من فضائل المدينة (2-2)

كتاب لها
20 - رجب - 1434 هـ| 30 - مايو - 2013


1

تناولنا في الحلقة السابقة تعظيم المدينة المنورة وحبه صلى الله عليه وسلم لها ودعاءه لها بالبركة واليوم نستكمل الموضوع...

حماية المدينة من الأوبئة والدجال

ولما أحس المهاجرون بالأمراض تحاصرهم في المدينة، والأوبئة قد تفتك بهم، وتذكروا حبهم لمكة المكرمة فشكوا إلى الرسول e فدعا للمدينة، ولأهلها، ودعا أن ينقل الله تعالى أمراضها إلى مكان آخر غير مأهول بالسكان. كما ورد في الحديث المتفق عليه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: لما قدم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينة، وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنهما، قالتْ: فدخلت عليهما، قُلْت: يا أبت كيف تجدك، ويا بلال كيف تجدك؟

 قالتْ: وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مصبح في أهله *** والموت أدنى من شراك نعله.

 وكان بلال إذا أقُلْعت عنه يقول:

 ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة *** بواد وحولي إذخر وجليل.

 وهل أردن يومَا مياه مجنة *** وهل يبدون لي شامة وطفيل.

 قالتْ عائشة: فجئت إلى رسول الله e فأخبرته، فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصححها، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقُلْ حماها فاجعلها بالجحفة)متفق عليه. وبالتأكيد فقد استجاب الله تعالى هذا الدعاء من خير الآنام نبينا محمدe، وصارت المدينة خالية من الأمراض، وسلم أهلها من الأوبئة، فكانت خير دار لأفضل سكان.

والدجال لا يدخل المدينة، كما روى أَبُو سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ e يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلاً عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ: "يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ؛ وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ e حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ. فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ: وَاللهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ. فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ" متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال" رواه البخاري ومسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلاَّ مَكَّةَ، وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ، إِلاَّ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ"متفق عليه.

فعلى ساكن المدينة أن يجتهد في حب هذا البلد الطيب، مع القيام بمقتضى ذلك من الحقوق والآداب.

الصبر على السكنى فيها

ينبغي على ساكن المدينة أن يصبر على شدتها أو لأوائها وجهدها، فإن ذلك من أسباب نيل شفاعة الرسول e، وقد حبَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في البقاء في المدينة؛ فعن قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ الأَجْدَعِ، عَنْ يُحَنَّسَ مولى الزُّبير، أخبره أنَّه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة، فأتته مولاةٌ له تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فقالت: إنِّي أردتُ الخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ. فقال لها عبد الله: اقْعُدِي لَكَاعِ؛ فإنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لاَ يَصْبِرُ عَلَى لأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"رواه مسلم، و امْرَأَةٌ لَكَاعِ: يُطْلَقُ ذلك على اللئيم، وعلى العبد، وعلى الغبي الذي لا يهتدي لكلام غيره، وعلى الصغير، وخاطبها ابن عمر بهذا إنكارًا عليها لا دلالة عليها؛ لكونها مِمَّنْ ينتمي إليه ويتعلَّق به، وَحَثَّهَا على سُكْنَى المدينة لما فيه من الفضل. راجع شرح النووي لصحيح مسلم. وأسأل الله جل وعلا أن يكرمنا وإياكم بشفاعته صلى الله عليه.

عدم إيذاء أهل المدينة:

وليحذرْ ساكنُ المدينة أو المقيم بها من التعرض لأهلها بسوء، أو التربص لهم بمكر وكيد فيناله وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن فعل ذلك، فعن سَعْدٍ رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لاَ يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ إِلاَّ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ فِي المَاءِ" رواه البخاري، انماع أي: سَأَلَ وَجرى. وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ -يُرِيدُ المَدِينَةَ- أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ فِي المَاءِ"رواه مسلم.

وليتذكر كل من يسكن أو يقيم في المدينة أنها موطن الرسول الكريم e وصحابته الأخيار من المهاجرين والأنصار، فهم من أقاموا على هذه الأرض الطيبة، وتحركوا فيها، وأسسوا فيها عاصمة الإسلام الأولى، ودافعوا في جنباتها عن مجد الإسلام، ورفعة المسلمين، وهم من مشوا في جنباتها على الخير والاستقامة، وليحذر المسلم أن يبتعد فيها عن الاستقامة والطاعة، أو يتحرك عليها بتحرك يخالف أمر الله تعالى، أو يبتعد عن الاقتداء بهدي رسولهe فلا يكون تحركه فيها على وجه يسخط الله تعالى، ويعود عليه بالمضرة في الدنيا والآخرة.

تمني الموت فيها:

نسأل الله تعالى أن  يحبب إلينا المدينة، ونسأله تعالى أن يرزقنا حسن المقام بها، بل ونسأله تعالى أن يمنحنا الموت والدفن فيها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله e: "مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا؛ فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا" رواه الترمذي وحسنه، وصححه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في جامع الأصول9/321 (6939)، وحسنه عدد من العلماء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1.      فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني كتاب فضائل المدينة جـ 4 من صـ 81 إلى101.

2.      المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي، في أواخر كتاب الحج أبواب منوعة عن فضائل المدينة الأحاديث من رقم 1360 إلى رقم1399.

3.      جامع الأصول لأحاديث الرسول e بتحقيق عبد القادر الأرناؤوط الجزء التاسع الفصل الثاني في فضل مدينة رسول اللهe الأحاديث من رقم 6913 إلى6970 من صـ304 إلى صـ 338 .

بعض مواقع الإنترنت، موقع الدرر السنية، وموقع المحدث، والشبكة الإسلامية وغيرهم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


علي بن مختار بن محمد بن محفوظ

بكالوريوس أصول الدين قسم السنة وعلومها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1406=1986م بتفوق والحمد لله وكان ترتيبي الثاني.
حصلت على درجة التخصص (الماجستير) عام 1413هـ =1993م في كلية أصول الدين قسم السنة وعلومها، تحقيق ودراسة مسند أبي داود الطيالسي.

قدمت ولله الحمد إنتاجا مقبولا، لكن لم يطبع منه إلا القليل.
1. فهارس كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض)، بالإشتراك مع جماعة التخريج بكلية أصول الدين تحت إشراف الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
2. وبالطريقة نفسها شاركت في إعداد فهارس تارج جرجان للسهمي، (طبع في مطابع جامعة الإمام بالرياض).
3. أعددت مجموعة من المؤلفات: أبحاث وكتب ومقالات نشر بعضها، ومن المواد الجاهزة للطباعة: الجزء المفقود من مسند أبي داود ( في مجلد واحد، جزء من رسالة الماجستير) .
4. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة للديانات والفرق والمذاهب والحركات المعاصرة:
الدعوة السلفية في الجزيرة العربية للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
5. من الأبحاث التي قمت بإعدادها وستنشر في الموسوعة الوسيطة: العمل الجماعي في الإسلام.
6. من الأبحاث التي قمت بتعديلها (وإضافة ما يقرب من النصف لبعضها ) وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الدعوات: الدعوة السلفية في مصر، الدعوة السلفية في الشام، جماعة أنصار السنة المحمدية في مصر والسودان، جماعة التكفير و الهجرة بمصر والسودان، جماعة التوقف والتبين بمصر.
7. من الأبحاث التي قمت بتلخيصها وصياغتها من كتاب المؤلف الأصلي وبعض المراجع الأخرى، وستنشر في الموسوعة الوسيطة:
من الجماعات: حزب التحرير، الاتحاد الإسلامي الكردستاني.من الفرق: الزيدية. من الطرق الصوفية : العزمية، الدسوقية، الرفاعية، التجانية، البوتشوسية. من الاتجاهات المعاصرة: العقلانية، العصرانية، القومية العربية.
8. من المقالات أو الموضوعات المنشورة: حسن الخلق والعمل الجماعي نشر في مجلة المستقبل(العدد144) التي تصدرها الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض.
9. من المقالات المنشورة: الاعتداء على رجال الأمن: نشر بجريدة المدينة المنورة، ونشر في بعض المواقع والمنتديات.
10. من المقالات أو الموضوعات أو البحوث المنشورة في بعض المواقع بالشبكة مثل موقع الفقه الإسلامي وغيره:
*الضوابط المالية في الإسلام.
* اليقين بأن المستقبل لهذا الدين.
*حكم الاحتفال بشم النسيم وبيان تاريخه وأصله.
*حكم الاحتفال بعيد الأم.
*التوجيهات الفتية للسعادة الأبدية.
*التهيؤ لاستقبال رمضان.
*خطوات عملية لكيفية الاعتزاز باللغة العربية. *شؤم المعصية.
* يا إخواني لا نقبل في الشهيد غير التهاني(الشيخ أحمد ياسين).
*صفات عباد الرحمن.
* من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في شعبان.
*محاسبة النفس.
* نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين.
* الترغيب في قيام الليل.
* السياحة إلى أين، شجعوا السياحة في بلدانكم الإسلامية.
* من أجمل النساء.
* نفحات رحمات من الأيام المعلومات.
* مخيمنا غرق ونجونا والحمد لله.
11. كتاب تيسير فقه العبادات. (أسباب الاختلاف بين العلماء، الصلاة وبقية أركان الإسلام).
12. دروس ومحاضرات وبحوث، ومقالات، وخطب منوعة: الدعاء، شروطه، آدابه، أسباب عدم إجابة الدعاء، الإخلاص، الذكر، القناعة، الأخوة وحل مشكلاتها. الوفاء، دروس في السيرة النبوية، مجاهدة النفس وتزكيتها، صلاة الجماعة، والرد على ادعاء الحق الديني والتاريخي لليهود، دروس في مصطلح الحديث، الجدية، تغيير المنكر بالقوة، الربانية، الاستفادة بالوقت، الثبات في زمن التقلبات، السنن الإلهية في النصر والتغيير، الثقة.
13. تيسير فقه الحج وفقه العمرة ضمن ملف متكامل عن الحج (محاضرات: الأخوة، آفات اللسان، قصة البيت الحرام، نصائح لجميع المسافرين خصوصا الحجاج والمعتمرين، مناسك الحج والعمرة، مجموعة أشرطة مختارة مرئية ومسموعة).
14. كتاب الوجيز في الديانات والفرق و المذاهب المعاصرة(اليهودية، النصرانية، البوذية، القاديانية، الصوفية، الشيعة، العلمانية، الرأسمالية، الوجودية).
15. الحديث المرسل: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: محمد الفهيد عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
16. ابن الأثير وكتابه جامع الأصول: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: أبو لبابة حسين عميد كلية الزيتونة بتونس.
17. الياقوت في القنوت: بحث جامعي أثنى عليه الأستاذ الدكتور: فالح الصغير عميد كلية أصول الدين بالرياض سابقا.
18. تحقيق وتخريج وتوثيق الجزء الثالث عشر من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين(الصلاة) ط.دار المؤيد والثريا بالرياض.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...