مقومات بناء دولة المسلمين في المدينة (1)

دعوة وتربية » نوافذ
11 - رجب - 1434 هـ| 21 - مايو - 2013


1

لا تقوم دولة جديدة إلا على أركان ثابتة، ومقومات قوية، ومن أهم مقومات بناء الدولة الإسلامية الجديدة هو العنصر البشري، الذي سيقوم بإخلاص وصبر، بمهام بناء الدولة، بل والحفاظ على كيانها، مع تأسيس الدولة الجديدة، وحمايتها من الأعداء.

 وأهل المدينة (الأنصار) هم من قام بهذه المهمة خير قيام، فأحسنوا استقبال المهاجرين، و وفروا المكان وهيئوه جيدا، وقاموا بالحماية للدولة الإسلامية الناشئة، ووثقوا في القيادة وأطاعوها، وآمنوا بالمنهج الإسلامي وعظموه وقدموه بقناعة على غيره، واستبسلوا في الدفاع عن هذه الدولة الفتية، و قدموا التضحيات المتواصلة ابتغاء وجه الله تعالى لحماية الكيان الجديد، والمحافظة عليه من الانهيار.

 فأهل المدينة من البداية هم الذين قامت على أكتافهم وجهودهم وتضحياتهم هذه المهام الصعبة؛ ولذلك كانت المدينة تستحق هذا الشرف الكبير؛ لتكون هي الدولة الإسلامية التي تأسست فيها دولة متماسكة، وتكونت فيها عاصمة المسلمين(1).

ومن خلال دراسة السيرة سنتعرف على مقومات بناء الدولة، التي تحتاج لمؤيدين ومناصرين عندهم الاستعداد للجهاد والتضحية.

 و تقوم أركان الدولة على أسس متينة، ومن أولها توفير مكان مناسب، أو وجود قاعدة صلبة للانطلاق لنشر الدعوة، فمن المهم إيجاد أرض مهيئة لبناء مؤسسات الدولة، وإيجاد الكيان المستقل لها، وتحتاج الدولة لكي تكون متماسكة لاقتصاد قوي مستقل، أو هي بحاجة للمال للإنفاق على أركان الدولة.  ولكي يتوفر لها الحماية لابد من إعداد القوة، ومنها تعلم صناعة السلاح استعدادا للجهاد، وعدم الاعتماد على السلاح المستورد، أو المصنع بيد غير المسلمين، فالسلاح مهم فهو الذي سيدافع به الرجال عن دينهم وعن دولتهم واستقلالها والحفاظ على كيانها(2).

وسننقل من كتاب مختصر ومشهور هذا الموضوع، الذي يؤكد على كيفية بناء مجتمع جديد متماسك، وتأسيس كيان مستقل للمسلمين، وسيكون هذا من كتاب الرحيق المختوم للشيخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى(3).

بناء مجتمع جديد

قد أسلفنا أن نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في بني النجار كان يوم الجمعة ‏[‏12 ربيع الأول سنة 1 هـ/ الموافق 27 سبتمبر سنة 622م‏]‏، وأنه نزل في أرض أمام دار أبي أيوب، وقال‏:‏ ‏[‏هاهنا المنزل إن شاء الله‏]‏، ثم انتقل إلى بيت أبي أيوب رضي الله عنه.

بناء المسجد النبوي

وأول خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك هو بناء المسجد النبوي، واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته صلى الله عليه وسلم، فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبِن والحجارة ويقول‏:‏

‏[‏اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ للأنصار والمُهَاجِرَة‏]‏

وكان يقول‏:‏

‏[‏هذا الحِمَالُ لا حِمَال خَيْبَر ** هــذا أبـَــرُّ رَبَّنَا وأطْـهَر‏]‏

وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في العمل، حتى أن أحدهم ليقول‏:‏

لئن قَعَــدْنا والنبي يَعْمَل ** لـذاك مِــنَّا العَمَــلُ المُضَلَّل

وكانت في ذلك المكان قبور للمشركين، وكان فيه خرب ونخل وشجرة من غَرْقَد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخَرِب فسويت، وبالنخل والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة إلى بيت المقدس، وجعلت عضادتاه من حجارة، وأقيمت حيطانه من اللبن والطين، وجعل سقفه من جريد النخل، وعُمُده الجذوع، وفرشت أرضه من الرمال والحصباء، وجعلت له ثلاثة أبواب، وطوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، والجانبان مثل ذلك أو دونه، وكان أساسه قريبًا من ثلاثة أذرع‏.‏

وبني بجانبه بيوتًا بالحجر واللبن، وسقفها بالجريد والجذوع، وهي حجرات أزواجه صلى الله عليه وسلم، وبعد تكامل الحجرات انتقل إليها من بيت أبي أيوب‏.‏

ولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات فحسب،

 بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته.

 ومنتدى تلتقي وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها.

 وقاعدة لإدارة جميع الشؤون وبث الانطلاقات، وبرلمان لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية‏.‏

وكان مع هذا كله دارًا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم هناك دار ولا مال ولا أهل ولا بنون‏.‏

وفي أوائل الهجرة شرع الأذان، تلك النغمة العلوية التي تدوي في الآفاق، وتهز أرجاء الوجود، تعلن كل يوم خمس مرات بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتنفي كل كبرياء في الكون وكل دين في الوجود، إلا كبرياء الله، والدين الذي جاء به عبده محمد رسول الله‏.‏ وقد تشرف برؤيته في المنام أحد الصحابة الأخيار عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم وقد وافقت رؤياه رؤيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم، والقصة بكاملها مروية في كتب السنة والسيرة‏.‏

وفي الحلقة القادمة سيتكلم المؤلف عن المؤاخاة بين المسلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  راجع هذا الموضوع:

لماذا تأسست الدولة الإسلامية في المدينة النبوية

بمناسبة اختيار المدينة المنورة عاصمة الثقافة الإسلامية لهذا العام

www.lahaonline.com/index.php?option=content&task=view&id=43168&sectionid=1

(2)  هذه المقدمة بقلم: علي مختار محفوظ.

(3)  بدأ الشيخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى بذكر أركان بناء الدولة، ببناء المسجد، ثم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ويؤكد أثر هذه المؤاخاة في رفع معنويات المجتمع، ثم بيان ميثاق التحالف الإسلامي، وتوقيع المعاهدة مع اليهود، ثم بداية الكفاح الدامي. ولم يذكر الشيخ بالتفصيل الاهتمام بالاقتصاد، والإعداد للقوة، وتصنيع السلاح، في هذا المبحث، بل اكتفي بالتركيز على الأمور الأساسية، وبقية هذه الأمور المهمة، والتي تقوم عليها الدولة فهي من الأمور المفهومة للدفاع والحماية والاستعداد للجهاد، وهي مفصلة في مواضع أخرى، وقد ذكرت بتوسع في مصادر أخرى.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...