لا إيمان مع يأس

دعوة وتربية » سنن وفضائل
27 - شوال - 1434 هـ| 03 - سبتمبر - 2013


1

علمتنا عقدينا الإسلامية أن الإيمان واليأس نقيضان، لا يقبل أحدهما الآخر، ولا يتعايشان معاً، ولا يقبلان أنصاف الحلول؛ لأنهما نقيضان، والجمع بين النقيضين مستحيل عقلاً وشرعاً.

والسبب في تناقضهما أن الإيمان قوة دفع، وانطلاق، واستشراف وثقة، وتعلق بوعد الله الذي لا يخلف وعده، بينما اليأس قوة تثبيط، ونكوص، وفقدان الثقة بوعد الله، وركون إلى هواجس النفس  وشوارد الخواطر، واستسلام تام لسلطان الشيطان ونزغاته.

ومن ثم كان المؤمنون في المحن موصولة قلوبهم بالله، متعلقة به متوكلة عليه.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله (في ظلال القرآن) في قوله تعالى: "وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"سورة يوسف(87) "فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروْحه، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية، فإنهم لا ييأسون من روْح الله ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق. وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه، وفي أنس من صلته بربه، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه، وهو في مضايق الشدة ومخانق الكروب".

فلا غرو أن حرم الله اليأس وجعله طريقا للكفر؛ لأن اليأس في الحقيقة إذا توغل في قلب إنسان، واستحوذ على مشاعره،  كانت عواقبه وخيمة، ومآلاته مشينة، وأعراضه خطيرة تتجلى في أمور منها:

 1 ـ اليأس في الحقيقة اعتراض على أقدار الله وحكمته وعلمه، فالشدائد والكروب، والمحن التي نراها تصيب المؤمنين الواحدة تلو الأخرى  هي في الحقيقة تمحيص للمؤمنين، وعلو لدرجاتهم عند الله وتكفير لذنوبهم فقد جاء في الحديث عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ"رواه مسلم.

2 ـ اليأس استسلام وشعور بالهزيمة، وفقدان للثقة بالنفس، وهذا بدوره يجعل الإنسان ضعيف المقاومة عديم المناعة، فاقد الإرادة لا يقوى للانتصار على نفسه، فضلا عن عدوه؛ لذلك كان استخدام سلاح الإشاعة ـ باعتبارها أهم مصادر اليأس ـ في وقت المحن من أهم الأسلحة الفتاكة في توهين عضد الخصم، وفقدان ثقته في قيادته ونفسه، ولذلك حذر القرآن الكريم من التنصت للمرجفين، أو تصديقهم فيما يدعون في قوله تعالى: )الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ( سورة آل عمران.

قال الإمام الطبري  في تفسيره: و"الناس" الأوّل، هم قوم -فيما ذكر لنا- كان أبو سفيان سألهم أن يثبِّطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد.

و"الناس" الثاني، هم أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأحد" (راجع تفسير الطبري ت شاكر )ج7/ 405.

ولا يزال أعداؤنا  يستخدمون هذا السلاح ضدنا بطرق شتى منها: التشكيك في وعد الله لنا بالنصر، أو عدم صلاحية المنهج للحياة، والمعاصرة، دليل ذلك زيادة نسبة التخلف والبعد عن ركب الحضارة، واشتغال المسلمين بالحروب فيما بينهم، مع زيادة نسبة القتل والتشريد والجوع، والخوف  والمرض والفقر بينهم دون غيرهم، في الوقت الذي نرى فيه غيرهم يملكون مقاليد الأمور في العالم، وينعمون بأرقى ما عرفته البشرية من ترف وبزغ ونعيم، وحرية وكرامة وعدالة، وعلم وتقدم ونحوه. 

 ومقصودهم من وراء ذلك تخدير العقول، واستسلامها للواقع المفروض عليها، واستيئاسها من محاولة أي بارقة أمل، من شأنها أن تضع المسلمين على الطريق الصحيح  حتى يستردوا مجدهم المفقود،  ويحييوا حياة كريمة تليق بهم وبتاريخهم ومنهجهم وعقيدهم.

 

3 ـ اليأس فرار من سنن الابتلاء والاصطفاء التي لابد أن يمر بها العبد السائر إلى ربه وهى السنة التي اقتضتها الحكمة الإلهية للتمييز بين العبد الصابر المحتسب المتعلق بربه ليكون من الأبرار، والعبد الهلوع المرتاب المتعلق وبشهوته وهواه.

 يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "إذا رأيت الله عز وجل يحبس عنك الدنيا، ويكثر عليك الشدائد والبلوى فاعلم أنك عزيز عنده، وأنك عنده بمكان، وأنه يسلك بك طريق أوليائه وأصفيائه وأنه يراك ... أما تسمع إلى قوله: واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا" (سورة الطور 48)، بل اعرف منته عليك فيما يحفظ عليك من صلاتك، وصلاحك ويكثر من أجورك وثوابك، وينزلك منازل الأبرار والأخيار والأعزة عنده" (انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي).

وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى :" لا تكرهوا الملمات الواقعة فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرُب أمر تحبه في عطبٌك (راجع الفتن والبلايا  والمحن والرزايا لسلطان العلماء العز بن عبد السلام).

  4 ـ  اليأس معناه التفريط في أغلى ما يملكه الإنسان، إنها العقيدة التي تحمل الحرية للإنسان؛ لأن العقيدة لا تقوى إلا على الابتلاء والشدة والمحن والذين لا يصمدون أمام الابتلاء والمحن سرعان ما تخورعقيدهم، بل ربما يستبدلونها  بعبادة أخس مرذول، ويبيعونها بأبخس مطلوب.

ولقد حاول بعض الصحابة رضي الله عنهم أن يخفف على نفسه هول العذاب وشدته، فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشكوا ما هم فيه فكان رده عليه السلام شافيا كافيا، فقد وعدهم بالنصر المحقق لكنه لم يعدهم عليه السلام برفع البلاء وبيَّن ان هذا هو الناموس الإلهي في تربية العقائد لسائر الأمم الموحدة بالله قبلنا فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رضي الله عنه، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (رواه البخاري رقم 3612).

          يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله " ولابد من البلاء ليصلب عود أصحاب العقيدة، ويقوى فالشدائد تستجيش مكنون القوى، ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ مسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد ، والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب" (طريق الدعوة في ظلال القرآن  للأستاذ سيد قطب ص221).

5 ـ اليأس هروب من تحمل المسؤولية، وتبعات التكاليف، بل اليائس مثبط لكل من حوله لأن عقيدته رخيصة  ومن رخصت عقيدته سقط عند أول بلاء فكان في سقوطه إضعاف للآخرين، ودعوة بلسان الحال إلى الركون وطلب الدعة ، والخلود إلى الأرض وهذا من أعظم البلاء لهذا كان طلب الثبات في الملمات من أعلى مراتب الطلب وقد أضافه الله تعالى لنفسه ــ إما بالتصريح وإما بالإضافة  ـ في جميع آيات القرآن دون استثناء كقوله تعالى: "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ" (سورة إِبْرَاهِيمَ: 27) وقوله:"(لَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا) سورة الْإِسْرَاءِ: 74 .

 والمقصود من ذلك أن  يطلب المؤمنون دوما الثبات من الله وحده، إذا اشتدت عليهم الملمات، وأحاطت بهم الظلمات، فهو المعين والناصر، ولا يركنوا إلى  دعوات اليائسين المثبطين الذين جعلوا أنفسهم للشيطان خير معين.

6 ـ الإنسان اليائس مسرف على نفسه في التشائم، فهو يأكل ليبقى على قيد الحياة فقط، مجرد من كل أمل، وإحساس بالمستقبل،  يموت قبل أن يموت عشرات المرات، يفكر في المقادير وأسرارها، يهيم في عالم الفكر وشوارد الذهن، فتراه مضطرب النفس، عليل البدن أضناه الفكر والخوف، والقلق كأن شر المقادير سيقت له وحده دون غيره لا يرى في  الخير خيراً مطلقاً، وإن سيقت له الدنيا بحذافيرها.

 وفي أمثال هؤلاء قال إيليا أبو ماضي:

أيها ذا الشاكي وما بكَ داءٌ           ...     كن جميلاً ترَ الوجودَ جميلا

- ليس أشقى ممن يرى العيشَ مُراً ...       ويظنُّ اللذاتِ فيه فُضـــولا

- أحكمُ الناسِ في الحياةِ أناسٌ      ...       عَلَّلوها فأحسَنوا التعليـــلا

- والذي نفسُه بغيرِ جمالٍ           ... لا يرى في الوجودِ شيئاً جَميلا

- فتمتعْ بالصبحِ مادمْتَ فيه       ...      لاتخفْ أن يزولَ حتى يزولا

- كُلُّ نجمٍ إِلى الأفولِ ولكن        ...       آفةُ النجمِ أن يخافَ الأفولا

- هو عبءٌ على الحياةِ ثقيلٌ      ...        من يظنُّ الحياةَ عبئاً ثقيلا

7 ـ وقد حصر ابن القيم رحمه الله في كتاب الفوائد(ص 32) الحكم والفوائد إذا قدر علي العبد شيء يكرهه في ستة مشاهد فقال: "إِذا جرى على العَبْد مَقْدُور يكرههُ، فَلهُ فِيهِ ستّة مشَاهد، أَحدهَا مشْهد التَّوْحِيد، وَأَن الله هُوَ الَّذِي قدّره وشاءه وخلقه وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَاء لم يكن.  الثَّانِي: مشْهد الْعدْل وَأَنه مَاض فِيهِ حكمه عدل فِيهِ قَضَاؤُهُ. الثَّالِث: مشْهد الرَّحْمَة وَأَن رَحمته فِي هَذَا الْمَقْدُور غالبه لغضبه وانتقامه وَرَحمته حشوه. الرَّابِع: مشْهد الْحِكْمَة، وَأَن حكمته سُبْحَانَهُ اقْتَضَت ذَلِك لم يقدّره سدى وَلَا قَضَاهُ عَبَثا. الْخَامِس: مشْهد الْحَمد، وَأَن لَهُ سُبْحَانَهُ الْحَمد التَّام على ذَلِك من جَمِيع وجوهه. السَّادِس مشْهد العبوديّة وَأَنه عبد مَحْض من كل وَجه تجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام سيّده وأقضيته بِحكم كَونه ملكه وَعَبده فيصرفه تَحت أَحْكَامه القدريّة كَمَا يصرفهُ تَحت أَحْكَامه الدينيّة فَهُوَ مَحل لجَرَيَان هَذِه الْأَحْكَام عَلَيْهِ".

        لعلك بهذا أخي القاري قد عرفت أنه لا إيمان مع يأس، وأيقنت أن اليائس خاسر من رحمة الله، وأن الإيمان لا يقبل التعايش في قلب ران عليه اليأس فاستيقظ من غفوتك، وشد مئزرك، واستغفر ربك، وعد إلى واحة الإيمان والتوكل على الله، واستعن به واعلم أن كل شيء عنده بمقدار، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن دعوة الله ماضية إلى يوم القيامة، ودينه لن ينقص ولن يضيع واقرأ دوما قوله تعالى: "وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"سورة يوسف(87)  وقوله تعالى:(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) سورة الزمر: 53 ولا تنس وعد الله لرسوله عليه السلام (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) سورة النور(55)  وقسم رسولك الكريم  صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله في حديث خباب السابق: "وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» (رواه البخاري).

ــــــــــــــــــــــــ

 

روابط ذات صلة:

حقيقة الإيمان

كيف يصل الإنسان إلى الإيمان بالله؟

زيادة الابتلاء بعد التمكين

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. عبد التواب مصطفى خالد

الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والقانون ـ جامعة الإنسانية ـ ماليزيا.


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...