13 - شعبان - 1433 هـ| 03 - يوليو - 2012
الأم في مرآة الشعر
ما أصعب على الإنسان أن يفارقه محبوه، وأشد ما يعانيه المرء فقد أبويه أو أحدهما، ولا سيما الأم. هذه الكلمة الحنون التي تُبَلْسِمُ القلب، وتبعث في النفس الأنس بالحياة، إن فراق الأم لأمر عسير على الإنسان، ولا يشعر الصغير والكبير بأهمية الأم إلا بعد أن يخسر هذا الجناح الذي به يطير. نعم، إن الأب دوره جليل، ولكن ليس كدور الأم في حياة الأبناء. فهو الجناح الثاني، ولا يحلق المرء إلا بجناحين اثنين.
التجربة التي أعبر عنها هي تجربة خاصة، ولكني أعتقد أنها تجربة الإنسان عموما تجربة تصور المعاناة والألم والشعور بالوحشة حينما يفقد الإنسان أبويه كليهما أو أحدهما.
أجل فقدت أمي وأنا كبير في السن، إلا أنني طفل في معيار العاطفة الإنسانية؛ فأنا أبكي كما يبكي الصغار، وأنا أتخيل أمي كما يتخيلها الغلام، وأنا محتاج إليها كحاجة الصغير إليها، أجد فيها الكهف الذي أنشد فيه الراحة والهدوء والطمأنينة أغسل فيه أوضار الحياة ومنغصاتها. وحقا لاشيء يعدل في الدنيا وزنها، وقيمتها. ويزداد الحزن إذا كان فقدها قد حصل وأنا بعيد الدار عنها، أسمع خبر موتها، وبيني وبينها سهول وجبال ووديان، وعيون. لا أملك وسيلة توصلني إليها؛ فالموانع كثيرة خفية وجلية، فعزائي هذه الأبيات التي قلتها في أوقات مختلفة بعد وفاة والدتي التي تمثل وفاة كل أم بالنسبة إلى ابنها، فأنت أيها القارئ شعري أمام لوحة عاطفية تجسد مشاعر ابن مشتاق إلى أمه، أسال الله أن يتقبل أعمالها وأن يجازيها عنا خير الجزاء، وعن جميع الأمهات.
الأبيات التالية لوحتان شعوريتان قيلتا بمناسبة ملائمة لهذا المشهد الأمومي فإلى المقطوعتين ثم إلى أبيات أخرى تبين منزلة الأم عند أبنائها:
فيا ليتني قبل الرحيل ضممتُها
وقبلتُ رأسا ثم ثنيتُ حانـيا
وياليتني إذ ودعتْ دارَ بعلِها
حملتُ رُفاتاً كان قبلُ مُؤَاسـيا
وما كنت أدري يوم حانت وفاتها
بأني سـخيُّ الدمع لَيْن فؤاديا
سقى الله قبرا أنت فيه ودوحةً
وبورك روحٌ طار في الجو زاكيا
عليكِ سلام الله ما دمتُ باقيا
بدار فِنَا أو كنتُ في القبر ثاويا
وأسأل ربي أن يكون مقامنا
بجنات عدن نستطيب الليالـيا
وأسكنك الله الكريم رياضه
وبُلِّغْتِ في أعلى الجنان المراقيا
يمر بقلبي ثم ذهني خيالُكم
فلا أنا أنساه ولا الدهرُ ناسيا
فيذرف دمعي ثم يتبعه الشجا
فلا الغم مشفيا ولا الهم شافيا
ولو كانت الأرواح تفدى بناجع
لصرتُ فِدا أمي جَواداً وجادِيا
تذكرت مرة أيامي مع والدتي وما كانت تبوحه لي وما كنت أحلم به في المستقبل فقلت:
قد كنتُ أحلم يا أماه في زمن
أراكِ فـيه بُعَيْدَ الـدارِ في جَذَل
أراكِ فيه وقد نورتِ ساحتَـنا
بطلعة مثل وجه البدر مكتـمل
أرى محياكِ رأيَ العينِ منشرحا
يا فرحتي بلقاها أو لِقَا أمــلي
وخَضَّرَتْ ذكرياتي مرْجَ ذاكرتي
وعاد لي قوتي بل صرتُ في جبل
أُطِلُّ منه على الأيام فانبثقـتْ
خريطةُ الفجر تمحو كلَّ ذي عطل
أَهيـمُ في عالم تحلـو حكايتُه
ذكراه ُتنْعِشُ أهل السمع والمُقـَلِ
ومما قيل في فضل الأم:
أمي أمي أمي
يا أحلى من شَهْدٍ في جوفي وفمي
أول ما ينطق طفلي أمي
أمي أمي
وأبي
أمي
هل أدرك أمي
أخشى أن ترحل أمي
ويدي لا تمسحُ رأسك يا أمي
ودموعي لا تدنو من وجهك يا أمي
ما أغلى أمي!
أمي
أرجوك يا أمي
أن تصفحي عني عن خطئي
مهما قدمنا من عمل
ونثرنا في حِجْرك أطنان الذهب
لن يعدل حملك يا أمي
يا رب ارزق أمي عافية
وأمد الله لها بالعمر
فأطير
لأرى أمي
اللهَ اللهَ يا وطني
ارم رأس الطغيان
لأرى أمي
لأبوح لأمي: ما في نفسي من ألم البُعْد
وأشم عبير الرجلين
لن أجحد فضلك يا أمي
لكنَّ زبانية الظلمِ
حالوا بين الجسدينْ
لكن ما أحد يمنع وصل الروحين
يا أمي
معذرة يا أمي
معذرة يا أمي.











17
الرد على هذا التعليق

خدمة RSS