عبدالرحمن الباني المربي وداعية الشام لها أون لاين - موقع المرأة العربية

عبدالرحمن الباني المربي وداعية الشام

وجوه وأعلام
10 - رجب - 1434 هـ| 20 - مايو - 2013


1

كان الشيخ عبدالرحمن الباني ـ رحمه الله ـ من العلماء الموسوعيين، وقد جمع إلى سعة علمه الشرعي، سعة الاطلاع على تاريخ الحضارات، كما كان مربيا من طراز فريد.

ولد الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن محمد توفيق الباني ـ رحمه الله ـ بحيِّ الدقَّاقين في دمشق عام 1917م، وقد كان أستاذا جامعيا مرموقا، وكان من علماء العربية المعدودين. يتميز بالتزام الفصحى في حديثه، وبجمال الخط وفق قواعد الرقعة.

كما كان رحمه الله قارئ نهم مدقق، واسع الاطلاع على التراث العربي والإسلامي المطبوع، يملك مكتبة ضخمة من أكبر المكتبات الخاصة، تحتوي نوادر البحوث والدراسات. صاحب آراء إصلاحية غير مسبوقة في قضايا التربية الإسلامية، وذاكرة قوية حاضرة. قضى أكثر من سبعين سنة في ميادين التربية طالبًا ومتعلِّمًا، ومدرِّسًا ومعلمًا، وموجهًا ومفتشًا، ومشرفًا ومنظِّرًا، وخبيرًا ومستشارًا.

تلقى تعليمه الجامعي بمصر، وعقب عودته من مصر سنة 1951م تولى التدريسَ في دار المعلمين بدمشق، ودار المعلمات، وفي كليتي الشريعة والتربية بجامعة دمشق، سنتين، وكان في كلية التربية مشرفًا على القسم التطبيقيِّ العملي لطلاب الشريعة.

ثم عيِّن مفتشًا اختصاصيًّا لمادة التربية الإسلامية، فكان مسؤولاً عن كل ما يتصل بالمادَّة، من اختيار المعلمين الأكفياء لتدريسها، ووضع مناهجها، والإسهام في تأليف مقرَّراتها، وأشرك معه في وضع منهج مادة مصطلح الحديث للثانويات والمعاهد الشرعية: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ود. محمد أمين المصري. وكان وضعُه لمناهج المعاهد الشرعية والثانويات الشرعية بتوجيه من الأستاذ هاشم الفصيح رئيس الهيئة التفتيشية. وأفاد في وضع المناهج من نُصح د. عبدالرحمن رأفت الباشا، واستعان في إعدادها بالشيخ د. مصطفى الخن؛ لثقته بعلمه وإخلاصه. ووُضعت مقرَّرات نافعة، وأُلفت كتب جيدة بناء على تلك المناهج. وقد أسهم الشيخ علي الطنطاوي في وضع منهج التاريخ الإسلامي، بما أسماه (أعلام المسلمين)، وألَّف مقرَّرات المنهج أخوه الشيخ محمد سعيد الطنطاوي.

وكان للشيخ أثرٌ مهم في افتتاح ثانويات شرعية للبنات، بسعيه لدى الشيخ أحمد الدقر الشقيق الأكبر للشيخ عبد الغني الذي استجاب لدعوته وإلحاحه، وعمل على افتتاح تلكم الثانويات لتكون تابعة لوزارة المعارف. شارك في القاهرة زمن الوحدة في اجتماعات مناقشة توحيد المناهج بين سوريا ومصر، صحبة الأستاذ أحمد مظهر العظمة، ووفَّقهما الله في تثبيت أمور مهمَّة في منهج التربية الإسلامية.

وفي عام 1964م انتقل إلى الرياض، فعمل في وزارة المعارف السعودية، وفي إدارة معاهد إعداد المعلمين. وشارك في تأسيس المعهد العالي للقضاء، ووضع مناهجه، بتكليف من الملك فيصل بن عبدالعزيز، وكانت لجنة التخطيط للمعهد برئاسة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة، ومن أعضائها: العلامة عبدالرزاق عفيفي، والشيخ مناع القطان.

وشارك أيضًا في وضع سياسة التعليم بالمملكة، وكان عضوًا خبيرًا في اللجنة الفرعية لسياسة التعليم، ومن أعضائها: محمد سعيد الطنطاوي، ومناع القطان، وسائر الأعضاء سعوديون، منهم الشيخ سعيد الجندول. ويرى الباني أن هذه السياسة هي وثيقة ثمينة عظيمة النفع دقيقة ومتكاملة، أُقيمت وفق الشريعة الإسلامية، تصلُح لنهضة التعليم في العالم كلِّه. وقد وُضعت السياسة بأمر من الملك فيصل بن عبدالعزيز الذي انتبه لخطر أثر المعلمين المصريين في نقل الفكر القومي الجاهلي، والفكر الاشتراكي الوضعي، إلى الطلاب السعوديين. ورأسَ اللجنة وزير المعارف د.حسن آل الشيخ. وقد اطلع الشيخ أبو الأعلى المودودي على سياسة التعليم، فأُعجب بها عظيمَ الإعجاب، وقال: إن المملكة تملك ثروات غنية طائلة، ولكنَّ أعظم ثرواتها هي سياسة التعليم.

وأسهم في تأسيس مدارس تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة. وكلِّف التدريسَ في كلية الشريعة وكلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بالرياض، وفي قسم الاجتماع من كلية التربية بجامعة الإمام، وكان عضوًا في لجنة قبول الطلاب لمرحلة الماجستير. وبلغ تدريسه الجامعي زهاء 30 سنة، أشرف فيها على عدد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في مناقشة رسائل أخرى. وكان أولَ من وجه طلاب الدراسات العليا إلى دراسة الفكر التربوي عند أعلام المسلمين في رسائلهم الجامعية، كالفكر التربوي عند الغزالي، وابن خلدون، وابن تيمية، وابن القيم... إلخ.

وأسهم في سنة 1392هـ في تأسيس مدارس (منارات الرياض الأهلية)، وهي مدارس نموذجية رفيعة المستوى، غايتها تربية طلابها على الإسلام في منهج تربوي متكامل، وهي مشروع غير ربحي، وعمل الشيخ فيها موجِّهًا ومشرفًا لمدة سبع سنوات من 1412- 1418هـ.

كان ذا نشاط وافر في تعرف أعلام عصره، والتواصل مع كبار العلماء والمفكرين والأدباء ممن أدركهم، وربطته بكثير منهم روابط متينة من الإفادة والتعاون المثمر.

قال عنه الدكتور حيدر الغدير: سألني الشابُّ الصاعد الواعد أيمن ذو الغنى عن الشيخ عبد الرحمن الباني رحمه الله: هل تعرفُه؟ أجبته: نعم، وقد رأيتُ فيه مجموعةً من المزايا الباهرة النادرة التي أعجبتني جدًّا، فطلب منِّي أن أكتبَ عنه ولو بإيجاز؛ لأنه يعمل على إعداد كتابٍ عنه.

الشيخ الباني رجلٌ عفيفُ اللسان، عفيفُ السَّريرة، سيطرَ على لسانه فأحكمَه، وسيطرَ على سَريرته فنقَّاها، فهو نقيُّ الظَّاهر نقيُّ الباطن، ولعلَّ سَريرته أنقى من عَلانيته، وهي منزلةٌ عاليةٌ لا ينالها إلا صفوةُ الصَّفوة من الرِّجال وهم أقلُّ من القليل.

فيه حياءُ الفتاة، ودقَّة الساعة، ودَأَبُ النحلة، ونيَّةُ المحتسِب. وهو صابرٌ حيث ينبغي له أن يصبرَ، شاكرٌ حيث ينبغي له أن يشكرَ. زهدُه زهد المختار لا المضطرِّ، وقد حدَّد دربَه الدَّعويَّ والتربويَّ في الحياة، عن عقل حصيف راشد، وإرادة حازمة جازمة، وقلب جعله لله بالكليَّة، واستمرَّ في هذا الدرب حتى لقيَ ربَّه، وهو نعمَ الداعيةُ، ونعمَ المربِّي، ونعمَ القدوة.

وقد وَقَر في نفسي من قديم أن هذا الرجلَ أمات في نفسه حظوظَ نفسه، فلم يعُد يسعى إلا لمرضاة الله عزَّ وجلَّ، ولم يعُد يفكِّر - في يقظته، بل وفي نومه - إلا في مصالح المسلمين، يستحضرُها ويتابعُها، ويحثُّ نفسَه وغيره على العمل فيها. إن لي أن أصفَ الشيخَ عبد الرحمن الباني رحمه الله رحمةً واسعةً بأنه رجلٌ نادرُ المثال، جديرٌ بأن يُقالَ عنه: إنه صِدِّيق، جُملةً وتفصيلاً. وإن لي أن أقولَ عنه: إنه رجلٌ من الرعيل الأول من السلف الصالح، جاء في عصرنا ليكون قدوةً لنا وحُجَّةً علينا.

عانى الشيخ في الشهرين الأخيرين آثار تليُّف الكَبِد، توفي الشيخ رحمه الله في ليلة الخميس 9 من جُمادى الآخرة 1432هـ (12/ 5/ 2011م) بعدما انخفض ضغطُه جدًّا، فأُسعفَ إلى مستشفى الملك خالد بجامعة الملك سعود، وقُبَيل الفجر أصيب بنزيف في المعدة، حتى توفي رحمه الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ موسوعة ويكيبديا.

ـ رابطة أدباء الشام.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أبو أحمد - السعودية

22 - رجب - 1434 هـ| 01 - يونيو - 2013




رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جناته
كان منزلنا قرب منزل الشيخ قبل أكثر من أربعين عاماً، في وسط الرياض.وكنت حينها طالباً في بداية المرحلة الابتدائية، واستمر ذلك الجوار المبارك حتى قاربت نهاية المرحلة الجامعية.ولا تسعفني بلاغتي للحديث عنه بما يفيه حقه، فكم سعدت وشرفت بنصحه وتوجيهاته التربوية التي لا أزال أذكرها.لكن أمراً واحداً كان يأسرني ألا وهو موافقة قوله لفعله وحرصه على الكمال والالتزام بأحكام الإسلام وسننه وآدابه. وكنت أتمنى أن أكون مثل أحد رجلين عالمين فاضلين أرى فيهما الكمال - أحسبهما كذلك ولا أزكي على الله أحداً - هما الشيخ عبدالرحمن الباني رحمه الله ، والشيخ عبد الستار فتح الله السعيد حفظه الله.
أسعدني الله بمعرفة هذين العالمين عن قرب وزاملت أبناءهما، وطالت عشرتي معهم، واطلعت على سيرهم النقية،فازددت لهما حباً، و بهما تأثراً. وأسأل الله أن يتحقق في قول رسوله صلى الله عليه وسلم(المرء مع من أحب)
لقد كان الحي بحكم قربه من كليتي الشريعة وجامعة الإمام مليئاً بالدعاة والعلماء، كما أن تواصل والدي حفظه الله - بحكم عمله- بثلة كبيرة من الدعاة و العلماء، لكني لم أرى مثلهما في الصلاح و الاستقامة وسعة العلم.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...