من فضائل المدينة (1ـ2)

كتاب لها
09 - رجب - 1434 هـ| 19 - مايو - 2013


1

          الحمد لله الذي فضّل بعض الأيام على بعض، وفضّل بعض الأماكن على بعض، ثم أرشدنا ودلّنا على هذه الفضائل رحمة بنا؛ ولاغتنام تلك الأماكن بزيارتها لنيل بركتها، والدعاء فيها للوصول للعفو والغفران، فقد فضّل الله سبحانه وتعالى المسجد الحرام على سائر المساجد، ويليه المسجد النبوي في طيبة الطيبة،  مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي تم تأسيس أول دولة إسلامية فيها، وصارت مأرز(مجمع) الإيمان، ومهبط الوحي، ومهاجر النبي r، ومثوى الحلال والحرام ومهد الدعوة.

 وعلى من أقام في مدينة رسول الله r أن يعرف لهذا البلد قدره، ويحفظ لهذه المدينة مكانتها وعلو شأنها، ويتعلم كيف يرعى حقوقها.

و قد ورد عن النبي r أحاديث كثيرة في فضائل المدينة، مع بيان مكانة هذا البلد الشريف، وبيان منزلته الرفيعة، وعلو مكانته على بقية الأماكن، و وردت أحاديث في فضل السكن فيها، بل والحرص على الموت بها، ودعا لها الرسول r بالبركة، وحرمها كتحريم مكة المكرمة، وحذر من إحداث أي حدث أو جرم فيها، أو إيذاء أهلها أو التعرض لأحدٍ منهم بسوء، كما وردت الأحاديث في فضل الأنصار الذين كانوا يسكنون بالمدينة، وبايعوا و وآووا و نصروا الرسول r ، وكانوا هم الرجال الذين قامت الدولة الإسلامية الأولى على تضحياتهم.

ونريد أن نستعرض جزءا من هذه الفضائل الكثيرة، والتي تجعلنا نشتاق إلى مدينة رسول الله r، ونحب أهلها، ونرغب في زيارتها.

تعظيم المدينة:

مما ينبغي مراعاته في المدينة أن يعلم ساكنُها أنها محرمة كحرمة مكة المكرمة، مع القيام بما يتعلق بذلك من أحكام، ومن ذلك الحديث المتفق على صحته ـ أي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ـ عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه عن النبي r أنه قال: "إن إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها، مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة".

وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يُقطع عضاهها أو يقتل صيدها، المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة".

تحريم ارتكاب الجرائم فيها

الواجب على من أكرمه الله بسكنى هذا البلد المبارك الطيب، أو الإقامة فيه لمدة محدودة أن يرعى له حرمته، ويعرف له مكانته، وينزله منزلته، دون غلو أو جفاء، بل يقيم به وهو مراع لآدابه متبع في ذلك سنة رسوله r مقتف لآثاره، مهتد بهديه، ملازم لنهجه وطريقته، مجتهد بالقيام بطاعة الله تعالى وفعل أوامره، ساع في بذل الخير والإحسان، مجانب للمنكرات و المحرمات والأهواء والمحدثات، فإن الطاعة في هذا البلد ليست كالطاعة في بلد آخر، والمعصية فيه ليست كالمعصية في بلد آخر، فالأعمال تتفاضل بتفاضل الأمكنة والأزمنة، وليس شيء ينفع الإنسان وينجيه من الخسارة والحرمان سوى عمله الصالح.

ومن الأدلة على ذلك ما ورد في قوله r : "إني حرمت ما بين لابتي المدينة، أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف"رواه مسلم.

 وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أنشدها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجر إلا أن يُعلف رجل بعيره"رواه أبو داود وصححه عدد من العلماء.

 وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله r "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" متفق عليه أي رواه البخاري ومسلم.

والرسول r بذلك قد حدد حدود الأرض المحرمة من المدينة من الجهات الأربع، فأما ثور فهو جبل شمال المدينة، وعير جبل يقع جنوبها، وبينهما الحدود التي يقع فيها التحريم، وأما لابتي المدينة هي الحرّات عن شرقها وغربها.

ومن هذه الأدلة يجب أن يحذر ساكن المدينة من أن يحدث فيها حدثا أو جرما، أو يؤوي فيها أحد من المحدثين أي من المجرمين والظالمين الذين يرتكبون المحرمات والجرائم ويهربون من العدالة، حتى لا يتعرض بذلك لسخط الله ووعيده، وكيف يرضى لنفسه من أكرمه الله بسكنى هذا البلد الطيب أو الإقامة به لفترة محدودة أن يرتكب فيه الأمور المحدثة والبدع المنكرة التي حذر منها الرسول الكريم r بل شدَّد في الوعيد على ذلك كما في الحديث عن أنسٍ رضي الله عنه، عن النبيr قال: "المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إلى كَذَا؛ لاَ يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ؛ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" متفق عليه،  الحَدَث وَالمُحْدِث: الظُّلْم وَالظَّالِم.

حبه r للمدينة وبها يجتمع الإيمان

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: "إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إلى جُحْرِهَا" متفق عليه. أي رواه البخاري ومسلم. يأرز: ينضمُّ ويجتمع.

وفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي الله r: "كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جُدرات المدينة أوضع راحلته، أي حملها على سرعة السير وإذا كان على دابة حركها من حبها" أي أسرع من حبه للمدينة.

الدعاء للمدينة بالبركة 

وفي الحديث المتفق عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله r : "اللهم اجعل لنا بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الناس إِذَا رَأَوْا أوَّل الثَّمر جاءوا به إلى رسول الله r فإذا أخذه رسول الله r قال: "اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ" رواه مسلم.

وفي الحلقة القادمة بمشيئة الله نستكمل الجزء الثاني من الموضوع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1.     فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني كتاب فضائل المدينة جـ 4 من صـ 81 إلى101، الأحاديث من رقم (1867) إلى رقم (1890).

2.     المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي، في أواخر كتاب الحج أبواب منوعة عن فضائل المدينة الأحاديث من رقم 1360 إلى رقم1399.

3.     جامع الأصول لأحاديث الرسول e بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط الجزء التاسع الفصل الثاني في فضل مدينة رسول اللهe الأحاديث من رقم 6913 إلى6970 من صـ304 إلى صـ 338 .

4.     بعض مواقع الإنترنت، موقع الدرر السنية، وموقع المحدث، والشبكة الإسلامية وغيرهم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


علي بن مختار بن محمد بن محفوظ

بكالوريوس أصول الدين قسم السنة وعلومها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1406=1986م بتفوق والحمد لله وكان ترتيبي الثاني.
حصلت على درجة التخصص (الماجستير) عام 1413هـ =1993م في كلية أصول الدين قسم السنة وعلومها، تحقيق ودراسة مسند أبي داود الطيالسي.

قدمت ولله الحمد إنتاجا مقبولا، لكن لم يطبع منه إلا القليل.
1. فهارس كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض)، بالإشتراك مع جماعة التخريج بكلية أصول الدين تحت إشراف الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
2. وبالطريقة نفسها شاركت في إعداد فهارس تارج جرجان للسهمي، (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض).
3. أعددت مجموعة من المؤلفات: أبحاث وكتب ومقالات نشر بعضها، ومن المواد الجاهزة للطباعة: الجزء المفقود من مسند أبي داود ( في مجلد واحد، جزء من رسالة الماجستير) .
4. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة للديانات والفرق والمذاهب والحركات المعاصرة:
الدعوة السلفية في الجزيرة العربية للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
5. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة: العمل الجماعي في الإسلام.
6. من الأبحاث التي قمت بتعديلها (وإضافة ما يقرب من النصف لبعضها ) وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الدعوات: الدعوة السلفية في مصر، الدعوة السلفية في الشام، جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر والسودان، جماعة التكفير و الهجرة بمصر والسودان، جماعة التوقف والتبين بمصر.
7. من الأبحاث التي قمت بتلخيصها وصياغتها من كتاب المؤلف الأصلي وبعض المراجع الأخرى، وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الجماعات: حزب التحرير، الاتحاد الإسلامي الكردستاني.من الفرق: الزيدية. من الطرق الصوفية : العزمية، الدسوقية، الرفاعية، التجانية، البوتشوسية. من الاتجاهات المعاصرة: العقلانية، العصرانية، القومية العربية.
8. من المقالات أو الموضوعات المنشورة: حسن الخلق والعمل الجماعي نشر في مجلة المستقبل(العدد144) التي تصدرها الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض.
9. من المقالات المنشورة: الاعتداء على رجال الأمن: نشر بجريدة المدينة المنورة، ونشر في بعض المواقع والمنتديات.
10. من المقالات أو الموضوعات أو البحوث المنشورة في بعض المواقع بالشبكة مثل موقع الفقه الإسلامي وغيره:
*الضوابط المالية في الإسلام.
* اليقين بأن المستقبل لهذا الدين.
*حكم الاحتفال بشم النسيم وبيان تاريخه وأصله.
*حكم الاحتفال بعيد الأم.
*التوجيهات الفتية للسعادة الأبدية.
*التهيؤ لاستقبال رمضان.
*خطوات عملية لكيفية الاعتزاز باللغة العربية. *شؤم المعصية.
* يا إخواني لا نقبل في الشهيد غير التهاني(الشيخ أحمد ياسين).
*صفات عباد الرحمن.
* من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في شعبان.
*محاسبة النفس.
* نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين.
* الترغيب في قيام الليل.
* السياحة إلى أين، شجعوا السياحة في بلدانكم الإسلامية.
* من أجمل النساء.
* نفحات رحمات من الأيام المعلومات.
* مخيمنا غرق ونجونا والحمد لله.
11. كتاب تيسير فقه العبادات. (أسباب الاختلاف بين العلماء، الصلاة وبقية أركان الإسلام).
12. دروس ومحاضرات وبحوث، ومقالات، وخطب منوعة: الدعاء، شروطه، آدابه، أسباب عدم إجابة الدعاء، الإخلاص، الذكر، القناعة، الأخوة وحل مشكلاتها. الوفاء، دروس في السيرة النبوية، مجاهدة النفس وتزكيتها، صلاة الجماعة، والرد على ادعاء الحق الديني والتاريخي لليهود، دروس في مصطلح الحديث، الجدية، تغيير المنكر بالقوة، الربانية، الاستفادة بالوقت، الثبات في زمن التقلبات، السنن الإلهية في النصر والتغيير، الثقة.
13. تيسير فقه الحج وفقه العمرة ضمن ملف متكامل عن الحج (محاضرات: الأخوة، آفات اللسان، قصة البيت الحرام، نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين، مناسك الحج والعمرة، مجموعة أشرطة مختارة مرئية ومسموعة).
14. كتاب الوجيز في الديانات والفرق و المذاهب المعاصرة(اليهودية، النصرانية، البوذية، القاديانية، الصوفية، الشيعة، العلمانية، الرأسمالية، الوجودية).
15. الحديث المرسل: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: محمد الفهيد عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
16. ابن الأثير وكتابه جامع الأصول: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: أبو لبابة حسين عميد كلية الزيتونة بتونس.
17. الياقوت في القنوت: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: فالح الصغير عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
18. تحقيق وتخريج وتوثيق الجزء الثالث عشر من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين(الصلاة) ط.دار المؤيد والثريا بالرياض.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...