التحذير من الذنوب والترغيب في الاستغفار بعد رمضان

كتاب لها
15 - شوال - 1434 هـ| 22 - أغسطس - 2013


1

ذكرت فيما سبق بالمقال الذي عنونته  بـ  ( ونسوا حظا مما ذكروا به ) أن القرآن الكريم عندما يستعرض لنا ما جرى لأهل الكتاب حينما حُمِّلُوا الأمانة، فنقضوا الميثاق، ثم حل بهم ما حل – إن القرآن لا يقص علينا خبرهم للتسلية، ولكن للعبرة بحيث إذا وقعنا بما وقعوا به، أصابنا ما أصابهم. وهذا من سنن الله التي لا تتخلف إلا إذا شاء سبحانه.

     والنسيان: ترك العمل به (أي بالميثاق والأمانة) رغبة عنه، أو تركوا عرى دينهم، وكذلك وظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها، وقيل: تركوا العمل، فصاروا إلى حالة رديئة؛ فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة.

   وترك القيام بالحق، والشهادة بالعدل والعمل الصالح، والعلم النافع  نتيجته واحدة لكلا الفريقين إذا نقضا الميثاق والعهد هي: اللعن، وقسوة القلب، والطرد من رحمة الله.

    

    وفي الآيات التي سنستعرضها بيان لخطورة ارتكاب الذنوب والمعاصي، والتي تتلخص في إنزال عقوبات بعضها قد عوقب من قبلنا بها، ونحن نشترك معهم فيها إذا سلكنا مسلكهم، وأخرى نتفرد بها كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث بأنه: لم تَظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلِنوا بِها إلَّا فَشا فيهمُ الطَّاعونُ والأوجاعُ الَّتي لم تَكُن مَضت في أسلافِهِمُ الَّذينَ مَضوا ولم ينقُصوا المِكْيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنينَ وشدَّةِ المئونَةِ وجَورِ السُّلطانِ عليهِم، ولم يمنَعوا زَكاةَ أموالِهِم إلَّا مُنِعوا القَطرَ منَ السَّماءِ ولَولا البَهائمُ لم يُمطَروا، ولم يَنقُضوا عَهْدَ اللَّهِ وعَهْدَ رسولِهِ إلَّا سلَّطَ اللَّهُ عليهم عدوًّا من غيرِهِم فأخَذوا بعضَ ما في أيدَيهِم، وما لَم تَحكُم أئمَّتُهُم بِكِتابِ اللَّهِ ويتخيَّروا مِمَّا أنزلَ اللَّهُ إلَّا جعلَ اللَّهُ بأسَهُم بينَهُم"رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي والطبراني، وحسنه الألباني.

       وحقيق بكل مؤمن أن يتعظ بهذه الآيات، ويتوقف عن ارتكاب المعاصي؛ حتى لا يصيبه ما أصاب من سبقه، وجدير بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تخاف من غضب الله إذا هي وقعت فيما وقع به من سبقها من الأمم.

 والآن إلى استعراض الآيات وما جاء في التعقيب عليها:     

 قال تعالى في آل عمران الآية 11 (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ)،  ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن، رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو أحسن منا؟ فما في أولئك من خير). قالوا يا رسول الله فمن أولئك؟ قال: ((أولئك منكم، أولئك هم وقود النار)) رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وصحح إسناده الشيخ شاكر في عمدة التفسير، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب.

      وعن عائشة رضي الله عنها: قالت: قلت يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي، قال: "بلى، قولي: اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن"رواه ابن السني، وحكم على إسناده العراقي، والهيثمي، و السيوطي والألباني بالضعف.

 وفي ذات المعنى في سورة الأنفال الآية رقم 52 و54 إلا أن العقوبة كانت في آل عمران بسبب التكذيب وفي الأنفال من الكفر والتكذيب، ثم بين أن العقوبة كانت هلاكا لآل فرعون ومن قبلهم 

  وقال الله في المائدة الآية 18 ردا على اليهود والنصارى حينما قال الله على لسانهم:  (..... نحن أبناء الله وأحباؤه  .... فقال الله : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم ....).

  وفي المائدة الآية 49 في معرض أمر الله تعالى رسوله (محمدا صلى الله عليه وسلم) أن يحكم بما أنزل الله إذا جاءه أهل الكتاب محذرا إياه من أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه (..... فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ...)

   وقال تعالى محذرا أمة محمد أن تحذو حذو من سبقها من الأمم التي كذبت رسلها على الرغم من أن الله مكن لهم في الأرض، وأرسل السماء عليهم مدرارا، وجعل الأنهار تجري من تحتهم لكن عقب على هذا بقوله: (...فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) الأنعام الآية رقم 6

  وفي سورة الأعراف  الآية رقم 100 أخبر الله تعالى أنه يصيب من يرثون الأرض من بعد أهلها إذا عصوا الله جل في علاه، وهذا تحذير آخر من الله لمن يأتي بعد هؤلاء فقال: ( أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون) 

  وفي سور العنكبوت الآية رقم الآية  40 أوضحت أن الله تعالى أخذ الأمم السابقة بذنوبهم كما أشار إلى أن العقوبات المترتبة عليهم تنوعت بما يناسب حجم الذنوب والمعاصي التي فعلوها فمنهم من أرسل عليهم حاصبا، ومنهم من أخذتهم الصيحة، وآخرون أغرقهم أو خسف بهم وما كان ربك ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

  وفي سورة غافر الآية 21 يخاطب الله جل في علاه المكذبين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم متوعدا إياهم بأنه سينالهم مثل ما نال غيرهم من الأمم التي كفرت أو أذنبت (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق) (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب).

   وهكذا  ينبغي للمسلم أن يكون حذرا من الوقوع في الذنوب التي ستكون سببا في هلاكه أو تعذيبه بما يناسب المعصية، وعليه أن يعلم أن عصيانه لله تعالى قد يسبب غضب الله على من يعيش معهم؛ فلا ينجو إلا من اعتزل، أو استنكر، أو نصح، والنجاة في ترك أهل الذنوب بعد بذل الجهد في نصحهم، ولما نزل عذاب الله بقوم عصاة، وقالت الملائكة لرب العزة والجلال: إن فيهم فلانا أي لم يعصك فقال: فبه فابدؤوا حيث لم يتمعر وجهه حينما كانت ترتكب المعصية أمامه، كما في الحديث: "أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا و كذا على أهلها ، قال: فقال: يا رب إن فيها عبدا لم يعصك طرفة عين، قال : اقلبها عليه و عليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط" رواه الطبراني في الأوسط وضعفه الهيثمي، والألباني.

  فالفرد في الإسلام مسؤول أمام الله تعالى، إذا لم ينكر المنكر بحسب قدرته، والجماعة مسؤولة إذا لم تأخذ على يد العصاة، وتمنعهم من ارتكاب الذنوب، وخاصة إذا أرادوا أن يجاهروا بها، ومن كان آمرا بمعروف فيكن أمره بمعروف، ومن أنكر المنكر، فعليه أن يكون متبعا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إنكاره متخلقا بأخلاقه، والحكمة والعلم والخلق الحسن والإخلاص زاد لكل من يعمل على إزالة المنكرات والحث على فعل الخيرات.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


مالك فيصل الدندشي

إجازة في الآداب – قسم اللغة العربية / جامعة دمشق
دبلوم عال في الشريعة الإسلامية / معهد الدراسات الإسلامية في القاهرة

مالك فيصل الدندشي من سوريا - محافظة حمص والمولود في العام/ 1949م.
تلقيت تعليمي الابتدائي والمتوسط والثانوي في بلدتي ( تلكلخ ) ثم التحقت بالجامعة في مدينة دمشق, وحصلت على الإجازة ( بكالوريوس ) في الآداب – قسم اللغة العربية وتخرجت في العام 1974م.
عملت في التعليم العام في سوريا ثم في المعاهد العلمية التابعة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مدة إحدى وعشرين سنة وخلال هذه المدة سافرت إلى القاهرة وحصلت على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية.
أعمل الآن مدرساً منذ تسع سنوات في مدارس الفرسان الأهلية وخلال إقامتي في الرياض حصلت على عشرات الدورات والورش والمشاغل في مواضيع مختلفة في التربية والتعليم.
كتبت العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات في موضوعات شتى.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...