السعودية بدأنا نلمح ظهور "اللحى الليبرالية!" من أصناف الشاذين والطامحين، هذه اللحى التي أصبح (البعض) يمكنها من التصدر في الصحف والقنوات لتؤدي ما أدته أختها في مصر، وليس من المستغرب بعد أن عرفتَ الدور المناط بها أن ترى هذه "اللحى الليبرالية" تنسف ثوابت الدين وأصوله، وتقع في العظائم والمكفرات، بدعوى الاجتهاد وحرية الخلاف... إلخ دعاواهم. لكن هذا الاجتهاد المزعوم لا يطال أمر اللحية التي يتحلون بها!! (وحلقها هو مجرد معصية)."(4).

هذا المنهج قد يخدع البعض لبعض الوقت، لكنه لا يمكنه أن يستمر في الخداع طوال الوقت، وعندها تتكشف الحقائق ويدرك الناس حجم الزيف التي يروج له هؤلاء التغربيون الجدد، قال تعالى: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ"سورة الرعد، وهذه سنة الله في الأفكار والعقائد التي لا تتبدل ولا تتحول.

       ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات والهوامش:

(1) خارطة الطريق العلمانية لتغريب المجتمع، سعد البريك.

(2) تقنيات إضعاف التدين، إبراهيم السكران.

(3) وفي السعودية ...... (لحى ليبرالية)، سليمان بن صالح الخراشي.

(4)المرجع السابق.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


بسام حسن المسلماني

ليسانس آداب (قسم تاريخ ) جامعة القاهرة 2004م.

بكالوريوس خدمة اجتماعية 1995م.

حاصل على معهد القراءات (مرحلة التجويد) 1997م.

*- كاتب ومحرر صحفي في موقع "لها أون لاين" والمشرف على محاور تقارير ودراسات وشاركوا بالرأي والاستطلاع والملف الشهري، من يناير 2008 وحتى الآن.

*- صحفي بمجلة سياحة وآثار سعودية.من ديسمبر 2010 وحتى الآن.

*- كاتب ومحرر صحفي بمجلة قراءات إفريقية.

*- نائب مدير تحرير موقع مجلة قراءات إفريقية.

*- إعداد وتقديم مواد إذاعية وحوارية في موقع "لها أون لاين".

*- صاحب مدونة "دفتر أحوال الأمة" (http://anns012.maktoobblog.com/)



الإصدارات:


- مراجعات قادة الجهاد.. السياق والمستقبل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2007/11/25/55474.html

- الصومال .. وسيناريو الحرب المقبلة
- http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2006/12/28/26057.html

- مستقبل العلاقات الباكستانية الأمريكية .. بعد اغتيال بوتو
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/2008/01/03/57621.html

- العسكر في تركيا .. هل ينقلبون على جول؟
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/04/29/40651.html
- العلاقات المصرية الإيرانية إلى أين تسير..؟
http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2007/12/28/57319.html

- مؤتمر”شرم الشيخ” .. واستباق الفشل
http://www.islammemo.cc/Tkarer/Tkareer/Takrer-raisi/2007/05/03/41178.html

- الإسلاميون داخل فلسطين 48.. موقف خاص من الانتخابات
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2525.html

- الأحزاب العربية داخل فلسطين 48 .. ورهاناتها الانتخابية
http://www.islammemo.cc/2006/03/25/2523.html

- أزمة الحجاب في تونس.. مقاربة تاريخية
http://www.lahaonline.com/articles/view/14327.htm

- الصحفية "إيفون ريدلي".... أسيرة طالبان التي أصبحت داعية للإسلام
http://www.lahaonline.com/articles/view/15619.htm

- المرأة المسلمة النيجيرية.. عقبات ونجاح
http://www.lahaonline.com/articles/view/15784.htm

- الشخصية الصوفية
http://www.alsoufia.com/rtb_uploaded_images/magazine_9.pdf

- بين الثورة المصرية وثورة الاتصالات ... وطن جديد
http://www.lahaonline.com/articles/view/37717.htm

- الثورة السورية .. وازدواجية المواقف
http://www.lahaonline.com/articles/view/38308.htm


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...