النداء الخالد

كتاب لها
16 - جمادى الآخرة - 1435 هـ| 17 - ابريل - 2014


1

نداء عجيب، نداء سحري،لا، لا، فالسحر من عمل الشياطين، ولن يدوم السحر طويلا.

ولكن هذا نداء رباني، بل قل نداء إلهي، صدع به بشر ضعيف، لا يملك أي وسائل للتواصل مع الآخرين. 

لا نت، ولا جوال، ولكن الله ضمن وصول النداء للبشرية أجمع، وبتفاعل عجيب لا تتمكن أية شبكة من شبكات التواصل أن تنشره.

ذلك هو نداء سيدنا إبراهيم عليه السلام بالحج.

الذي سمعه البدو والحضر، العرب والعجم، الإنس والجن، وحتى النطف في الأصلاب.

ولم يكن سماع النداء هو  المعجزة الوحيدة.

بل السعي الشديد لتلبية هذا النداء. حتى لو أنني أجمع المال طوال حياتي من أجل تحقيق هذا الهدف. 

فمكة  لها أجواء خاصة لا تتحصلها  في مشارق الأرض ومغاربها.

إن مكة يسري حبها في جزيئات كل مسلم، فهي حلمه وأمنيته تلك الأمنية التي يتساوى فيها الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، بل بعض الفجار يتمنى أن  يهديه الله ويرى الكعبة.

مكة لها مذاق خاص، لن تستطيع متع الدنيا أن تعطيك هذا المذاق.

حين تشاهد الكعبة تسري في جسدك قشعريرة.

ذلك المكعب الأسود،  يرسل هالات إيمانية تخترق روحك فتسمو بك.

إنه  بنيان يسير،  ولكنه رمز لقيم عظيمة.

فهو ليس بضخامة، ولا فخامة الكنائس التي صممها معماريون كبار، وزينها بالتماثيل فنانون مشهورون.

 بنى الكعبة إبراهيم (عليه السلام)، وساعده ابنه إسماعيل (عليه السلام) حيث جمعا حجارتها على تقوى الله تعالى،  وألصقا بين حجارتها أسس التوحيد.

 إن يسر هذا الدين يوحي لك أن تؤمن بالله وحده ولا تشرك به، وأن  تتقيه في كل عمل لك.

فالبنيان كان فطريا لأنه  يمثل دين الفطرة.

ثم قل لي من انشأ مناسك الحج بأمر من الله تعالى؟!! إنها أسرة إبراهيم (عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام).

مما يبين كيف أن الإسلام  يقدر قيمة  الأسرة، وهذا يتوافق مع الفطرة عكس قوانين العولمة الحديثة وسياسة الأمم المتحدة التي تريد أن تفكك الأسرة وتحطمها.

فكل أحداث  الحج تدور على  قصة  أسرة نبينا  إبراهيم  منذ بداياتها.

فسيدنا إبراهيم ترك أُمنا هاجر وطفلا رضيعا في واد غير ذي زرع.

ثم انظرإلى  قوة تلك المرأة التي لحقت بزوجها أكثر من مرة.

ثم أدركت أن تصرفه تصرف غير بشري لأن الله فطر الإنسان على حب الولد.

فكيف إن كان  قد رزق بهذا الولد الوحيد على كبر. 

فسألته: آلله أمرك بهذا؟؟

 وحين  عرفت أنه أمر الله وليس رغبة سيدنا إبراهيم  عذرته.

بل كانت ردة فعلها قوية لامرأة ضعيفة مع طفل رضيع بواد مهجور.

آمنت بقضاء الله وقدره إيمانا يقينا دون تردد.

فلو كانت امرأة غيرها لم تكترث لكلامه ولربما استمرت باللحاق بزوجها.

فسجل ديننا للعالم أن المرأة لا تنقص إيمانا عن الرجل. 

وثباتا على موقفها، فحين بكى  رضيعها، وانقطع السبيل، لم تتذمر أو تتأفف.

ثم هذا ديننا يسجل معاناة هذه الزوجة  الصابرة  المحتسبة.

ويجعل معاناتها نسكا للحج إلى أن تقوم الساعة، تكريما لهذه المرأة على طاعة ربها، لم أرى دينا يخلد معاناة امرأة مثل الإسلام.

كما أعطتنا أمنا هاجر درسا في المعنى الحقيقي لحسن التوكل على الله، فهي تؤمن أنها في ظل رحمة الله، لكنها لم تقعد مكانها لتهلك، بل شقت جبال مكة تبحث عن الأسباب.

ثم يفجر زمزم تحت قدم الطفل ليرينا أن الله أرحم بعباده من رحمة عباده بأنفسهم.

وأن شرعه سينجيهم، أما شرع العباد فإنه مهلكهم لا محالة.

فمنح ديننا للمرأة شرفا لم تمنحه  لها حقوق العالم.

ثم يسجل التاريخ جانبا تربويا  لعلاقة الأب بالابن في بناء الكعبة أو في  الأضحية.

فديننا واضح ويسير وفطري وغير معقد، يقوم نسكه على أسرة يشعر بمعاناتها كل البشر.

وليس كالأديان الأخرى التي تقوم أسسها وأحداثها وأعيادها على الخرافة والأسطورة والخيال، ومن صراع لآلهة ومخلوقات أسطورية لا نستطيع رؤيتها.

بينما ديننا يوافق العقل والفطرة، لا يجبرك  على عبادة جماد ضعيف بإمكانك أن تكسره أو تأكله، بل يرتفع بك لتعبد الإله العظيم  القوي العزيز الذي بيده ملكوت كل شيء.

ففي كل حج أو عمرة نستجيب لنداء سيدنا إبراهيم (عليه السلام)،  ثم نعيد ذكرى معاناة أسرته وصدق إيمانهم،  لذا كافأهم الله تعالى أنهم يأخذون أجر كل مسلم، و لا ينتقص من أجورهم شيئا.

شرف تستحقه أسرة سيدنا إبراهيم، سلام على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إلى يوم الدين. اللهم  ثبتنا على  دينك، كما ثبتهم،  واجمعنا  معهم في عليين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...