على الداعية أن يصل إلى رتبة المُبَلِّغ وأن يسعى إلى البلاغ

دعوة وتربية » فقه الدعوة
11 - ربيع الآخر - 1434 هـ| 22 - فبراير - 2013


1

تناولنا في القاعدة الرابعة من قواعد الدعوة إلى الله الجزء الأول منها وهي: على الداعية أن يصل إلى رتبة المُبَلِّغ وأن يسعى إلى البلاغ:

أ ـ ليس أمر الدعوة إلى الله بأقل من أمر الدعوة أو الدعاية إلى سلعة دنيوية.

ب- ولا معذرة للداعية إذا قصر في البلاغ.

ج- ومن مقتضيات البلاغ أن يعي الداعية ما يُبلغه، لأنه لا تبليغ بلا وعي.

د- ومن مقتضيات البلاغ البلاغة.

هـ- ولقد جاء القرآن بتأكيد الفصاحة وسلامة النطق.

و- ومما يساعد الداعية على البيان والبلاغ وجود إخوانه معه إلى جانبه.

اليوم نستكمل بقية هذه العناصر من القاعدة الرابعة من قواعد الدعوة إلى الله الجزء الثاني منها.

ز- ولكي يصل الداعية إلى درجة البلاغ فعليه أن يستعمل الوسائل الكاشفة عن مراده المُقرِّبة لدعوته، وهذا ما يعرف بوسائل الإيضاح، والوسائل المُعينة. وعلى الداعية أن يخاطب الناس بالصورة والفيلم والخارطة والرسم البياني، والمقطع التوضيحي، والرحلة الهادفة، والقصة، والمثل، والقصيدة، ومخلوقات الله تعالى وعجيب صنعه.

النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم وسيلة الإيضاح:

أخرج البخاري عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: " كنا عند النبي r فأتى بجُمَار فقال: إن في الشجر شجرة مَثَلُها كمثل المسلم، فأردت أن أقول: هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم، فسكتُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة. رواه البخاري في كتاب العلم من صحيحه، والجُمَّار ما في رأس النخلة من اللب، وطعمه حلو طيب.

فالنبي صلى الله عليه وسلم سأل عن شجرة يشبهها المسلم وتشبهه، وكان عند السؤال يأكل من الجمّار. قال ابن حجر في فتح الباري: "لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المسألة عند إحضار الجمّار إليه، فهم ابن عمر أن المسؤول عنه النخلة".

إبراهيم عليه السلام يستخدم وسائل الإيضاح:

والقرآن الكريم يقص علينا كيف كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يستخدم هذه الوسائل المعينة، عندما أراد أن يدعو قومه إلى عبادة الله، ويصرفهم عن عبادة النجوم والكواكب. قال الله تعالى: "فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ {6/76} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ {6/77} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ {6/78} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {6/79}"سورة الأنعام.

وهذا أسلوب فيه التنزل مع المدعو والتدرج معه؛ حتى يتوصل إلى إبطال مُدّعاه وإقامة الحجة عليه.

ومعاذ الله أن يكون هذا هو معتقد إبراهيم عليه السلام. قال الرازي (في تفسيره 13/48، راجع تفسير الرازي للآية، والمعروف باسم التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب).: "إن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه، والدليل عليه أن الله تعالى لما ذكر هذه القصة قال : }وتلك حُجَّتنا آتيناها إبراهيم على قومه{  سورة الأنعام  83، ولم يقل على نفسه، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد".

وأما قوله: }هذا ربي{ فمعناه على زعمكم واعتقادكم، وذلك كقول موسى عليه السلام للسامري: }وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً{ سورة طه 79،  فإن موسى عليه السلام لم يقره على مدعاه وإنما حكى زعمه وادعاءه. وكذلك قول الله تعالى }ويوم يناديهم فيقول أين شركائي{سورة القصص، فالشركاء هنا على حد زعم المشركين وادعائهم. وبهذا يكون إبراهيم عليه السلام قد دحض عقيدتهم في عبادة الحوادث والمتغيرات، وأثبت عقيدته في عبادة الواحد الباقي، الذي لا يعتريه النقص والتغير.

ومثال آخر جاء في قوله تعالى: "وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ، إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ، فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ، مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ" سورة الأنعام 83ـ 93.

وقال تعالى: "فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ" سورة الأنبياء الآيات: 58-63.

          ونلاحظ أن إبراهيم عليه السلام استخدم أسلوباً من أساليبهم عندما يمرضون، وهو المكث عند الأصنام طلباً للشفاء، ونراه يحطم الأصنام إلا صنماً كبيراً ، لعلهم إليه يرجعون، ثم نراه ينسب الفعل لهذا الكبير، وتأكيداً لهذا فقد جعل الفأس في رأسه، وهذا كله جعلهم يقولون: "فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ، قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" سورة الأنبياء من 64 ـ 67.

وبهذا فقد حكم المشركون على أنفسهم بالجهل والغباء. وقرروا عجز آلهتهم عن حماية نفسها أو إجراء الخير والضر لها فضلاً عن تقديمه لغيرها.

ح- وللوصول إلى رتبة البلاغ فإنه لابد من تقليب الأساليب وتنوعها، فما لا يصل بالجهر قد يصل بالسر، وما لا يصل في الليل قد يصل في النهار، وما لا يستقر في القلوب مع انشغالها قد يستقر فيها عند فراغها، وما لا يؤثر في الصحيح قد يؤثر في المريض.

وفي سورة نوح تطبيق كامل لهذا المبدأ ولهذا القاعدة قال الله تعالى على لسان نوح :" وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا "سورة نوح.

قال القرطبي في تفسيره لهذه الآيات من سورة نوح: "كل هذا مبالغة في الدعاء وتلطف بالاستدعاء".        

وقال ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات من سورة نوح: "نوع عليهم الدعوة لتكون أنجح" فدعاهم بالليل، حيث السكون الداعي إلى حسن الاستماع، وحيث النجوم الدالة على خالقها ومنشئها. ودعاهم بالنهار حيث العمل واللقاء والمحاورة والمناظرة. وكان شأنهم التنكر له عندما يدعوهم، ولكنه لم يتنكر لهم، بل واصل دعوتهم، وأمعنوا في التنكر فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وتلفَّعوا بثيابهم، فصاح بأعلى صوته كي يصل إلى أسماعهم، ولما ألقوا بأسماعهم أسر لهم إسراراً.

قال القرطبي: "وأسررت لهم: أتيتهم في منازلهم".

وهذه التفاتة جيدة من القرطبي، إذ إن الذهاب بالمدعو بعيداً عن أعين الناس أبلغ في التأثير، في حين أن اللقاء مع المدعو أمام أعين الناس قد يسبب حرجاً له، بالإضافة إلى أنه ينبه أعداء الإسلام الذين يضربون هذه العلاقة بمجرد معرفتهم بهذه الصلة ويحذرون المدعو، ويكون هذا قبل أن نتمكن الفكرة في نفس المدعو، فيؤدي ذلك إلى عدم الاستجابة أو يؤخرها.

ط - وللوصول إلى رتبة البلاغ فإن على الداعية أن يخاطب المدعوين باللين لا بالغلظة، والشدة: واللين تلطف بالمدعو ورفق به، وتخير لأحب الأسماء إليه، وأقرب الأساليب إلى قلبه. وليس اللين في التساهل في أحكام الشرع، ولا في مجاراة أهل الباطل على باطلهم ولا في السكوت على المنكرات. فالمؤمن على كل حال لا يخشى إلا الله ولا يرجو إلا ثوابه.

وإذا كان الله تعالى قد أمر موسى بأن يدعو فرعون باللين، فمن باب أولى أن يكون اللين شعار كل دعوة. قال تعالى: "اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" سورة طه : 43-44.  وأمر الله نبيه r بأن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة.

واللين أقطع من الشدة، وأقدر على إيصال الكلام إلى القلوب. وكثيراً ما يجد الداعية العقبات في طريقه بسبب كلمة قالها أو تصرف أساء فيه للمدعوين.

والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة تجعل المدعو يقف مباشرة أمام الدعوة، في حين أن الغلظة تجعل المدعو في حجاب عن الدعوة.

 وكما يضع أعداء الإسلام العقبات في طريق الدعوة، فقد يضع المسلم ـ وهو لا يعلم ـ عقبات أيضاً، في طريقها، سببها سوء صنيعه وضجره وسأمه وقصر نظره وضيق صدره.

والداعية الناجح هو الذي لا يفقد صوابه واتزانه مهما كانت الظروف.

يقول الرازي في تفسيره: "واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لابد أن تكون مبنية على حجة وبينة، والمقصود من ذكر الحجة إما تقرير ذلك المذهب أو ذلك الاعتقاد في قلوب المستمعين، وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه".

والدعاة إلى الله يبتغون إيصال الحق والهدي إلى قلوب الخلق، وليسوا في حلبة مصارعة يبتغون الظفر على خصومهم، ويريدون إثبات تفوقهم في الحجة والدليل. ويذهب الرازي إلى أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، هي التي تؤدي إلى كسب الأنصار، بينما تبقى المجادلة بالتي هي أحسن لإقامة الحجة على الخصوم. فقال الرازي: "ومن لطائف هذه الآية أنه قال: }ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة{ سورة النحل125، فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين، أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام. فلهذا السبب لم يقل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيهاً على أنه لا يحصل الدعوة وإنما الغرض منه شيء آخر".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)هذه المادة من كتاب قواعد الدعوة إلى الله تعالى للدكتور: همام عبد الرحيم سعيد، وهذه هي بقية القاعدة الرابعة، ويوجد جزء من مقدمة الكتاب والقاعدة الأولى على بعض مواقع تحميل الكتب بالنت لكن فيه أخطاء كثيرة، ونواقص خطيرة. وبقية القواعد سننقلها من الكتاب بالرجوع للنسخة المطبوعة الطبعة الخامسة 1419هـ =1999م دار الوفاء المنصورة مصر، مع بعض الإضافات المهمة، أو التصرف اليسير إذا احتاج الأمر.

الحلقة الأولى وهي مقدمة الكتاب على هذا الرابط:  مقدمة قواعد الدعوة إلى الله تعالى للدكتور: همام عبد الرحيم سعيد

www.lahaonline.com/articles/view/39926.ht

 

 الحلقة الثانية: عن القاعدة الأولى الدعوة إلى الله سبيل النجاة في الدنيا والآخرة*

www.lahaonline.com/articles/view/40166.htm

 

الحلقة الثالثة: وتشتمل على القاعدة الثانية لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حُمُرِ النَّعَم.

قواعد الدعوة إلى الله(3).

www.lahaonline.com/articles/view/40674.htm

الحلقة الرابعة وتشتمل على القاعدة الثالثة  الأجر يقع بمجرد الدعوة ولا يتوقف على الاستجابة

www.lahaonline.com/articles/view/42273.htm

موضوعات ذات صلة

من صفات الداعية: الإخـــــلاص

http://www.lahaonline.com/articles/view/42126.htm

صفات الداعية الناجح (2-2)

http://www.lahaonline.com/articles/view/39303.htm

صفات الداعية الناجح (1)

http://www.lahaonline.com/articles/view/39261.htm

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...