المرأة المسلمة وتربية الأجيال

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
14 - ربيع الآخر - 1435 هـ| 15 - فبراير - 2014


1

المرأة هي أساس نهضة أي مجتمع، فهي التي تقيم النواة الأولى لقيام المجتمعات  القوية المتماسكة، من خلال دورها في تربية وتنشئة الأبناء و توجيه ومساعدة الزوج في أعماله، لذلك فإن بيوتنا هي أهم مؤسسة تربوية وعمود البيت هو المرأة، فإن كانت واعية لدورها صالحة؛ كان قاعدة المجتمعات صلبة وراسخة، وإن كانت سطحية منحرفة فإن قاعدة المجتمع ستكون متهالكة ستنهار سريعا وينهار معها البناء.

دور خطير

لذلك كان دور البيت خطيرا، أخطر من دور المدرسة والشارع والمجتمع، بإعلامه وأنديته وأجهزته، فالبيت يتسلم الطفل من البداية في أهم وأخطر مراحل حياته،لأن مرحلة الطفولة الإنسانية في بني الإنسان أطول منها في سائر الكائنات الحية الأخرى، وما كان هذا كذلك إلا من أجل أن تتوافر فترة أطول لتربية هذا الكائن المتميز، مما يؤكد خطورة وظيفة البيت في التربية.

والأم هي العماد في العملية التربوية، فإن الواقع الذي نعيشه يؤكد خطورة موقع الأم اليوم، فنتيجة لضغوطات الحياة وصعوبتها أصبح الرجل طوال اليوم في الغالب في خارج البيت، يكابد مشاق الحياة ويكدح بحثاً عن الرزق الحلال؛ من أجل أن يوفر نفقة البيت ونفقة الأولاد، وبالتالي أصبحت مهمة التربية في معظمها تقع على كاهل الأم.

وحتى في الماضي قبل تطور الحياة، فقد كان دور الأم رئيسا في عملية التنشئة، وأهم من دور الأب خاصة في مراحل الطفولة، حيث يكون الابن أكثر التصاقا وتعلقا بأمه، وتكون الأم أقدر من الأب على معايشة الطفل وتلبية احتياجاته بحب وحنان فطري غرسه الله سبحانه وتعالى في قلبها.

لكن لكي تتمكن الأم من القيام بهذه الأمانة، لابد من إعدادها إعداداً يتناسب مع مهمتها، فلا بد من بناء الأم المسلمة الواعية الصالحة، الملتزمة بتعاليم دينها، والمحافظة على قيم مجتمعها، و المطلعة على ثقافة عصرها؛ والمتفاعلة مع قضايا أمتها؛ حتى تخرج لنا جيلا من أمثال عمر بن عبد العزيز والشافعي وأحمد بن حنبل وصلاح الدين الأيوبي وابن تيمية.

لقد اهتم الإسلام بمسألة تفريغ المرأة لمهمتها الأساسية في تربية الأبناء، فجعل نفقتها ومؤنتها على الرجل، وصانها  بالحجاب، كما جعل الأصل هو قرار المرأة في البيت، وحرم اختلاطها بالرجال، كل هذا لكي لا تنشغل عن مهمتها الأساسية في التربية ورعاية الزوج.

بين الأمس واليوم:

إن أعداء الإسلام اليوم يدركون جيدا خطورة دور المرأة في بعث الأمة الإسلامية من جديد، ومن ثم فقد سخروا كل إمكاناتهم لإخراج المرأة من بيتها، تحت مزاعم ودعاوي شتى؛ حتى لا تقوم بدورها الرئيس في بناء وتخريج أجيال مسلمة، كما أن مناهج التعليم النسائية في مدارسنا لم تعد تهتم ببناء المرأة المسلمة الصالحة، فلا نرى أي حديث في مناهج تعليم المرأة عن دور المرأة في رعاية زوجها، و تربية أولادها، وإنما يتم تدريس مقررات هي نفس المناهج والمقررات التي تدرس للرجال، لتتخرج المرأة بعد ذلك وتزاحم الرجال في أماكن عملهم، وتتخلى عن أهم أدوارها... وكان من نتاج ذلك هي حالة التفسخ والسقوط التي تشهدها مجتمعاتنا.

نماذج من تربية الأمهات في الماضي لأبنائهم:

وكانت الأمهات في الماضي هن صناع نهضة الأمة الحقيقية، من خلال بناء جيل من الرجال استطاع تحمل الأمانة وعاش مهموما برسالته، وسعى لتمكين هذه الرسالة في الأرض، فاستطاع  بناء حضارة من أكبر الحضارات في تاريخ البشرية، وهذه نماذج من تربية هؤلاء النساء الأفذاذ لأبنائهن:

فالزبير بن العوام: قامت بأمره أمه صفية بنت عبد المطلب، فنشأ على طبعها وسجيتها. وأبنائه الأبطال عبد الله والمنذر وعروة أبناء الزبير ثمرات أمهم أسماء بنت أبي بكر، وما منهم ـ رضي الله عنهم ـ إلا له الأثر الخالد والذكر المحمود.

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه تنقل في تربيته بين صدرين من أملأ صدور العالمين حكمة، وأحفلها بجلال الخلال، فكان مغداه على أمة فاطمة بنت أسد، ومراحه على خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنهاـ  زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعبد الله بن جعفر سيد أجواد العرب، وأنبل فتيانهم تركه أبوه صغيراً، فتعاهدته أمه أسماء بنت عميس ـ رضي الله عنها ـ ولها من الفضل والنبل مالها.

وأبو حفص عمر بن عبد العزيز أورع الملوك، وأعدلهم وأجلهم، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، أكمل أهل دهرها كمالاً، وأكرمهن خلالاً، وأمها تلك التي اتخذها عمر لابنه عاصم وليس لها ما تعتز به من نسب ونسب إلا ما جرى على لسانها قول الصدق في صيحتها لأمها وهي التي نزعت به إلى خلائق جده الفاروق.

وأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر الذي ولى الأندلس وهي ولاية تميد بالفتن، وتشرق بالدماء، فما لبثت أن قرت له وسنت لخشيته، ثم خرج في طليعة جنده، فافتتح حصناً في غزوة واحدة. ثم أمعن بعد ذلك في قلب فرنسا وتغلغل في أحساء سويسرا، وضم أطراف إيطاليا، حتى ريض كل أولئك له، ورجف لبأسه، وبعد أن كانت قرطبة دار إمارة يذكر الخليفة العباسي على منابرها، وتمضي باسمه أحكامها، أصبحت مقر خلافة يحتكم إليها عواهل أوروبا وملوكها، ويختلف إلى معاهدها علماء الأمم وفلاسفتها. و سر هذا كله أمه التي ربته ، فقد نشأ عبد الرحمن يتيماً قتل عمه أباه، فتفردت أمه بتربيته.

وسفيان الثوري فقيه العرب ومحدثهم، وأحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، إنه أمير المؤمنين في الحديث، وما كان ذلك الإمام الجليل، والعلم الشامخ، إلا ثمرة أم صالحة، حفظ التاريخ لنا مآثرها وفضائلها،  روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله بسنده عن وكيع قال: (قالت أم سفيان لسفيان: يا بني أطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي).

فكانت رحمها الله- تعمل، وتقدم له، ليتفرغ للعلم، وكانت تتخوله بالموعظة والنصيحة، قالت له ذات مرة فيما يرويه الإمام أحمد أيضاً: (يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك، وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك، فاعلم أنها تضرك، ولا تنفعك).

والإمام الثقة الثبت إمام أهل الشام وفقههم، أبو عمرو الأوزاعي. ، يقول فيه أبو إسحاق الفزاري: (ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي، والثوري فأما الأوزاعي فكان رجل عامة والثوري كان رجل خاصة، ولو خيرت لهذه الأمة، لاخترت لها الأوزاعي، لأنه كان أكثر توسعا، وكان والله إماما).

قال النووي رحمه الله: (وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي وجلالته وعلو مرتبته، وكمال فضله، وأقاويل السلف رحمهم الله كثيرة مشهورة مصرحة بورعه وزهده وعبادته وقيامه بالحق وكثرة حديثه، وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة، وبراعته في الفصاحة-، وإجلال أعيان أئمة عصره من الأقطار له واعترافهم بمرتبته)

ذلك الحبر البحر كان أيضاً ثمرة أم عظيمة: قال الذهبي: قال الوليد بن مزيد البيروتي: ولد الأوزاعي ببعلبك، وربى يتيماً فقيراً في حجر أمه، تعجز الملوك أن تؤدب- أولادها أدبه في نفسه. ما سمعت منه كلمة فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه.

ويحكي  محمد بن المنكدر (رحمه الله) عن أمه قائلا : قالت لي أمي وأنا غلام: (لا تمازح الغلمان؛ فتهون عليهم، أو يجترئوا عليك).

ويروي ابن أبي أويس عن أم مالك ابن أنس قائلا: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: كانت أمي تلبسني الثياب، وتعممني وأنا صبي، وتوجهني إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وتقول: (يا بني! ائت مجلس ربيعة؛ فتعلم مِن سمته وأدبه، قبل أن تتعلم مِن حديثه وفقهه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المراجع:

- وصايا الآباء للأبناء، وائل حافظ خلف ، دار الدعوة ، الإسكندرية.

- الطريق إلى الولد الصالح ، وحيد بن عبد السلام بالي، دار الضياء للنشر والتوزيع – السعودية.

- محاضرة دور المرأة في التربية والدعوة إلى الله، محمد ابن إسماعيل المقدم.شريط مفرغ.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...