سعيد بن عامر الجمحي والي حمص الزاهد العابد! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

سعيد بن عامر الجمحي والي حمص الزاهد العابد!

وجوه وأعلام
07 - محرم - 1435 هـ| 11 - نوفمبر - 2013


1

من يستطيع أن يدخل على عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في أول خلافته فيقول له: يا عمر أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخشى الناس في الله، وألا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه الفعل..؟! نعم كيف نختصر الإسلام بكلمات يسيرة نابضة بالصدق؟ كيف نقيم صرحاً من المحبة للقائد؟

 

من يجرؤ على الغوص في نفس عمر بهذه الشفافية الإيمانية، فيقول: يا عمر.. أقم وجهك لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم. فيرد عمر: ومن يستطيع ذلك يا سعيد؟! فقال: يستطيعه رجل ٌ مثلك، ممن ولاهم الله أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وليس بينه وبين الله أحد، إنه الصحابي الجليل سعيد بن عامر الجمحي ـ رضي الله عنه ـ الذي عرف عمر صدقه وتقواه، واستمع إلى نصحه، ودعاه  إلى مؤازرته عند ذلك قائلاً: يا سعيد إنا مولوك على أهل(حمص) فقال: يا عمر نشدتك الله ألا تفتنني، فغضب عمر، وقال: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني!! والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص وقال: ألا نفرض لك رزقاً؟ قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين؟! فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي، ثم مضى إلى حمص.

 

وما هو إلا قليل حتى وفد على أمير المؤمنين، بعض من يثق بهم من أهل حمص، فقال لهم: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم. فرفعوا كتاباً فإذا فيه: فلان وفلان وسعيد بن عامر، فقال: ومن سعيد بن عامر؟ فقالوا: أميرنا. قال: أميركم فقير؟ قالوا: نعم، ووالله إنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار. فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد إلى ألف دينار فجعلها في صرّة، وقال: اقرؤوا عليه السلام مني، وقولوا له: بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال لتستعين به على قضاء حاجاتك. جاء الوفد لسعيد بالصرة فنظر إليها فإذا هي دنانير، فجعل يبعدها عنه، وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ـ كأنما نزلت به نازلة أو حل بساحته خطب ـ فهبّت زوجته مذعورة وقالت: ما شأنك يا سعيد؟! أمات أميرالمؤمنين؟! قال: بل أعظم من ذلك. قالت: وما أعظم من ذلك؟!

 

قال: دخلت عليّ الدنيا لتفسد آخرتي، وحلّت الفتنة في بيتي. قالت: تخلص منها. قال: أتستطيعين إعانتي على ذلك؟ قالت: نعم. فأخذ الدنانير فجعلها في صرر، ثم وزعها على فقراء المسلمين!

 

لم يمض على ذلك وقت طويل حتّى أتى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ديار الشام يتفقد أحوالها، فلما نزل بحمص لقيه أهلها للسلام عليه فقال: كيف وجدتم أميركم؟ فشكوه إليه، وذكروا أربعاً من أفعاله كل واحد منها أعظم من الآخر. قال عمر فجمعت بينه وبينهم، ودعوت الله ألا يخيب ظني فيه، فقد كنت عظيم الثقة به. فلما أصبحوا عندي هم وأميرهم، قلت ما تشكون من أميركم؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، فقلت وما تقول في ذلك يا سعيد؟ فسكت قليلاً، ثم قال: والله إني كنت أكره أن أقول ذلك، أمّا وإنّه لا بدّ منه، فإنه ليس لأهلي خادم، فأقوم في كل صباح على خدمتهم.

 

قال عمر: فقلت لهم: وما تشكون منه أيضاً؟ قالوا: إنه لا يجيب أحداً بليل. قلت: وما تقول في ذلك يا سعيد؟ قال: إني  والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضاً. فأنا قد جعلت النهار لهم والليل  لله عز وجل. قلت: وما تشكون منه أيضاً؟ قالوا: إنه لا يخرج إلينا يوماً في الشهر. قلت: وما هذا يا سعيد؟ قال: ليس لدي خادم يا أمير المؤمنين، وليس عندي ثياب غير التي علي، فأنا أغسلها في الشهر مرة وأنتظرها حتى تجف، ثم أخرج إليهم في آخر النهار. ثم قلت: وما تشكون منه أيضاً؟! قالوا: تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمّن في مجلسه، فقلت: وما هذا يا سعيد؟! فقال: شهدت مصرع خبيب بن عديّ وأنا مشرك، ورأيت قريشاً تقطع جسده وهي تقول: أتحبّ أن يكون محمّدا مكانك؟ فيقول: (والله ما أحب ّ أن أكون آمناً في أهلي وولدي، وأن محمداً تشوكه شوكةٌ...)(1) وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي..! وأصابتني تلك الغشية. عند ذلك قال عمر بن الخطاب: الحمد لله الذي لم يخيّب ظني به!(2).

 

ثم بعث له بألف دينار ليستعين بها على حاجته. فلما رأتها زوجته قالت له: الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك، اشتر لنا مؤونة، واستأجر لنا خادماً، فقال لها: وهل لك فيما هو خير من ذلك؟! قالت: وما ذاك؟! قال: ندفعها إلى من يأتينا بها، ونحن أحوج ما نكون إليها. قالت: وما ذاك؟! قال: نقرضها الله قرضاً حسناً. قالت: نعم، وجزيت خيراً. فما غادر مجلسه الذي هو فيه حتّى جعل الدنانير في صرر، ووزعها على أرامل ومساكين المسلمين. رضي الله عن سعيد بن عامر الجمحي فقد كان من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

  • قصة مصرع خبيب رواها البخاري وأصحاب السير عند الحديث عن يوم الرجيع.
  • هذه القصة أوردها أبو نعيم في الحلية وحكم بالضعف على إسناد القصة(راجع موقع ملتقى أهل الحديث).
  •  

    المراجع:

    • سيرة ابن هشام (قصة مصرع خبيب) يوم الرجيع.
    • الإصابة في تمييز الصحابة ج 2 ص47 (3270) ترجمة مختصرة، وليست فيه هذه التفاصيل.
    • صور من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفت الباشا، الجزء الأول.

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    -- فلان بن فلان - أسبانيا

    25 - صفر - 1440 هـ| 05 - نوفمبر - 2018




    مدهش

    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...