وبعدين!!

كتاب لها
13 - رمضان - 1434 هـ| 21 - يوليو - 2013


1

تزور منتجعات سياحية تأسر الألباب، وتجعلك تفغر فاهك متعجبا من بدائع صنع الله، ولا تملك إلا أن تردد: سبحان الله! سبحان الله! فإذا كان هذا حسنك يا دنيا فكيف سيكون جمالك يا  جنة!!.

          وتتأمل اللوحات الطبيعية التي أمامك،  والتي صورها الخالق في أحسن صورة، فلا تدري هل تراقب السماء  الصافية، أم الخضرة  و قد مدت مد البصر؟! ، أم تلاحق الحيوانات من طير وفراش، أم ترقب زهوراً كحلوى شهية  قد صفت بطريقة تسرق اللبـ فتزيد مذاق المنظر روعة، أم ترقب البحر،  فترى  مناظر كثيرة أكثر  أن تحصيها قدرة بصرك  في لحظة واحدة.

          وتغبط سكان هذا البلد على ما هم فيه من نعم، وتترحم على سوء حظك وتتمنى لو عشت في هذا ‫المكان طول العمر.

          بينما سكان هذا البلد يحسدونك على ثرائك الفاحش حتى لو أنك اقترضت هذا المال لتتمتع به في هذه الرحلة السياحية.

          وقد تغير خطتك، فترغب  في أن تمكث فترة  أطول عما كنت مخططاً له  لتستمتع  بجنة هذه الدنيا  فوق الجدول المحدد،  لكنك  تكتشف في اليوم الثاني أنه بدا أقل جمالا عن اليوم الأول، وفي اليوم الثالث تبدأ بالتساؤل بينك وبين نفسك: وبعدين؟! المنظر وألفته. فتتمنى لو يُنادى عليك بالرحيل، ويحقق الله أمانيك وتذهب إلى منظر يفوق المنظر الذي ألفته  أضعافا مضاعفة، حيث تجد الشلالات وقد  شقت الصخر، وانهمرت مستعجلة لتضرب الصخر، فتكون  بركة في  وسطه، ثم تندفع إلى الأسفل في مجرى  ملتوٍ  كالأفعى، لتسقط  كشلال في الجهة الأخرى.

عندئذ  ستهتف: نعم. وجدته. هذا المنظر الذي لن أمل منه أبد الدهر، ولكن في المساء، يبدأ الملل يتسرب إلى روحك، وفي اليوم التالي تنادي بالرحيل، قبل أن يبادرك به أحد من البشر.

‫فتتوجه إلي واد من خضر وزهر، وأشجار يافعات، وأغاريد  طير،  وتجد نزلا به ما لذ وطاب من المأكل والمشرب، وبحيرة هادئة لم يكدرها تلوث ولا بشر،

‫ فتجلس لتحتسي قهوتك، ثم تردد: ياليتني أطيل المكث هنا.

‫ لكنك سرعان ما ينتابك ما انتابك في المرة  السابقة ـ وبعدين!!  .

 أن أكثر ما يزعجني من أطفالي في كل رحلة هذه الكلمة.

          حين نستمتع بمنظر شلال  ونرمي بهمومنا في وسطه، ونحاول أن نغرف  طاقة لنا تعيننا على تقديم كل ما لدينا، فإذا بنا  نكتشف أن أسرع  من  يمل هم الأطفال، فنسمع هذه   الكلمة:  وبعدين؟!

‫فتذهب بهم إلى قاعة ألعاب فيلعبون حتى يملوا، فتفاجأ بنفس السؤال.

 ‫ـ وبعدين؟!.

‫ ‫فتقدم لهم طعاما.

  فيتبعونه بقولهم .

 ‫ـ وبعدين؟!.

‫فنعجل بالأيس كريم.

 ‫ـ وبعدين؟!

‫ الحديقة.

‫ـ وبعدين؟!

‫وهنا ينفد صبري: سنذهب للفندق ونغتسل وننام.

 ولكنهم  مازالوا حيرى.

‫ـ وبعدين؟! أين سنذهب غدا؟!

          ربما الأطفال أكثر صدقا في التعبير عما يدور في خاطرهم، وأكثر صراحة في مشاعرهم.

‫وكنت دائما وأبدا أتساءل: كيف نزور أماكن يتمنى الكثير زيارتها. والحق أننا  نسعد بها، ونشعر أننا جددنا نشاطنا وأننا قتلنا روتيننا اليومي، أو بالأحرى قمنا بتوقيفه مؤقتا عن الخدمة، لأنه سيستأنف نفس نشاطه المعهود بعد عودتنا سالمين، ولكننا ما إن نحط رحالنا بهذه الأماكن الخلابة حتى نملها ويلح علينا السؤال: وبعدين.

          سنعود لبيتنا وسنشعر بالفرحة برجوعنا، وستشعر أن بيتك نزل ذو خمسة نجوم، حتى لو كان في حقيقة الأمر لا يتجاوز النجمة ونصف النجمة!

‫والبعض يصاب  بما يسمى باكتئاب  ما بعد السفر،

فما تلبث حتى تمل بيتك، وتتمنى السفر مرة أخرى، فتهتف: آه يا دنيا حتى متعتك  يمل منها.

فتسأل الله الجنة.  التي لا وصب  فيها  ولا نصب ولا صخب ولا ملل، يتمتع بها المؤمن،

‫ولا يمل، بل يسأل الله دوما هل من مزيد؟!

فنسأل الله الجنة، الجنة حيث يسعد بها المؤمنون وتسعد هي بهم أيضا، فتتزين لهم لا تملهم ولا يملونها

‫وتكون بها نهاية حياتهم وخاتمة أعمالهم ومستقرهم فلا يقولون: ‫وبعدين؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أبو أحمد - السعودية

14 - رمضان - 1434 هـ| 22 - يوليو - 2013




معنى جميل وملمح تأملي خاطف، اختصر لحظات طويلة من الوقت ووصل إلى النتيجة بسرعة فحرمنا من بعض الاستمتاع المباح، لأننا في كثير من الأحايين نظل مستمتعين ببعض عطلاتنا لشهر أو أكثر، وحتى أطفالنا لا يخرجون من الملاهي ولو قضينا الساعات الطوال إلا بعد صراع يتخلله الصراخ والبكاء، وطالما انتظرنا على أبوب الملاهي عند البوابات نترقب خروجهم
أعتقد أن لحظات السعادة التي نمر بها تستغرق زمناً أطول مما صوره المقال، وهذه النظرة قد تفقدنا الاستمتاع بما في هذه الدنيا من بديع صنع الله الذي يبهج النفس ويمنحها الراحة النفسية والسعادة التي تحمل العبد على الشكر و النشاط في أداء أعمال الدنيا و الآخرة.
جميل أن نتوق لما في الآخرة من نعيم لا يزول، لكن لا ننغص على أنفسنا كل متعة ب( وبعدين!!)، فيزول قدر كبير من السعادة المباحة التي نشعر بها.
في ديننا يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر... وندعو :ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.. ويرجح كثير من علمائنا فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر.
لو كانت لنا نية صالحة في كل أعمالنا حتى في لحظات الترفيه فسنكون في عبادة دائمة، وستكون لحظات حياتنا ممتعة لأنها تقودنا إلى الجنة (الجنة حيث يسعد بها المؤمنون وتسعد هي بهم أيضا، فتتزين لهم لا تملهم ولا يملونها)
المقال جميل وهدفه نبيل، وكل ما أتمناه أن تجتمع لدى القارئ المعاني الجميلة في المقال و التعليق

بشرى عبدالله اللهو

14 - رمضان - 1434 هـ| 22 - يوليو - 2013

صدقت،
وأحسنت ، أحسن الله إليك
أؤيدك في رأيك
وشكر الله مشاركتك.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...