النيل جمال وحياة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

النيل جمال وحياة

بوابة زينة وجمال » موضة » تزيين
29 - جماد أول - 1435 هـ| 31 - مارس - 2014


1

أنا لم أغضب والدي، أنا لم ألوث مياه النيل، أنا لم أصد الماء وقت جريانه، أنا لم أنقص القياس، ولم أغش في الكيل، ولم أطفف في الميزان، أنا لم أطرد الماشية من مراعيها، أنا لم أتسبب في بكاء أحد، أنا لم أحرم إنسانا من حق له، أنا لم أختطف اللبن من فم رضيع، أنا لم أطفئ شعلة في وقت الحاجة إليها).

 

هذه الكلمات أو الشهادات مما ورد في "كتاب الموتى"، الذي يعد أقدم مخطوط فرعوني، يتحدث عن حياة الإنسان المصري القديم، ما بعد الموت. ويوجد منه نسخة مخطوطة باللغة المصرية القديمة في المتحف البريطاني.

 

وتعد هذه الكلمات تكثيفا كاشفا لعلاقة المصري القديم بنهر النيل، الذي تغنى له الشعراء على مر العصور، ونسجت حوله أساطير الخصوبة والجمال.

 

كان نهر النيل ومازال رمزا من رموز الجمال والحياة أيضا في دنيا المصريين، فعلى الرغم من كل ما تمر به مصر من أحداث كبيرة، مازال نهر النيل بتفريعاته وقنواته وجداوله يتهادى بين المدن والقرى، يبسط كفه في سخاء عفوي، يظلل الحياة والأحياء بالبهاء والجمال.

 

وكما كان طين النيل وطميه، محضنا خصيبا للشعير والقمح، والأرز والبردي واللوتس، كان مقصدا أيضا لطلب الجمال، والصحة والاستشفاء، وظلت البيئة المصرية ذات رونق يستشعره الناس لا سيما ممن يعيشون في الريف، وقد ذكر المؤرخ اليوناني هيردوت هذه الفوائد الصحية قديما بقوله: "إن المصريين يتمتعون في الحياة بمشفى طبيعي، من تربة نقية وجو متجانس"، وهذه حقيقة لا يلمسها إلا من اقترب من النيل وشرب ماءه وطعم طميه!

 

وتذكر المصادر التاريخية أن الخديوي عباس حلمي أدرك فائدة الطمي أو طين النيل الذي كان أحد أسباب خصوبة التربة الزراعية في مصر وجودتها العالية، كما أدرك فوائد الطين في التجميل، وعمل الأقنعة المفيدة للبشرة والشعر، فوجه بإنشاء أول مركز تجميل صحي في أواخر القرن التاسع عشر.

 

وكان هذا المركز مخصصا لرجال ونساء القصر الملكي، وكان يؤتي بالطمي الذي يلقيه النيل بغزارة أيام الفيضان، وكان يسمى طمي "الغرين"، بعدما تضاف إليه الزيوت والعطور.

 

وفضلا عن استخدام الطمي في تجميل البشرة والشعر، فقد كان المصريون يستخدمونه في تجميل البيوت بطلائها من هذا الطمي الذي أثبتت الدراسات الحديثة أنه يحتوى على ذرات الفضة، وكانت البيوت المصرية تزدان بطمي النيل في الأعياد ومناسبات الأفراح، والأجيال السابقة في مصر تحن إلى هذا الزمن الذي كان طمي النيل شريكا أساسيا في طلاء البيوت والأفراح، برائحته المميزة العبقة حين يختلط بالجير!

 

وكما لوّن النيل حياة المصريين وجملها في الظاهر، فقد جمّل خيالهم، ومنحهم إلى جانب خصوبته المادية، خصوبة معنوية، فتذكر الأسطورة القديمة أن الذي يشرب من ماء النيل لحظة إغفائه أو نومه في الليل، تدركه قوة وطاقة غير محدودة، ولهذا كان الفلاحون يتفاخرون بأنهم شربوا من النيل ليلا!

 

 وكما جمل النيل الأبدان والبيوت، فقد جمل الطرق، حين ازدانت الشطئان عبر السنين بأشجار التوت الفارعة، وأشجار الجميز التي تبسط ظلها على مساحات مترامية، بما يمنحها صفة الأم الرؤوم، وهو ما رسخ علاقة إنسانية لا تمحى بين النيل وكل أبنائه في دول حوض النيل.

 

ظل النيل أحد أهم منابع الجمال والحياة في مصر، عبر علاقة موغلة في القدم، ومن غير المتصور إنباتها أو تأثرها، لا سيما في ظل ما يحدث حاليا، في إحدى دول المصب وبناء سد النهضة في إثيوبيا الذي يهدد أشجار التوت، ويهدد أشجار الجميز الرؤوم بالغياب. فهل يغيب النيل حقا؟ وهل يتحول من صاحب يد على حياة الأحياء إلى زائر موسمي، يعارك الشح، ويضيع صوته وضياؤه وغناؤه بين صراخ المتصارعين على كسب وده. فيما يخفي وجهه عن الجميع وهو يداري دموع العجز وقلة الحيلة؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...