حتى لا يفشل حوار الآباء مع الأبناء

دعوة وتربية » نوافذ
05 - ذو القعدة - 1433 هـ| 21 - سبتمبر - 2012


1

الحوار بالرفق مع الأبناء، والجدال بالتي هي أحسن مع الآخرين ومع المخالفين مبدأ إسلامي أصيل، له آثار طيبة، ونتائج مثمرة، ففي الكتاب العزيز يقول تعالى: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" سورة النحل:125.  وفي قوله تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) سورة العنكبوت:46، فهذا جدال بالتي هي أحسن لدعوة اليهود والنصارى إلى الإسلام. والقرآن الكريم حافل بنماذج من الحوارات التي جرت بين أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام وبين أقوامهم، حتى أن قوم نوح قالوا له: (يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) سورة هود:32، فأكثر جدالهم حتى تبرَّموا من كثرة جداله لهم، والجدال نوع من الحوار.

والحوار ورد في كتاب الله تعالى مع النساء والأبناء، كما في قوله تعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ" سورة المجادلة:1. وأيضا سجل القرآن الكريم حوارا بين الابن وأبيه، و بين الأب وابنه كما حدث بين نوح عليه السلام وابنه: "وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِل،ٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء، قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ، وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ"سورة هود.

   وكما حدث بين الابن المشفق على أبيه وبين الأب، قال تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ، لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا"سورة مريم.

أولا: ضرورة الحوار:

    كنا في رحلة الحج عدة مرات، وكنا نطرح عددا من الموضوعات التربوية على الأمهات، وعلى البنات، وفي قسم الرجال فعلوا ذلك، وطلبنا من البنات أن يحددوا أهم مطالبهم من الأمهات، وكذلك فعل الآباء مع الأبناء، و كانت أهم الطلبات الملحة من الأبناء الذكور أو الإناث هي ضرورة الحوار، وكتب الأبناء ملاحظات عديدة على أسلوب الحوار المطلوب، وطالب بعض الأبناء الآباء بالحوار، وبعضهم طالب وركز على الحوار الفعال، وتخصيص الوقت الكافي له، واستشعار أهمية الحوار مع الأبناء، وترك الانفعال والعصبية، واحترام آراء الأبناء، وعدم إخافتهم، وكان بعض الأبناء يتساءل ويقول: إذا كنتم أيها الآباء تحبون الأبناء، وتضحون من أجلهم وتسهرون على راحتهم، وتنفقون الأموال لإسعادهم، وتخافون عليهم كما قال أحد الشعراء واصفا خوفه على أبنائه بقوله:   

وإنما أولادنا بيننا                             أكبادنا تمشي على الأرض

     لو هبت الريح على بعضهم                 لا متنعت عيني عن الغمض

 

فلماذا تتذمرون من الحوار؟!، وإذا كنتم أيها الآباء تريدون نتائج تربوية سليمة، وتريدون إدخال السعادة والسرور على الأبناء، وتريدون الوصول لنتائج إيجابية، فلا بد من مراعاة هذه الأمور عند إجراء الحوار.

ولا أريد أن أتوسع في معرفة آداب الحوار، أو أهمية الحوار في تربية الأبناء، ومعالجة مشكلاتهم، ولكن أهتم ببعض الملحوظات التي تجعل الحوار فعالا، ومفيدا، أو أركز على أهم أسباب الفشل في الحوار.

 

ثانيا: ليس الهدف إجراء الحوار فقط

يسعى الآباء للحوار مع الأبناء كوسيلة ناجحة من وسائل التربية، بل تعتبر دليلا أو علامة من علامات النجاح في التربية، ولكن في الحوار مع أبنائنا قد يكون بطريقة ترضي الأب أو الأم ليثبتا أنهما يتحاوران مع الأبناء دون النظر للنتائج، هل هي مثمرة، وهل تحققت أهداف إجراء الحوار؟ والذي يحدث هو أننا ـ أي الآباء ـ نرتكب أخطاء تجعلنا نفشل في الحوار مع الأبناء، وبعض الآباء لا يشعر بذلك، لأنه يسعد بمجرد أنه يتحاور، ولكن لا ينظر للمردود، ولا يسأل نفسه هل تحقق المراد، أو تم الوصول للهدف؟ وهل الحوار بناء أم لا؟ وإذا فتشنا عن النتائج والثمرة، فسنجد أنها لم تتحقق.

 ولنا أن نتساءل: لماذا نفشل في الحوار مع أبنائنا؟ أو لماذا لا يكون الحوار ناجحا؟.

ثالثا:  الانشغال وعدم الإنصات:

فمن من أهم أسباب الفشل في الحوار هو: الانشغال، ثم عدم الإنصات، وإذا وجد الوقت أو الفراغ، فلا اهتمام، و نجد الأب أو الأم تظهر الانشغال، ولا تنصت، فقد تنشغل بعمل منزلي يمكن أن يؤجل، أو مشاهدة التلفاز، أو قراءة مجلة أو جريدة أو غير ذلك، فالأم مثلا بهذه الطريقة، تسير على أسلوب خاطئ، فلا تريد أن تسمع شيئاً من ابنها أو ابنتها، وإذا استجابت لضرورة إجراء الحوار مع الأبناء، وتم الاتفاق على وقت محدد، فإذا بدأت البنت في الكلام، تبدأ الأم في إسكاتها، أو مقاطعتها، سواء بالكلام أو بالإشارة، و إذا أطالت الابنة في الكلام، أظهرت الأم الملل، أو أن الأمر لا يحتاج لكلام طويل، لأني فهمتك بسرعة، أو لأن القضية تافهة، أو غير مهمة، وفي هذه عدم إعطاء الابن  الوقت الكافي للتعبير، وإسكاته يقلل ثقته بنفسه؛ ويشعر أنه غير محترم، أو غير مهم، أو غير قادر على توصيل ما يريد، ثم لا يرى فائدة من الكلام، و لا جدوى من الحوار، فيحدث الفشل، وينقطع التفاهم، ولا يستمر الحوار.

رابعا: تحويل الحوار إلى توجيه وإرشاد:

 ومن أهم أسباب الفشل في الحوار أيضا هو حرص الأب أو الأم على توجيه النصائح، أو إصدار الأوامر، وعدم فهم الغرض من الحوار، فليس الغرض منه هو الاستماع ثم التوجيه أو الإرشاد أو إظهار الأخطاء، بل الحوار وتبادل الآراء للوصول للإقناع، وقد يوضح الابن للأب وجهة نظره أو اجتهاده في أمور خلافية أو أمور اجتهادية فلا يقبلها الأب، ويبدأ بالنصح ومحاولة التغيير في رأي الابن وكأن الابن أخطأ فعلا في اختياره، ولا مجال لتبادل الآراء.

خامسا: الغضب من رفع الصوت:

ومن أسباب عدم نجاح الحوار هو: الغضب من الآباء إذا ارتفع صوت الأبناء، فينشغل الأب أو الأم بتوجيه النصح أو التوبيخ للابن أو البنت على طريقة الكلام، و لا يهتم بالسماع والإنصات للموضوع، وينشغل فقط بالأسلوب الابن الغير مهذب، وهذا يجعل الابن ينصرف، ولا يستكمل الحوار.

 والصحيح أن يفصل الآباء بين قضية النصح، وأهمية الاستماع والنقاش، ويتم تأجيل النصائح في الأسلوب الأمثل للحوار إلى وقت لاحق بعد انتهاء الحوار، حتى لا يصدم الابن، وينشغل في قضية الخطأ الذي ارتكبه، وينسى الحوار، ويكره فتح باب النقاش مرة أخرى، فهذا من أسباب عدم نجاح حوار الآباء مع الأبناء، والله تعالى أعلم.

ولعلنا نستكمل موضوع الحوار، ونكمل بقية الأسباب في مرة قادمة بإذن الله تعالى، ونتحدث  أيضا: عن عدم التعود على الحوار منذ الصغر، أو متى يبدأ الحوار؟ و كيف نجعل حوار الأبناء مع الآباء بناءً أو مثمرا؟

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- عادل - مصر

07 - ذو القعدة - 1433 هـ| 23 - سبتمبر - 2012




استفدت جدا من هذا الموضوع شكرا

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...