إنما ذاك هو الصبر

كتاب لها
28 - ذو القعدة - 1434 هـ| 03 - اكتوبر - 2013


1

نأتي إلى الحياة  الدنيا محمولين على أكفة ناعمة. وفرش بطائنها دفء يغمرنا بالحب والرحمة.. وفيض من البراءة نتخيل معها السعادة في راحة ونعمة...  ثم تمضي بنا الحياة تتبعها الرغبات والآمال والأمنيات.

و ماهي إلا سويعات من عمر الزمن حتى نكبر وتكبر معنا أحلامنا، نريد تحقيقها، والعيش في هناء وسرور، لا تشوبنا معها شائبة حزن  وشكوى.. وكأننا نحسب الحياة كنظم عقد من زينة لا تنقطع حباته. ونتصورها أي الحياة جميلة غناء، لافيها هم ولا عناء، حتى نحط  على رحال المصائب والابتلاءات.

ولا ريب فمن طبيعة الحياة أن تكون خليط بين فرح وحزن.. وما نكاد نفرح إلا ويكسو بياض نهارنا سواد قاتم  لا تنبلج إشراقاته إلا بعد صبر نتعلم منه كيف نمضي في دروب ملتوية، وبخطوات متأنية لنظفر بما نريد.

وفي الصبر هذ الخلق الجم (واصبر وما صبرك إلا بالله) 127سورة النحل، سمو لله بالروح إلى العلياء، إذا استوطنها البلاء ونازعتها المصائب، والصبر هو ما يضبط النفس ويوجهها إلى مقتضى الحكمة والكمال.

وإن من الصبر قوة إيمانية تجعلنا واثقين الخطى، مما يساعدنا على الثبات، ويمنحنا الاتزان والمرونة العاطفية، والهدوء النفسي.

وللصبر معان وإشراقات في النفس والحياة، وفي الوجود بأكمله. يقول الرافعي : "تبتلى الشجرة الخضراء في بعض أوقاتها بمثل ما يبتلي الإنسان، غير أن لها عقلا روحانيا مستقرا في داخلها، يمسك الحياة عليها وتتربص حالا غير حالها، ومهما يكن من أمر ظاهرها وبلائه فالسعادة في داخلها، ولها دائما ربيع على قدرها حتى في قر الشتاء".

وكما أن الصبر خلق وضاء، فهو جزاء وحسن عاقبة  (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) 10سورة الزمر.

والصبر عزم وقوة وجلد على الحق، ما دام في معية الله، ثم في معية الفكر الناضج الذي يؤمن أن مصيبته في كل شيء تختبر فيه الحسنة.. وبلاؤه وصبره حتى يجد لذة الأجر بلا حساب  وتلك هي البشرى.

وإنما الصبر فرصة عملية لتكون الإرادة المسيطرة على هوى النفس ورغباتها. يقوي فيها رابط الحس الديني والإنساني وهذا ما نظهره في تعاملنا مع الآخرين بمختلف صفاتهم. ويعزز فينا الشعور بالتحدي في وجه الظروف والحياة.

 روى المدائني قائلا: رأيت بالبادية امرأة لم أرى ولا أنضر ولا أحسن من وجهها فقل : تالله إن فعل هذا بك من الاعتدال والسرور فقلت: : كلا والله إن لدي أحزانا وخلفي هموم وسأرويها لك. كان لي زوج، ولي منه ابنان فذبح أبوهما شاة في يوم عيد الأضحى والصبيان يلعبان، فقال الأكبر للأصغر. أتريد أن أريك كيف ذبح أبي الشاة؟ قال: نعم فذبحه!. فلما نظر الدم خاف، ففزع نحو الجبل فأكله الذئب، فخرج أبوه للبحث عنه، وضاع ثم مات عطشا.  فأردتني الحياة بمرها قلت لها: وكيف أنت والصبر؟؟ قالت: لو دام الحزن لمت، ولكنه كان جرحا فشفي بالصبر.

والصبر صلة قوية بالله تعالى، يعادل في ثبات النفس قوة الشمس في حرارتها وهي تضيء بنورها جوانب الحياة. وهذا يظهر في صبر يوسف عليه السلام وكان يعلل صبره بشرطين (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) سورة يوسف 90

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما أدركنا أطيب عيشنا بالصبر، ولو كان الصبر رجلا لكان كريما" لأنه أدرك أنه اطمئنان لله بالإيمان،والتسليم بالرضى.

وعندما تضيء النفس ويشرق فيها الخير ندرك إنما ذاك هو الصبر.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- ضي الأمل - السعودية

29 - ذو القعدة - 1434 هـ| 04 - اكتوبر - 2013




ابدعتي اختي في المقال بارك الله فيك * طرح رائع *
مقال شيق وكبير خاصه عن خلق من الأخلاق الإسلامية ولنا بالرسول عليه الصلاة والسلام قدوه فقد كان صبوراً على الأذى
الله يلهمنا الصبر على متاعب الحياه

-- مسك المعاني - السعودية

30 - ذو القعدة - 1434 هـ| 05 - اكتوبر - 2013




نفع الله بها وبارك فيها وفيكم أجمعين ورزقنا وأياكم وإياها الصبر على منغصات الحياة إنه سميع مجيب الدعاء


مسك المعاني

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...