السنة النبوية.. بين المصادمة والتصديق لها أون لاين - موقع المرأة العربية

السنة النبوية.. بين المصادمة والتصديق

كتاب لها
24 - رجب - 1434 هـ| 02 - يونيو - 2013


السنة النبوية.. بين المصادمة والتصديق

حادثة غريبة من نوعها، مخالفة لكل السنن الكونية، متجاوزة لكل القوى العقلية، غريبة في تفاصيلها وأحداثها، تتجاوز الأزمان، وتعبر المكان، اغتنمتها قريش فرصة للطعن في صدق النبي صلى الله عليه وسلم، والتشكيك في قواه العقلية، وأرادت أن تستغلها في تأليب أتباعه عليه وانفضاضهم عنه.

حادثة الإسراء لبيت المقدس، والمعراج إلى السماء في ليلة أو جزء من ليلة رأتها قريش ضرباً من الخيال ونوعاً من الخَبَال، فأسرعت إلى أقرب الناس لمحمد صلى الله عليه وسلم وأرجحهم عقلاً – أبو بكر رضي الله عنه -  جاءه كفار قريش مسرعين يقولون له: انظر ما قال صاحبك! إنه يدعي أنه أتى بيت المقدس وعاد من ليلته، ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً إياباً فقال أبو بكر: وهو قال ذلك؟ قالوا نعم، قال: إن كان قد قال فقد صدق!(رواه الحاكم في المستدرك، وصححه ووافقه الذهبي، وراجع السلسة الصحيحة للألباني1/552).

جواب وقع كالصاعقة على أسماع قريش، لم يتردد الصديق في تصديقه مشروطاً بثبوت قوله للنبي صلى الله عليه وسلم؛ عندها لا يملك المسلم الحق غير التصديق المطلق؛ ظنت قريش أن أبا بكر سيتردد أو يرجع إليهم القول، فيجدونها فرصة مواتية، ولكن تحطمت آمالهم على صخرة الإيمان الثابت.

بهذا المبدأ العظيم (إن كان قد قال فقد صدق) استحق أبو بكر مقام الصديقية، ونال شرف أن يكون خير رجل طلعت عليه الشمس بعد النبيين؛ لم يدرك ما أدرك من منزلة بفضل صيام ولا قيام - كما ورد عن بعض الصحابة - بل أدرك كل ذلك بشيء وقر في قلبه كما ورد على لسان أبي بكر بن عبد الله المزني: "مَا سَبَقَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَإِنَّمَا سَبَقَكُمْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي صَدْرِهِ"(راجع المنار المنيف لابن القيم رقم(246).

الإيمان الحقيقي حين يخالط شغاف القلوب وتستحضر جلالته الأفهام تجعل كل مستحيل ممكناً وكل بعيد قريباً، إن حادثة الإسراء والمعراج بكل المقاييس البشرية ضرب من المُحال أو نسج من الخيال، ولولا الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما استطاع عقل أن يقبلها أو يفكر في حدوثها، وهو ما عبر عنه الصديق رضي الله عنه في إجابته لقريش حين انتقدوه على تصديقه لهذا المحال  فقال: "إني أصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء يأتيه في غدوة أو روحة".

الإيمان العظيم الذي حمله أبو بكر والصحابة ومن سار على نهجهم بأن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي من السماء "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى" (النجم :4،3) هو الكفيل بحل إشكالات العجز البشري عن إدراك معاني الأحاديث التي قد يظهر – للبعض – تعارضها مع العقل أو مخالفتها للعلم أو مصادمتها للفطرة.

في حال اختل هذا الإيمان أو تزعزعت الثقة به، فإن العقل ينحط للدرك الأسفل ويعود إلى أصل الإنسان – الطين – فلا يفكر إلا بالمحسوس ولا يؤمن إلا بالملموس، وفي السيرة شاهد بين على ذلك حين غزوة الأحزاب "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا" (الأحزاب:9-12).

فقد ظهر في تلك اللحظة عنصر النفاق في القلب على فلتات الألسنة، حين قال جمع من المنافقين: يعدنا محمد أنا نفتتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله! ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً؛ فرق بين مقولة أبي بكر: (إن كان قد قال فقد صدق) وبين مقولة المنافقين: (ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً) تظهر عمق الإيمان ودناءة النفاق، فلم يكن حديث المنافقين وليد اللحظة أو نتيجة الخوف، إنما هو شيء وقر في قلوبهم من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أخفوه زمن الأمن والقوة وأبدوه لحظة الخوف والضعف.

منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وعلى مر القرون كان هناك منافقون ومكذبون لهذا الدين، ولأحاديث سيد المرسلين، ومرجفون يفتُّون في عضد المسلمين تارة بتأليب الأعداء، وتارة بنشر الشبهات، وتارة بلبوس الناصحين؛ ويتلونون لكل وقت بما يناسبه، ولكل مجتمع بما يوافقه، لا يستطيعون البوح بمكنون أنفسهم من كراهية الدين والمتدينين،  خشية من تصادمهم مع المجتمع أو انكشاف أمرهم، فإذا رأوا فرصة سانحة للنيل من الدين عبر التشكيك في حديث أو حكم شرعي أو بلمز المتدينين فلن يضيعوها، وليس مرادهم ذلك الحكم الشرعي أو البحث عن صحة الحديث أو أشخاص المتدينين، بل كل همهم نقض دين الله، وانتقاصه عبر انتقاص أدوات وصوله للناس، فتارة يضعِّفون حديثاً أو يشككون في متنه، وتارة يردُّون حديثاً آخر بحجة مخالفته للعلم – بزعمهم – أو مصادمته لفطرهم – غير السوية – وتارة بلمز المتدينين واتهامهم في نياتهم ومآربهم وتصيد زلاتهم ونسبتها للدين.

إن النفاق تتجدد أدواته بتجدد العصور، وتتزايد سطوته على صاحبه  حال قوة المسلمين فإن أحس في المسلمين ضعفاً باح بما يضمر في صدره. وهكذا في تعاملهم مع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن أحس في المسلمين قوة تدثر بلبوس البحث العلمي ومراجعة التراث، وإن بدر لهم ضعف صرح بمكنون نفسه، عبر رده للأحاديث رداً مباشراً وعدم مناسبتها للعصر.

ودونكم الأمثلة في واقعنا المعاصر من ردِّ أحاديث العرنيين وأبوال الإبل، ورد أحاديث الحجاب، أو نقص عقل المرأة ودينها، أو القوامة ونحوها، أو التهكم على الحدود الشرعية كحد الزنا والسرقة. وغيرها كثير.

إن ردَّ أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الثابتة كفر وردة، وإن تلبَّس رادُّوها بلبوس البحث العلمي، أو النقاش العقلي، أو التطور الحضاري، فليس ردّ الأحاديث مقصوداً لذاته، بل يُراد به هدم الدين بهدم أصوله، ولا أدل على ذلك مما نسمعه بين فينة وأخرى من تشكيك في الأحاديث حتى وصل الحال إلى التشكيك في صحيح البخاري والتهكُّم على وصفه بأنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم، فقد ردوا الأحاديث واحداً واحداً ثم انتقلوا إلى جامعها، وإن طال بهم المقام فسيصلون إلى ردِّ القرآن الكريم كما فعل أشياعهم من قبل.

قال ابن القيم رحمه الله تعليقاً على آية الحجرات: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ" (الحجرات:2) قال: حذَّر المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  كما يجهر بعضهم لبعض. وليس هذا برِدَّة، بل معصية تحبط العمل، وصاحبها لا يشعر بها فما الظن بمن قدَّم على قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وهديه وطريقه قول غيره وهديه وطريقه؟! أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟.

    فهل سيتوقف النقد والازدراء عند هذا الحد؟ الواقع يشهد بخلاف ذلك، فقد رأينا هؤلاء القوم يثبطون عزائم الناس يوم انتُقِص النبي صلى الله عليه وسلم ويهوِّنون الأمر في أعينهم بل سار بعضهم إلى أبعد من ذلك بالاعتذار عن تلك الإساءة والاعتذار للمسيء.

إن التسليم المطلق لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم واتباع سنته ليس خياراً متاحاً بل هو واجب متحمٌ؛ قال الحميدي (كما في سير أعلام النبلاء):  رَوى الشافعي يومًا حديثًا فقلت: أتأخذ به؟ فقال: رأيتني خرجت من كنيسة أو علي زنار حتى إذا سمعت عن رسول الله حديثًا لا أقول به؟!

و قال البربهاري: إذا سمعت الرجل يطعن في الآثار أو يريد الآثار، فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع.

وقال أبو القاسم الأصبهاني: قال أهل السُّنة من السلف: إذا طعن الرجل على الآثار، ينبغي أن يُتهم على الإسلام.

و قال عمر بن عبد العزيز  رضي الله عنه: لا رأي لأحد مع سُنة سنَّها رسول الله  صلى الله عليه وسلم.

وخير من ذلك كله قول الله تعالى: "وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (الحشر:7).

وقوله تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً " (الأحزاب:36).

لقد امتثلها أبو بكر رضي الله عنه حق الامتثال يوم قال: إن كان قد قال فقد صدق. فهل نقول كما قال؟!

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


سعود بن محمد بن عبدالعزيز الشويش

- ماجستير تكنولوجيا التعليم 1431هـ كلية التربية جامعة الملك سعود بتقدير ممتاز.

- بكالوريوس دعوة 1412هـ كلية الدعوة والإعلام جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتقدير ممتاز.

- دبلوم إدارة تعليمية 1429هـ كلية التربية جامعة الملك سعود.

- حاصل على العديد من الدورات التدريبية المعتمدة (300 ساعة تقريباً) في تطوير الذات ومهارات النجاح والقيادة والتغيير والتفكير والتخطيط الاستراتيجي واستخدام التقنية واللغة الانجليزية وغيرها .

رئيس التحرير ـ لها أون لاين .

العمل في مجال التدريس في وزارة التربية والتعليم لمدة خمس سنوات.

العمل في إدارات المدارس (جميع المراحل) لمدة سبع سنوات.

العمل في مجال التدريس في دولة الإمارات لمدة أربع سنوات(سنة في أم القيوين وثلاث في دبي ).

مدرب متعاون في الكلية التقنية بالرياض في برامج الدبلوم والبكالوريوس (التعليم الموازي).

تقديم العديد من أوراق العمل واللقاءات التنشيطية في مجال الإدارة والتغيير .

إدارة المواقع الإلكترونية لمدة تزيد على ست سنوات .

حاصل على العديد من شهادات الشكر والتقدير من جهات رسمية وخاصة من داخل السعودية وخارجها .

كاتب لعدد من المقالات المنشورة على النت في موقع لها أون لاين وغيره .


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...