ولن تجد لسنة الله تحويلا!

كتاب لها
15 - صفر - 1435 هـ| 19 - ديسمبر - 2013


1

بسم الله الرحمن الرحيم... لم نصل إلى مستوى أدنى رجل رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على إيمانه، فضلا عمن كملت خلاله أو كادت، وكثرت للإسلام أعماله من أكابر الصحب الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ومع هذا ربما خرج بعضهم في بعض نواحي المدينة وسككها رابطا للحجر على بطنه من الجوع، وحتى بلغ ببعض أكابر حفاظ الوحي أن يخر مغشيا عليه بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة رضي الله عنها حتى يجيء الجائي فيضع رجله على عنقه يظن به جنونا وما به إلا الجوع!.

 

في بعض المواطن أكلوا جلود الميتة من الجوع. وفي بعض الغزوات لا يجدون إلا تمرات يمصونها إلى آخر النهار، وربما أكلوا أوراق الشجر حتى تقرحت أشداقهم.

 

أما قصورهم إن كانت، فليس غير حجرات الطين الضيقة، وأما فرشهم فليس غير التراب والحصير والليف إن وجدت.

 

وأما الرسول الأكرم والقائد الأعظم عليه الصلاة والسلام فكانوا يعدون له ثلاثة أهلة في شهرين لا يوقد في بيته نار، وربما خرج رابطا على بطنه الحجرين من الجوع، ومات ودرعه مرهون عند يهودي في بعض الطعام، إلى جانب ما لاقى في دعوته من صنوف الابتلاء.

 

لقي القوم من شظف العيش، وشدة الجوع، وعظيم الفاقة وقوة الابتلاء ما لو لم يرد به صحيح الأخبار لعد نسجا من الخيال.

 

وفي تلك الأحوال كان عليه الصلاة والسلام يقول لبعضهم: "والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم" [رواه البخاري ومسلم].

 

وهؤلاء النفر من المؤمنين ومن سار على نهجهم واتبع أثرهم، هم من فتحوا الدنيا من الأطلسي غربا إلى مشارف الصين شرقا في أقل من مئة عام، وأوصلوا نور الهداية والعدالة إلى البشرية، فرضي الله عنهم، ورحمهم وغفر لنا ولهم.

 

لقي الرعيل الأول ما لقوا، وقضوا نحبهم على خير حال، ثم دارت رحى الأحقاب وتعاقبت العصور، وأصاب الناس خيرا وشرا، وأصابهم خير وشر.. حتى حضر زماننا فأصبنا في بلادنا خيرا لا أطراف له، وإن ذكر الشر فلا مقارنة بينه وبين ما ننعم به من الخير والرفاهية، أمنَّا في الإقامة والسفر، والحل والترحال، ولبسنا وركبنا وسكنا وطعمنا من كل شيء أطايبه حتى لا يشتهي أحدنا في الجملة شيئا إلا وجده في بيته أو بجواره، وكأني بقول الله تعالى "أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ"[سورة القصص57]. تصف الحال التي نعيشها اليوم، وكأني بقول الله تعالى: "فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ"[قريش3-4] موجهة إلينا بالذات كما وجهت لقريش في زمن الرسالة. بل تجاوز بعض الناس حدود المباح إلى حياة البذخ والسرف، فأساءوا وتعدوا وظلموا حتى أوجبوا.

 

وإذا ما قلبت فكرك في حاضر العالم بأسره وماضية القريب، ونظرت على جهة الخصوص إلى عالمنا الإسلامي وكيف تتخطف الأقدار والحوادث الدول والناس والبلدان؛ أعاصير، وزلازل، وبراكين، وفيضانات، حروب وثورات وفتن، وإذا ما أجَلْت ذهنك ونظرت في واقعنا في هذه البلاد تذكرت قول الحليم سبحانه: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [سورة الْعَنْكَبُوتِ: 67] وكأنها تعنينا تماما، كما تعني من نزلت عليهم في زمن تنزل الوحي.

 

فإذا قارنت بين واقعنا المنعم، وواقع من اختارهم الله لصحبة رسوله ورضي عنهم وهم يربطون على بطونهم الأحجار من الجوع، واتخذ منهم شهداء وأصابتهم مصيبة الموت والجراحات في كثير من الوقائع، وأخرج بعضهم من دياره، سائل نفسك أي الفريقين أكرم عند الله؟!

تالله لو أنفق أحدنا مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه!

 

إذن فلم نحن متخمون بالنعم، وهم عاشوا في ضنك من العيش وشدة؟

 

لا يشك من له أدنى نظر وعناية بسنن الله، أن هذا ابتلاء وامتحان ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

يا فضلاء: لقد جرت علينا منذ سنوات ليست بعيده أنواع من الامتحانات وهيأ الله لنا من الأسباب ما نشاهد به تلك الابتلاءات وكأننا نعيش فيها، وما أراه - والله أعلم- إلا لقيام الحجة علينا.

 

ابتلينا في أرض البلقان بمصيبة المسلمين في البوسنة والهرسك، ثم في أفغانستان ثم العراق ثم الشام، وابتلينا بمجاعة الصومال وإحراق المسلمين في أراكان وابتلينا في غزة، ومصر، واليمن، وأرينا البلاء قبل وبعد في كثير من أصقاع الدنيا ونواحي الأرض، ولا أدري عما قدمناه من نصرة لإخواننا المظلومين والمضطهدين والبائسين والمقهورين ومساندتهم في كل مكان وفي جميع الأوطان ونحن ندرك قول الناطق بالوحي عليه الصلاة والسلام «مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ» [رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الهيثمي والسيوطي، والألباني في صحيح الجامع].

 

لقد أرانا الله بأم أعيننا أنواعا من البلايا والنذر في أكثر من موطن خارج بلادنا، وأرانا أيضا بعضها في بلادنا؛ فمنا من ألقى السمع وهو شهيد، ومنا من ينادى من مكان بعيد. ابتلينا قبل بضع سنوات بفتن التكفير والتفجير، ومصيبة الأسهم وذهاب الأموال وإملاق الناس، ثم بارتفاع الأسعار وجدب الديار، وغور الآبار، وحرب الجنوب وهزة العيص وسيول جدة وكأن الحق بقوله "أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ"[سورة التوبة126] كأنه يعنينا كما عنى من نزلت فيهم هذه الآية الكريمة عياذا بالله.

 

وكأنه يقول لقد أنذرتكم واختبرتكم بأنواع النذر والاختبارات في غير ما موضع؛ فيما ترونه بالفضائيات خارجا عن دياركم، وما رأيتموه في داخل بلادكم، لكنكم لازلتم لم تغيروا حالكم إلى ما أردت لكم شرعا، بل لازلتم مدبرين منصرفين غير متعظين ولا مدكرين، وفيكم سماعون لأعدائي، دعاة إلى مخالفة أمري، محادّون لجلالي، وأنا لازلت أحلم عليكم، وأغدق عليكم أنواع النعم، وأمهلكم لعلكم ترجعون، فلا تلوموني لو أصبتكم بما أصبت به الآخرين الذين تشاهدون أحوالهم صباح مساء وتتخبرون أخبارهم، ولا تلوموني لو ألبِسكم شيعا وأذيق بعضكم بأس بعض ولكن لوموا أنفسكم.

 

يا أيها الفضلاء: لقد بلغ السيل الربى، وتداعت الأمم وكشرت الفرس الحاقدة عن أنيابها، وجفانا بعض الأصدقاء! وإني لأرى كما يرى غيري في الأفق غمامة مدلهمة لا مخرج منها إلا بالفرار إلى الله، والاستعانة به سبحانه، ومراجعة الحسابات على جميع الأصعدة، لا مخرج منها إلا بالاعتصام بحبل الله وقطع النظر عمن سواه، لا مخرج منها إلا بالتمسك بهداية الوحيين على فهم سلف الأمة. لا مخرج منها إلا بإصلاحات دينية ودنيوية على مستوى الفرد، والأسرة، والمجتمع، على مستوى التربويين، والمعلمين، والإعلاميين، والدعاة، وطلاب العلم، والقضاة، والعلماء والساسة على مستوى الإعلام والتعليم والدعوة والإدارة على مستوى المؤسسات الأهلية والحكومية،على مستوى الموظفين والمديرين والمرؤوسين والرؤساء، والأمراء والوزراء على مستوى الحاكم والمحكوم، إصلاحات واسعة في كل حقل وفي كل موضع، إصلاحات في أمر الدين والدنيا، إنه مشروع كبير جدا عزيز المنال، ولكنه أسهل من تحمل تبعات التقصير والإهمال والتواكل والاتكال على غير الله، فليس وراء الإهمال إلا مواصلة السير في تنفيذ خطط أعداء البلاد والعباد، وذهاب الريح، سواء شعرنا أو لم نشعر، ولأن نسعى في الإصلاح على جميع المستويات اليوم لهو أهون منه غدا، ولأن نسعى هذا العام لهو أيسر من العام الذي يليه. اليوم يستطيع كل منا أن يقدم شيئا ينفع به نفسه وأسرته ومجتمعه وبلده وأمته لكنه غدا ربما لا يستطيع.

 

يجب أن ينبذ المجتمع بكل شرائحه المفسدين، ويدني المصلحين المخلصين في كل النواحي، يجب أن ينبذ كل من يريد شرا وفسادا وفرقة وتمزقا، ويدني من يصدق ويريد إصلاحا واجتماعا وتآلفا، يجب على المجتمع أن ينبذ الأنانية وحب الذات، ويقدم محبة الجميع ومصلحة الجميع، يجب أن نضع أيدينا بأيدي علمائنا وولاة أمرنا ونكون نصحة لهم في الرخاء والشدة، واليسر والعسر كل بحسبه وعلى قدر استطاعته.

 

إن فعلنا واجتهدنا هدينا وسددنا وكفينا "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا" [سورة العنكبوت69] وإلا فلنستعد لليال عبوسة وأيام نحسات، ربما يقول بعضنا يومذاك يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، فلسنا أكرم من غيرنا أن نحن أهملنا وضيعنا؛ وسنة الله لا تتبدل ولا تتحول كما قال تعالى: "فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا "[سورة فاطر43]. وقال: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ"[سورةهود102].وقال سبحانه: "وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ"[سورة القصص58]. فلأن يجتهد كل عامل في مجاله، ويقوم بسبعة أضعاف عمله اليوم لهو أيسر من مواجهة سنة الله التي لوحلت تركت الديار بلاقع(الخالية من كل خير)، فتنبهوا، وجدوا واجتهدوا وأصلحوا وأملوا وتفاءلوا وأبشروا. حفظ الله بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء وجنبنا الفتن. والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: لجينيات

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...