حروب فيسبوكية

ساخر » الحرف الساخر » مقال ساخر
28 - شعبان - 1434 هـ| 07 - يوليو - 2013


1

كان أول ما فعلته سلمى حين فتحت عيونها صباحا أن أمسكت هاتفها الذكي، وتفقدت آخر تحديثات موقع التواصل الاجتماعي والواتس أب.

ثم قامت لتغسل وجهها وتعد الفطور لزوجها على عجل،  وبمجرد أن غادر البيت أسرعت فأعدت قهوتها، وخرجت بها للشرفة، وعلى صفحتها الشخصية كتبت: صباحكم وردي، وقهوة الصباح، فأجمل صباح ~.

وأخذت تتجول فيه منتظرة التعليقات والإعجابات.

وعلى مرمى حجر منها، كانت جارتها إيمان ما زالت في لحظات استيقاظها الأولى، زوجها يصرخ طالبا منها أن تتعجل بالقميص الذي تكويه، وقد وضعت جهازها مجاورا المكوى على طاولة الكوي، تترقب.

تقرأ تحديث سلمى، فتتحرك نار الغيرة في قلبها، وشعرت بالإهانة، فبينما جارتها تستمتع بفنجان القهوة، قائمة من الأعمال في انتظارها. فكتبت على صفحتها: صباحكم جميل كصباحي، صباح القهوة والشوكلاته الفاخرة، شُكرا يا أغلى الناس.

نشرته بالتزامن مع الكلمة الغاضبة من زوجها: ألم تنتهي بعد من الكي يا ...؟

وكانت فعلا قد انتهت، فجرت إليه مسرعة.

طارت بعدها للمطبخ تعد له إفطاره، طلب منها طبق من البندورة المقلية والبيض، إلى جانب الأطباق الرئيسة من أنواع الجبن والزيتون ولبنة ومربى، والشاي لا شك واجب الحضور وو.

تتذمر وتأفف وهي تعد الأطباق وتسترق النظر من حين لآخر لجوالها لترى آخر المعلقين والمعجبين.

سلمى أنهت قهوتها على عجل، فأولادها الأكارم أصروا أن يكون طبق اليوم ورق العنب والكوسا. وطبخ هذا الطبق يحتاج لمجهود في تقوير الكوسا، ولف الورق وإعداد الحشوة وطهيه، سرّها عدد المعجبين بمنشورها، وأخذت تنظر بغيظ وحقد لمنشور جارتها وهي تقول: لم أعرف جارنا قبل اليوم كريما.

رجعت لمطبخها تنظف آثار الإفطار، وتعد لوجبة الغداء، تتأمل هذه الركام من الجلي المتكون من وجبة الإفطار وكان جيشًا مرَّ من هنا، وكأني لم أفرغ المجلى قبل النوم من الجلي وأنظفه.

بدأت تعمل وتدندن بأناشيد تسلي بها نفسها، وتقفز لهاتفها من لحظة لأخرى تسرق حكمة فتنشرها، أو آية أو عظة، فكان رنين جرس الهاتف من جارتها الثالثة سهام ـ فوضعت السماعة على أذنها لتكمل عملها بيديها ـ وكان محور الحديث هو إيمان الكاذبة، وسر الشوكلاته الفاخرة، والانقلاب المفاجئ.

....: أتدرين! لقد وضعت لي بالأمس إعجابا على صورة الكعكة التي صنعت ثم أزالته، إيه إنها الغيرة ~.

خمس وعشرون دقيقة من الغيبة، والأحاديث الفارغة حول فلانة التي تضع صورا حزينة هذه الفترة بكثرة، وسر الحزن هذا، وفلانة التي أخفت ملفها الشخصي من أيام، و تلك كثيرة التحديثات والحديث عن النفس وعن الخروج ووو ،

انتهت المكالمة بالعبارة المعتادة: (مالنا وللناس). (يارب ما تكتبها غيبة)  المهم دعيني أتم طهي طعامي وترتيب منزلي وسأراك قريبا.

أغلقت السماعة وكان الوقت لتحلل في دماغها الأخبار التي سمعت من الجارة.

كانت إيمان حينها قد بدأت سلسلة الاتصالات المصاحبة لأعمال البيت، تسمع من هذه فتحدثها عن تلك، ولا تلبث أن تنقل الحديث لهذه وتأخذ أخبار تلك. في دائرة الكل يغتاب ومغتاب.

تضع على صفحتها صورة لورود جميلة وتزينها بعبارة عن الوفاء والأصدقاء. وتضع إشارة لصديقاتها التي لم تكد تنتهي من الغيبة معهن وعنهن.

وتنهمر التعليقات، وعيون سلمى وسهام ترقبان، بغيظ ، بحقد، عن أي وفاء تتحدث، وأي أصدقاء.

وكرد غير متوقع يكون منشورًا من سلمى، عن شوقها الجارف لسهام، وهي التي لم تكد تغلق الهاتف معها، ودعوتها إياها لوقت قضاء وقت طيب معًا.

وهنا تبدأ حروب المنشورات، ومنها التعليقات، فتلك تكتب عن إخلاصها وخيانة الأصدقاء لها، وهذه عن النعيم الذي تعيشه والدلال الذي تراه، وتلك عن ابنها المدلل حبيب الجميع ونباهته. تتحرك الأحقاد، فتجري الحروف على لوحة المفاتيح من اقتباسات ومقولات ـ تخالف العقل والمنطق أحيانا ـ تعبر عنها.

تنهي سلمى إعداد الورق وتجهيزه، فتضع الطعام على النار، وتجري ترتب بيتها وتتم أعمالها اليومية، محاولة إيجاد فرصة لراحة قبل قدوم الأولاد وابتداء نهار وعمل جديد.

في وقت أنهت فيه سهام عملها، فأعدت نفسها لتتجول عند الجارات تجمع الأخبار وتنقلها.

قهوة الصباح مع الجارات لم تتوقف، لكنها تحولت لشكل آخر، كانت قديمًا وأحاديث غيبة ومشكلات الأزواج والأهل، والآن تراها مشكلات وحروب إلكترونية، قصدتني بهذا المنشور، فأطلقت منشورًا رددت لها الصاع كيلا، وحرمتني من الإعجاب فألغيتها من قائمة الأصدقاء المفضلة.

كان صوتها مرتفعًا خلال خلاف مع زوجها حين أنزلت ذلك المنشور الذي تدعو فيه أن يبارك في الحب بينهما ويديمه.

وكم من صديقات تفرقن بسوء الظن، فتلك غضبت حين قرأت في صفحة صديقتها عبارة عن المغترين بأنفسهم وظنتها تقصدها  وصديقتها بحد ذاتها نقلت العبارة نقلا، وربما لم تكن تقصد بها من البشر أحدًا، وتلك أنهت كل علاقة مع أهل زوجها بسبب كونهم حرموها من المتابعة ولم يشيروا لها في منشور عن اجتماع كان في بيت الجد.

 تنتهي القهوة حين يقارب موعد قدوم المغادرين في الصباح، تعود سهام لبيتها، ترتيب وتجهيز للطعام، فالأولاد ووالدهم إن عادوا ولم يجدوا الطعام ستكون المعركة الكبرى، تجهزه وتنتظر ليكون أول القادمين أصغر الأبناء.

يلقي حذاءه وحقيبته ويجرى للمطبخ متسائلا عن طبق اليوم، فيكون صوتها مستقبلا : (ضع كل شيء في مكانه وانتظر إخوانك وأبيك).

وبوصول الأبناء تدب الحركة في البيت، وتبدأ الفوضى تتسلل، يجتمعون على مائدة الطعام.

الحال في البيوت متشابه، وحديث المائدة لن يخلو من التقاط صورة للطعام لنشره أو عتاب لوضع لايك على منشور لا يستحق،  أو سؤال عن سبب كتابة تلك الكلمة أو هذه الحالة.

وتجد الأم المتذمرة من أولادها والتي تصرخ بهم أن اغربوا عن وجهي، وكفاكم فوضى تكتب بعدها دعاء بأن يديم الله لم الشمل ويحفظ أولادها.

 أو تلك الفتاة الهاربة من تنظيف الصحون بعد الأكل تدعو على صفحتها أن يعينها على بر أمها. وتلك خُيرت بين البقاء مع الزوج  وتربية الأولاد أو الفيسبوك ـ الذي كان سبب الخلاف بينها وبينه ـ فاختارته، أعني الفيسبوك.

تبدأ الزيارات التي كانت قديما سببا لزيادة الألفة بالتحية وسؤال سريع عن الحال، ثم يهرب كل منهم لجهازه يحلق وحده.

أصبح حبنا إلكترونيا، وإن كنا نبغض في الواقع.

وأصبح جهادنا إلكترونيا،  وإن كنا جبناء في الحقيقة.

شيء من التناقضات التي سببها لنا الاندفاع الأعمى لمواقع التواصل، سبب الحقد المغروس والتعود على النظر للآخر بعين الحقد والحسد، والوقائع حولنا كثيرة.

 أمست النعمة التي أنعم الله بها علينا في الانفتاح وسهولة التواصل نقمة، وصار الناس يستخدمونها كوسيلة من وسائل المفاخرة والمباهاة، فترى الحروب تنطلق بين النساء بسبب منشور، وتحدث الخلافات بين الأزواج بسبب تعليق، والحقد والكره بين الأبناء والأصدقاء بسبب صورة أو كلمات، وتفشت بقوة ظاهرة النفاق، واتسعت وأصبحت على الملأ، وَهْمٌ أغرقنا فيه أنفسنا، نهرب إليه من الواقع الذي لا نحب، فنخسر الواقع ولا ننتفع به شيئا.

فهلا توقفنا لنتفكر، إلى متى؟

وكيف سيكون مصير العلاقات الاجتماعية في الأجيال اللاحقة إن استمر الحال على ما هو عليه؟

  هل سيأتي يوم نستغني فيه عن الزيارة المباشرة؟

وكيف سيكون العيد حينها؟

 هل سيكون احتفالا في صفحة خاصة يتبادل فيها الأهل التهاني وصور العيديات؟

 إلى متى سنمسك السلاح من حده الذي يؤذي؟

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


جود الشريف

بكالوريوس قرآن ودراسات إسلامية .دورة مهارات التفكير ودبلوم المستشار الأسري


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...