المدينة المنورة عبقرية المكان و الزمان والإنسان (1 ـ2)

كتاب لها
10 - جماد أول - 1434 هـ| 22 - مارس - 2013


1

الحمد لله الذي جمع القلوب على توحيده، ونور قلوب المؤمنين بذكره وشكره وتمجيده، وصلى الله على أعظم أنبيائه وأشرف خلقه، محمد رسول الله وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليماً كثيراً. وما من شك أن الله سبحانه وتعالى جعل للمدينة المنورة البلد الطيب ذكرا يخلده التاريخ، فقد قصده طالبي رحمة الله وتعلم فيها العلماء والفقهاء، وكانت حاضرة الدولة الإسلامية، فهل كان الإنسان أم الزمان أم المكان فضلا فى عبقرية المدينة المنورة.   مطلق الاسم في وصف المكان:

يثربYthreb, Ythrib))  (اسم المدينة المنورة بالجاهلية (مدينة النبيr) قبل هجرة الرسولr  وهجرة المهاجرين إليها، ويثرب حفيد سيدنا نوح مؤسس هذه المدينة القديمة، فهو (يثرب بن قاينة بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوض بن إرم بن سام بن نوح)، و هناك خلاف حول أية قبيلة سكنت يثرب أولا؟ هل هي قبيلة عبيل، أم قبيلة العماليق، ولكن المؤرخين يتفقون على أن القبيلتين سكنتا يثرب على التوالي، ويختلفون في الزمن. والأرجح أن قبيلة عبيل هي الأسبق، ثم جاء العماليق فأخرجوهم منها وسكنوها، وتروي المصادر العربية عدة روايات حول تأسيسها أهمها: أن أبناء نوح بعد الطوفان تكاثروا ولم تعد المنطقة التي نزلوها تكفيهم، فخرجت مجموعات منهم تبحث عن موطن جديد، ووصل فرع (عبيل) بقيادة (يثرب) إلى هذا الموضع، ووجدوا فيه الماء والشجر والجبال البركانية التي تحيط به وتشكل حماية طبيعية لمن يسكنه فأعجبهم واستوطنوا فيه،ويقال إن أحد أحفاد نوح عليه السلام (واسمه نمرود بن كوش بن كنعان بن نوح) دعا قومه إلى عبادة الأوثان، فاستجابوا له، فعاقبهم الله، وخرجوا من بابل وتفرقوا في جهات مختلفة. ووصل فرع عبيل إلى هذه المنطقة، والعماليق من أحفاد نوح عليه السلام، خرجوا من بابل واستوطنوا منطقة من تهامة إلى مكة، وبقوا فيها إلى زمن ملكهم السميدع، ثم جاءت قبيلة جُـرهم فأخرجتهم من المنطقة وسكنت في منطقة مكة، وجاءت مجموعة منهم تسمى (عبيل) بقيادة يثرب واستوطنت المنطقة وبنت المدينة التي سميت باسمه، وهكذا اتفقت المصادر المختلفة على أن تأسيس يثرب كان على يد رجل يتزعم مجموعة بشرية، هاجرت من موطنها الأصلي ـ بابل أ وتهامة أو قسم من الحجاز حيث كانت تبحث عن موطن جديد يوفر لها الحياة، وأن هذه المجموعة وجدت في هذا الموقع أرضاً خصبة، وشجراً كثيفاً، وماءً وفيراً، ووجدت أن هذا الموقع أيضاً يوفر لها قدراً من الحماية الطبيعية، فاستقرت فيه، وحولته إلى مدينة، وسمته باسم زعيمها يثرب، تكونت بها أول حكومة إسلامية وأصبحت عاصمة الرسولr  و الخلافة الراشدية حتى وفاة الخليفة الثالث عثمانt. ونقل الخليفة علي t العاصمة للكوفة، وبعده نقلها معاوية بن أبي سفيان t لدمشق، وقد اختارها الرسول الكريمr لتكون مستقره ومستودعه.

خلد الزمان في فضل المكان:

 أرسل الله رسوله محمداً r إلى الناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الجاهلية والشرك إلى التوحيد، ومن عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الواحد الديان )يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً( الأحزاب: 45-46. فامتثل الرسول r أمر ربه -سبحانه-، وقام ودعا إلى الله بكل ما يستطيع، ودخل الناس في دين الله؛ لكن رؤوس قريش وسادتها وزعماءها حاولوا إطفاء هذا النور، وحاربوا الرسول r وأتباعه بشتى أنواع المحاربة من تعذيب وإيذاء وقتل وحبس واستهزاء وسخرية... إلخ، فما كان من الرسول r إلا أن نصح أصحابه بالذهاب من مكة إلى الحبشة فراراً بدينهم وعقيدتهم، واشتد الإيذاء له من كفار قريش حتى وصل بهم الأمر إلى أن أجمعوا على قتله.

فأمره ربه أن يهاجر من مكة المكرمة، إلى المدينة النبوية (طيبة الطيبة)، بعد أن هيأ -عليه الصلاة والسلام- بيعة من أسلم منهم. والدعوة إلى الله تعالى تحتاج إلى نوع من الاطمئنان، وجو هادئ حتى يستطيع الداعي أن يعلم أتباعه ويربيهم، ويغرس فيهم الإيمان بالله، فهاجر من مكة إلى المدينة وقريش كلها تطلبه، ولكن الله -تعالى- نجاه منهم ومن كيدهم وشرهم، وما هي إلا أيام وإذا به يصل إلى المدينة، واستقبله أهلها بالفرح والبشاشة، وبدأ يرسي قواعد الدولة الإسلاميـة، وبدأ يؤسس المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة. فكانت تلك المدينة الطيبة بنبيها r وأصحابه الكرام منطلقاً للإسلام الذي ضرب بأطنابه مشارق الأرض ومغاربها. فيا ترى ما فضائل تلك المدينة التي أنبتت الرجال نباتاً حسناً بأمر ربها؟.. نذكر فضائل المدينة المنورة في هذا الموضوع -إن شاء الله- ولا ننس أن الله تعالى علم في هذه البلد الطيب الصبر، والرحمة والإيثار فكان للإنسان أثر على المكان.

روى البخاري ومسلم وأحمد ومالك: عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب، وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحـديد).

قال ابن حجر: قوله (أمرت بقرية) أي أمرني ربي بالهجرة إليها وأسكنها، وقوله (تأكل القرى) أي: تغلبهـم. ومعناه: أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدماً. وقوله: (يقولون: يثرب، كراهية تسمية المدينة بيثرب، وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين. وروى أحمد من حديث البراء بن عازب رفعه أن رسول الله r نهى أن يقال للمدينة يثرب.

قوله: تنفي الناس، أي الشرار منهم. قال عياض: وكان هذا مختص بزمنـه؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه، وقال النووي: ليس هذا بظاهر، لأن عند مسلم: (لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد) وهذا -والله أعلم- من الدجـال[1].

 ومن فضائل المدينـة أن الرسول r حرمها كما حرم الخليل إبراهيم مكة المكرمـة وحدد حرمها فعن أنسt عن النبي r قال: (المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث، من أحدث حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) [2]وعن أبي هريرة t أن النبي r قال: (حرم ما بين لابتي المدينة على لساني)[3].

ولقد سماها النبي r  طابة كما في حـديث أبي حميد قال: أقبلنا مع النبي r  من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال :(هذه طابة)[4] قال ابن حجر –رحمه الله-: طابة أي من أسمائها إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك، والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب، وقيل لطهارة تربتها، وقيل لطيب ساكنيها، وقيل من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية[5]، والإيمان يأرز إلى المدينة فعن أبي هريرة t أن رسول الله r  قال: (إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما تأرِز الحَيَّة إلى جُحره)[6].

قال الحافظ في الفتح: أي أنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت إلى جحرها كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي r فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبي للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره والصلاة في مسجده ومشاهدة آثاره وآثار أصحابه[7].

ولقد أخبر النبي r أن من أراد الكيد لأهل المدينة فإنه يهلك فعن سعد قال: سمعت النبي r  يقول: (لا يكيد أهل المدينة أحد إلا أنماع كما ينماع الملح في الماء) قال الحافظ: قوله (باب إثم من كاد أهل المدينة) أي أراد بأهلها سواءً، والكيد المكر والحيلة في المساءة وقوله (أنماع) أي ذاب، وفي صحيح مسلم: (ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء) والمدينة النبوية المباركة معصومة من الدجال والطاغوت ببركته r   فعن أبي هريرةt قال: قال رسول اللهr: (على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها لا يدخلها الطاغوت، ولا الدجـال) رواه الشيخان[8]، وعن أنس قال: قال رسول اللهr: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجـال إلا مكة والمدينة، ليس من نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينـة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق) متفق عليه.

وعن أبي بكرة t قال: قال رسول اللهr: (لا يدخل المدينـة رعب المسيح الدجـال، لها يومئذ سبعـة أبواب على كل باب ملكان) رواه البخاري. وعن تميم الداري في حديثه الطويل في رؤية الدجـال في اليقظة، أن الدجـال قال له: يوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، هما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها، قال رسول الله: (هذه طيبة، هذه طيبة) يعني: المدينة. رواه مسلم.

والأحـاديث أكثر من أن تحصر في فضائل مدينة الرسول r وقد ذكر الإمـام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في كتابه النفيس فضائل المدينة المنـورة ما يربو على مئة من خصائص المدينة المنورة فليرجع إليه.

وإلى لقاء في الحلقة القادمة..



[1] فتح الباري 4/104-105.

[2] البخاري مع الفتح 4/97، برقم 1867.

[3] البخاري برقم 1869.

[4] البخاري رقم 1880، ومسلم برقم 1380.

[5] فتح الباري 4/106 .

[6] البخاري برقم 1876.

[7] فتح الباري 4/112.

[8] البخاري برقم 1880 ، ومسلم برقم 1380.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...