الإسلاميون والليبراليون في مصر.. وحقيقة الصراع!!

دراسات وتقارير » تيارات
11 - صفر - 1434 هـ| 25 - ديسمبر - 2012


1

الصراع الذي يدور الآن في مصر بين الإسلاميين والليبراليين هو صراع في جوهره حول هوية الأمة وعقيدتها، مهما حاول التيار الليبرالي أن يزيف الحقائق، ويوهم الناس أنه محاولة لتقليص صلاحيات السلطة الحاكمة، أو نتيجة لرفض بعض بنود الدستور المتعلقة بالعدالة الاجتماعية أو غير ذلك من المزاعم التي يرددها الإعلام الليبرالي.

لقد شعر علمانيو مصر أن البساط يسحب من تحت أرجلهم، وأن المجتمع المصري ينحاز شيئا فشيئا تجاه هويته الإسلامـية، لذلك فقد استنفروا قواهم وتحالفوا رغم التباين بينهم وكونوا جبهة من شركاء مختلفين في كل شيء، إلا في عدواتهم للفكرة الإسلامية والمشروع الإسلامي، وهم يدركون جيدا أن إعلانهم هذا الأمر بشكل سافر سيؤدي إلى لفظهم من الشارع المصري، ومن ثم فقد افتعلوا الأزمات والمشاكل ليبرروا معارضتهم للنظام المصري، لكنهم في حقيقة الأمر رافضون لصبغ مصر بهوية إسلامية.  إن المعركة التي تدور في مصر ليست ضد بعض مواد الدستور، أو ضد قرارات الرئيس المصري لكنها ضد الفكرة التي يحملها، والمشروع الذي  يدعو له.

هذا النهج العلماني في افتعال الأزمات، لشن حرب واستهداف أحد الشخصيات لتوجيه النيران إليه للوصول باغتياله المعنوي للقضاء على فكرته الإسلامية دون التصريح بحقيقة الصراع، ورثه علمانيونا من الاستعمار الغربي، ففي فترات الاحتلال شن الغرب حربا فكريا دامية على مقدساتنا وأخلاقنا وقيمنا دون أن نشعر أو ندرك أن هناك حربا قد استهدفتنا، حتى شعرنا بنتائج هذه الحرب بعد عقود من انتشار الإلحاد وتنحية للشريعة وانتشار التفسخ الأخلاقي.

يقول مالك بن نبي: إن بلادنا عاشت صراعا فكريا مريرا غير معلن، حتى أننا لم نشعر بأن معركة مرت بأرجائها، لكننا أدركنا النتائج السلبية لهذا الصراع فيما بعد في حياتنا وأخلاقنا. إن الاستعمار يبذل جهوده في إحاطة هذا الصراع بالغموض..  وحينما تبتدئ المعركة ضد فكرة فإن اسم صاحبها لا يستخدم كما ذكرنا إلا في توجيه النيران، ولهذا يوضع في وسط المرآة، في مركز تلاقي الأضواء، أي مركز تلاقي الإيحاءات التي يراد عكسها عليه، كي يعكسها هو بدوره على الفكرة المقصودة بالذات(1).

لذلك فإن هذه المعارضة تكون متصالحة مع نفسها، عندما تخاطب الغرب وتعبر عن حقيقة نواياها، وهو ما اعترف به الدكتور محمد البرادعي رئيس حزب الدستور المعارض، وأحد أبرز وجوه الليبرالية في مصر في مقاله الذي نشره في صحيفة "الفاينانشيال تايمز" البريطانية: "أنه تحالف مع فلول نظام مبارك وأعضاء حزبه، من أجل التصدي للمشروع الإسلامي، الذي يدفع مرسي ومؤيديه البلاد تجاهه".

حقيقة الصراع لا تخفى على المراصد وصناع القرار في الغرب، بل لا نكون مبالغين إن قلنا إنهم هم من أصدروا، سواء بشكل مباشر أو من خلال دوائر أخرى، الأوامر اللازمة بشأن هذا الصراع؛ لذلك فقد صرح معلق الشؤون العربية في الإذاعة العبرية: معلقاً عن إقرار الدستور المصري والذي يتضمن التمهيد لقضية تطبيق الشريعة، من المفارقة أن هذا تطور سيئ لنا وللغرب ولإيران.

قالت مجلة فورين بوليسي الأمريكية المتخصصة في الشؤون السياسية: إن الاحتجاجات الحالية في مصر، والمظاهرات والاشتباكات في محيط قصر الرئاسة ليس فقط لأن مرسي أعطى صلاحيات كبيرة لنفسه في الإعلان الدستوري الذي أصدره، ولكنه أيضا بسبب الصراع على شيء أكثر أساسية وهو هوية مصر ذاتها. إن الإعلان الدستوري ومسودة الدستور ليس بالسوء الذي يراه معارضو الرئيس مرسي.

وتقول المجلة: إن المعارضين ينقسمون إلى فريقين، جزء من الثوريين الشباب، وآخر من الليبراليين والاشتراكيين مثل محمد البرادعي وعمر موسى وحمدين صباحي، الذين لا يجمعهم إلا القليل، وكلهم يشتركون في أنهم يخافون أن يستولي الإسلاميون على الحياة السياسية في مصر، وأن تمسك الليبراليين بالديمقراطية متذبذب بين الصعود والهبوط، حيث رحبوا بحل أول برلمان منتخب بشكل ديمقراطي بعد الثورة، ومع ذلك طالبوا بتدخل الجيش لحماية مدنية الدولة، وبعضهم أعطوا صوتهم لرجل مبارك أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة.

هذا الصراع لم يكن تأثيره داخل مصر وحدها، بل تعدى الحدود فقد استقطب النخب الليبرالية والإسلامية في البلاد المجاورة، إدراكا منهم أن نتائج هذا الصراع سيؤثر بشكل كبير عليهم في بلدانهم، فنجد قناة مثل العربية ذات التوجه العلماني المعروف تعدل في خرائطها البرامجية، وتخرج عن الموضوعية الإعلامية المفروضة لتنشغل بشكل مبالغ فيه بالشأن المصري داعمة للمعارضة بكل وسيلة ممكنة، كما كان الهجوم على الدستور المصري والسلطة الحاكمة هو محور مقالات كثير من الكتاب الليبراليين في عدد من الصحف الخليجية.

في المقابل عبر الكثير من رموز التيار الإسلامي في الخليج وبقية الدول العربية عن دعمهم لمشروع الدستور المصري، معتبرين أنه خطوة على طريق الإصلاح الإسلامي، والتغيير وفي هذا الإطار فقد أصدر فضيلة الشيخ عبد العزيز الطريفي فتوى تدعو للتصويت بنعم على الدستور المصري مع الالتزام بعدد من الشروط، "ليس محل عرضها"، وبنفس المعنى أفتى فضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك، كما شهدت ساحات مواقع التواصل الاجتماعي مئات التغريدات من ناشطين إسلاميين في الخليج يدعمون التيار الإسلامي في مصر وينددون بالنخب العلمانية.  هذا التعاضد والاستقطاب من الإسلاميين والعلمانيين داخل وخارج مصر نتاج لإدراك الجميع أن الصراع هو صراع وجود على هوية الأمة وعقيدتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات (الهوامش):

(1)الصراع الفكري ، مالك بن نبي، ص 37.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- asma - مصر

17 - صفر - 1434 هـ| 31 - ديسمبر - 2012




نعم استاذ بسام بارك الله في جهدك هذه فعلا حقيقة الصراع مستخدمين في ذلك الاعلام الحقير ولكني ارى ايضا للأسف الشديد سوء أدارة لهذا الصراع من قبل التيار الاسلامي فهو يقف دائما موقف المتهم الذي يدافع عن نفسه والله ما ارى في مصر الا عناية الله تحيط بها وترعاها ووعى شعبها العظيم يدافع عن هويته الاسلامية رغم أنف الحاقدين

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...