المجموعة القصصية "هان الود" تقدم الرجل سفيرا ناجحا في عالم المرأة

أدب وفن » آراء وقراءات
18 - رمضان - 1434 هـ| 26 - يوليو - 2013


1

القاص عصام عبد الحميد مبدع ومنظِّر لفن القصة. تخصص في عالم المرأة ونبغ فيه، يدافع عنها ويتبنى قضاياها ويتحدث كثيرًا بمعاناتها. وهذه حقيقة تفرض نفسها في أعماله التي عَنْوَنَ لها في مجموعاته القصصية السابقة "زوَّجتك نفسي ـ فتافيت امرأة ـ هان الود" أو في عناوينه الداخلية "رائحة رجل ـ فراشات تائهة ـ ميرين".

 

 وتستطيع أن تدرك ذلك أيضًا من خلال هذه الأعمال نفسها، ولنكتف بالمجموعة التي  بين أيدينا "هان الود" لتجد المرأة مجسدةً في يد العطاء التي تحمل الوردة في انسيابية رائعة، وعُودُهَا بلا شوكٍ على غير المتعارف عليه في الطبيعة، في حين أن يد الرجل جاءت مفزعة ومفاجِأة بخروجها من المخبوء المستور، ثم في توجيه الرصاصة أو على الأقل في كيفية قبول الهدية أو حتى في مكافأتها.

 

كل هذا يعطيك دلالة عن شخصية القاص التي تتجلى في تبنيه لمشاكل المرأة النفسية خاصة، ثم الاجتماعية والعقلية، والتي كثيرا ما تحيا في حالة من الفراغ العاطفي يجعله عصام هو المبرر الأساسي؛ بل والوحيد في كل مشاكلها، بينما تظل المرأة هي الأميرة المدللة في عالمه الرومانسي، وهناك شبه اعترافٍ يرد منه صراحة في حواراته العامة ومناقشاته بما يجعلنا نطرح سؤالا وجدلية مؤداها:

 

هل الرجل قادر على أن يغوص في عالم المرأة يشعر بها ويكتب عنها؟

 

أستطيع الجزم ـ قراءة تقص ٍلا تعصبًا ـ أن عصام عبد الحميد استطاع تحقيق هذا بما يملك من أدوات وبما لديه من خبرة حياتية فعلا.

 

ففي "هان الود" عاش أزمة وفاء وناهد وعزة ومنى، بينما يقوم مصطفي بطل القصة وركيزة أحداثها بدور الربط فقط بين العناصر الحقيقية، ويكفيك دلالة على هذا أن "هان الود" الوحيدة التي جاء فيها الراوي منفصلا عن الأحداث، بينما في القصص الثلاث الأخرى كان يتحدث بصوتهن جميعا، فكان المتحدث بلسان "ميرين" هذه الفتاة الغربية التي احترم عقليتها، ودافع عنها للدرجة التي جعلتنا نتعاطف معها، وهذه من براعة موكلها في عرض قضيتها ضد الرجل الذي لا يحسن التعامل مع المرأة.

 

وتراه كذلك مع الفراشة التائهة في العالم الافتراضي، وحتى حين أراد أن يظهر شيئا من خطأ الانشغال للأب والأم عن ابنتهما في "الناب الأزرق" برر ذلك وأبرزه في صورة العشق والهيام. حين كانا يجلسان في كازينو هاواى المطل على شاطئ البحر.

 

وإذا حاولنا الولوج إلى المجموعة، نستطيع أن نؤكد على بعض الأمور ربما في فكر عصام القصصي عامة، وهان الود خاصة  منها:

 

المرأة في فكر عصام.. فهو يدافع عنها، خصوصا حين تكون ضحية الحبيب المخادع، أو الزوج المشغول البعيد عن البيت أو غياب الرعاية من الأب والأم. وعبثا يحاول عصام حين يدافع عن الرجل أو يبرر أفعاله وتقصيره ذلك.. لأن أنثوية القضية تجعله دائما في صف المرأة، الأم والأخت الزوجة والحبيبة، وإن كانت الأخيرة أهمهم على الإطلاق لاستيعابها كل الصنوف السابقة في نوع من التأكيد على الحب.

 

كما أن لديه القدرة على توظيف الصورة وابتداع الرموز الشفيفة للتعبير عن المواقف الحرجة، وتجسيد اللحظات التي تتصل باللقاء بين الرجل والمرأة بنوع من الحياء المعبر عن المشاعر المرهفة، ومرجعيته الدينية بمهارة تحترم الموضوعات الاجتماعية المسلمة في التعبير عن هذه اللحظة المبحرة في العشق والهيام والذوبان فيقول مثلا: وبجوارها أنثاه في ثياب الفتنة وقد نكست أضواء الشموع نظرة عينيها التي تحمل نداء ولهفة ونزقا جنونيا عارما".

 

 والحكمة بالغة في عقلية عصام عبد الحميد تتكشف من عباراته التي تبدو كنجوم تتلألأ في سماء المجموعة، وتتناثر كقطع من اللؤلؤ والماس يهديها بمنتهى الأريحية دون عناء فيقول: "أروع إحساس ستجدينه وأنت في قمة وحدتك، وتبحثين عن أحد يسمع شكواك أن تستمعي باهتمام لمن له شكوى" ويقول: "إنك حين تعطين تكتشفين أن هذا هو الحصول الحقيقي على السعادة الأبدية".

 

وهكذا يجسد معنى السعادة الحقيقية، والرضا الكامل، والانخراط مع الآخرين والإحساس بهم، من خلال العطاء والمنح والاهتمام بهم.

 

الشاعرية الرائعة في رسم الصورة، وكأنها تتحرك يقول: "السكون يحيط بالغرفة، والظلام يحاصرها وحركة الممرضات خفيفة ورشيقة كالفراشات، وأصواتهن هامسة، ولكن حروف متناثرة من أحاديثهن تصله .." هكذا تشعر أنك مع شخوصه تتحرك معهم، وتعيش حالتهم، وتتلمس مدى حرصه على رسم صورة من الهدوء المطلوب في مثل هذا المكان، وكأنه يرشد إلى ضرورته ويؤكد عليه كما نجده يقول: في الشرفة الكبيرة يجلس على كرسي مريح، ويغوص بعينيه في صفحة مياه النيل الرائعة، يحاول أن يستمد منها قدرا كبيرا من الهدوء لتستقر فيه.. أغمض عينيه واستسلم للسكون الجميل المحيط به" ويتحدث بلسان ميرين قائلا: "أما هو فقد جاء كحبة مطر مكتنزة بالعطاء بكل قوتها وعنفوانها من السماء، لتسقط على صحراء أيامي؛ لتوقظ الربيع قبل أوانه".

 

كذلك استطاع أن يؤكد رسالية الكلمة عنده، وأن يوظف أدواته، ويُجيِّشَ حتى حروفه لتقف معينة له عند استحضار المعاني في الكلمات، وحتى الأسماء فتجد في "هان الود" اختيار الأسماء يعطى دلالة معينة، كاشفة عن التناغم بين الاسم والمضمون والتوظيف لهما معا، فـ "مصطفي رأفت من الرأفة والصفاء/ اسم زوجته "وفاء" يشِي بمكنون مصطفي من مشاعر الوفاء واحترام الحياة الأسرية معها، وكذلك "ناهد" ابنته الكبرى ففي أحد معاني ودلالات الاسم هي المناهَضَةُ في الحرب والخصومة.

 

 ولعل "هان الود" عروس المجموعة، تخلق عالمًا من الصراع الدائر بين الحياة المرغوب فيها، والحياة المرغوب عنها في محاولة لخلق نوع من القناعات أن المال ليس سببًا في السعادة، ولا يجب أن تقف موانعٌ أمام حبيبين أبدا، هذه العزيمة هي التي جعلت مصطفي يتشبث بأمله و "مناه" الأنثوية الجميلة الضعيفة، التي يتقوى به في بعض اللحظات لتمنحه قوة هائلة تدفعه للحياة، فيبحث عن حلمه في المؤسسات الأهلية ودور الأيتام. وبمنتهى اليسر تنفك العقدة في رسالة رقيقة من صفصافة إلى حبيبته الغائبة "منى".

 

وبينما يمثل الهروبُ من الواقع مشكلة أساسية في حياة الناس، كما أنه ليس حلا لأي مشكلة واقعية، إلا إننا نجد عصام يعطى للهروب معنى دلاليًا جديدًا، وهو أنه هروب "إلى" وليس "من"، إلى الواقع الحقيقي والوجود المنشود، ليترك حياة الموات في نحور من يتصارعون على الدنيا، ولا يستطيعون الرؤية وسط ضبابية النفوس الجاحدة الحاقدة، بينما ستنقشع الغيوم والضباب، وستشرق الشمس لهما طالما معًا، وحينها تجد الابتسامة المطمئنة تملأ عليك معهما رحب الورق وعالم القراءة الممتع لنهاية سعيدة متوقعة، ولكنها لذيذة حين تكون الانسيابية والصدق هما المعيار والوسيلة لتحقيق المراد.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...