الحياة الأخلاقية

كتاب لها
27 - ربيع الآخر - 1435 هـ| 28 - فبراير - 2014


1

 

          ركز الإسلام منذ اللحظات الأولى للدعوة الإسلامية إلى القيم الفاضلة والأخلاق الحميدة، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (رواه مالك في الموطأ وصححه الألباني في السلسلة 45) ، ولذا كانت شخصية الصحابي ذات نسيج جديد، حافل بالقيم الفاضلة، أخبرنا عنها جعفر بن أبي طالب عندما وصفها للنجاشي فقال: "أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، ولم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، وأن نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا.. خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك"  (رواه أحمد وصححه الشيخ شاكر، وراجع السيرة النبوية لابن هشام، وصححه الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي).

وعندما بدأ الرسول الكريم في بناء الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ركز على الأخلاق في بناء المجتمع وارتقائه، فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، قَال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، وقيل قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت في الناس لأنظر إليه فلما استثبت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب وكان أول شيء تكلم به أن قال: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلون الجنة بسلام" رواه الترمذي وصححه (2485) ورواه ابن ماجه والحاكم وصححه، وصححه الألباني أيضا.

 إنها دعوة إلى أعمال يسيرة قد لا يلقى الإنسان لها بالا، أو يعتبرها ذات قيمة، ولكنها عند الله تعالى كبيرة تدخل صاحبها الجنة بسلام.

إن الحديث عن الأخلاق الإسلامية هو حديث عن الإسلام كله، فالإسلام هو دين القيم الإنسانية، والأخلاق الاجتماعية، والسلوكيات الحضارية، دين الشمول والتوازن والإيجابية. ولذا كانت الحياة في ظل الأخلاق الإسلامية لا تعادلها حياة، فرغم التقدم العلمي والصناعي والمادي للحضارة الغربية إلا أننا نجد أن أهلها تائهون ضائعون، يعيشون في قوالب إسمنتية، لا يعرف أحدهم جاره، ولا صاحبه، ولا أخاه، حتى أمه وأبيه لا يعرفهما إلا في العام مرة فيما يسمى عندهم عيد الأم والأب.

فالأخلاق هي التي تميز سلوك الإنسان عن سلوك الحيوانات في أداء حاجاته الطبيعية، وهي التي تميز علاقاته مع غيره من البشر، وبقدر ما يتحلى بها يزداد جمالا وبهاء ونقاء وإنسانية.

فالحياة بوجود الأخلاق ينتشر فيها الخير، والأمن والأمان، والمحبة والرحمة والألفة والود والسعادة، وإذا غابت الأخلاق انتشرت الشرور، والخوف والهلع، والعداوة والبغضاء والشقاء، ومن ثم سقوط أصحابها، فكم أمم وحضارات سقطت وذبلت وأصبحت من الماضي السحيق ليس لها وجود  بسبب غياب الأخلاق.

إن الأخلاق الإسلامية ليست أخلاقا ميتافيزيقية أو أخلاقا نظرية لا تتعدى جانب فلسفة الخطأ والصواب، أو أخلاقا براغماتية، أو أخلاقا أفلاطونية، وإنما هي أخلاق تنسجم مع طبيعة الإنسان، وواقع الإنسان، وحياة الإنسان، وعلاقة الإنسان بهذا الكون الكبير، إنها أخلاق تنسجم مع الفطرة البشرية فلا تصادم ولا تضاد ، ولا إفراط ولا تفريط .

لقد سحقت الحضارة الغربية الإنسان، فسلبت منه إنسانيته، ووجوده، وحريته، وهاهم يصدرون إلينا إنسانيتهم المسلوبة، وحريتهم المسحوقة، وعدالتهم المحروقة، وأخلاقهم المتهالكة. يصدرونها وهم يعانون من جحيمها، ويشتكون من آلامها، ومع ذلك للأسف الشديد هناك أناس من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، يقتاتون ويعيشون على ما يصدره الغرب من حياة بلا أخلاق، ومن حياة بلا قيم، ومن حياة بلا وجود ، ومن ضياع وجحيم .

وقد آن الأوان لكل فرد في الأمة الإسلامية أن يعود إلى ربه، والى دينه، والى أمته، كي يوجه كل طاقاته نحو الخير، ولفعل الخير، ولقول الخير، ولحسن الخلق؛ حتى نصدر للغرب والشرق أخلاقنا، فننقذ البشرية بإذن الله تعالى.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...