وقفات رمضانية (2ـ2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

وقفات رمضانية (2ـ2)

كتاب لها
02 - رمضان - 1435 هـ| 30 - يونيو - 2014


1

تحدثنا في الحلقة الماضية عن الحكمة من تنوع العبادات، والحكمة من مشروعية الصيام واليوم نواصل حديثنا

الوقفة الثالثة: مع أحاديث الصوم ورد في فضائل الصيام أحاديث كثيرة:

ومن ذلك ما رواه البخاري و مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ((كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول الله عز وجل إلا الصيام فانه لي وأنا أجزي به ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطرة وفرحه عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) في هذا الحديث بيان لفضل الصوم بعدة أمور والمقصود بالصوم المذكور هنا الصيام السالم من الشوائب؛ لذا يقول ابن حجر: "اتفقوا أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولاً و فعلاً" كما جاء في الحديث: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة. ورمضان إلى رمضان. مكفرات ما بينهن"، المراد هو الصيام التام والصلاة الكاملة وهذا ما يقرره شيخ الإسلام ويؤكده.

لماذا خص الله عز وجل الصوم بأنه له من دون العبادات "إلا الصوم فإنه لي" ؟

يقول القرطبي رحمه الله: "وإنما خص الله عز وجل الصوم بأنه له، وإن كانت العبادات كلها له بأمرين، باين الصوم بهما سائر العبادات:

أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات.

الثاني: أن الصوم سر بين العبد وربه، لا يظهر إلا له، ولهذا صار مختصا به وما سواه من العبادات ظاهر، فلربما فعله تصنعا ورياء".

يقول ابن عبد البر: "كفى بقوله الصوم لي فضلاً للصيام على سائر العبادات".

وقيل: إن الصوم لا يظهر من ابن آدم، إنما هو شيء في القلب، وذلك أن الأعمال لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم فإنه بالنية التي تخفى عن الناس، فالممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً أي في الصورة الظاهرة، لذا أضافه الله إليه".

ومن ذلك أيضاً: أن المراد بقوله "وأنا أجزي به" أني انفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس؛ لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه.

وقيل أيضا: سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يعبد به غير الله، فالجوع والعطش لم يتقرب بهما إلى أحد من ملوك الأرض ولا إلى الأصنام، بخلاف الصلاة والصدقة والطواف.

وقوله: "ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي":

المراد بالشهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، وفيه الصبر على مضض الجوع والعطش وترك الشهوات، طلبا لمرضاة الله.

وقوله: "للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه".

قال القرطبي: "معناه فرح بزوال جوعه وعطشه، حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم، وقيل إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه، وخاتمة عبادته وتخفيف من ربه ومعونة على مستقبل صومه".

" وإذا لقي ربه فرح بفطره" أي بجزائه وثوابه.

وقيل: الفرح الذي عند لقاء ربه إما لسروره بربه، أو بثواب ربه على الاحتمالين.

قال ابن حجر: "والثاني أظهر، إذ لا ينحصر الأول في الصوم، بل يفرح حينئذ بقبول صومه وترتب الجزاء الوافر عليه.

 وهذا الفرح عند فطره: هو أمر طبيعي جبلي؛ لأن النفس تتوق إلى الأكل والشرب وغيرهما من الممنوعات، ولا ينقص شيء من أجر الصيام ولا يخل به، وهو فرح جائز بنص الحديث.

قوله: "ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من  ريح المسك" :

الخُلوف – بضم الخاء - : تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام.

وهي رائحة كريهة عند الناس، لكنها عند الله أطيب من رائحة المسك؛ لأنها ناشئة عن عبادة الله وطاعته، وكل ما ينشأ عن عبادته وطاعته فهو محبوب عنده سبحانه، يُعوض عنه صاحبه ما هو خير وأفضل وأطيب.

وغير صحيح أن السواك يزيل رائحة الخلوف، لأن الخلوف ينبعث من المعدة لخلوها من الطعام.

وهذا دليل على عظم شأن الصيام عند الله، حتى إن الشيء المكروه المستخبث عند الناس يكون محبوباً وطيباً عند الله، لكونه نشأ عن طاعته بالصيام.

وهذا الحديث اختص الله فيه لنفسه الصوم من بين سائر الأعمال؛ وذلك لشرفه عنده ومحبته له وظهور الإخلاص له سبحانه فيه؛ لأنه سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه إلا الله، وأضاف الله الجزاء إلى نفسه الكريمة؛ لأن الأعمال الصالحة يضاعف أجرها بالعدد، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، أما الصوم الجزاء عليه إلى نفسه من غير اعتبار عدد وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين، والعطية بقدر معطيها، فيكون أجر الصائم عظيماً كثيرا بلا حساب؛ لأن الصوم صبر على طاعة الله وعن محارم الله وعلى أقدار الله المؤلمة.

وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ"متفق عليه وهذا لفظ البخاري. وفي رواية عند الترمذي وابن ماجه، و ابن خزيمة: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان, صُفِّدت الشياطين ومردة الجن, وغُلِّقت أبواب النار, فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" وحسنه الألباني.

قال القاضي عياض: "يحتمل  أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغوائهم فيصيرون كالمصفدين، ولعل الأول أظهر".

وقال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره: "فإن قيل كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً، فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟

فالجواب: أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهو المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسباباً غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الأنسية.

وقيل: في تصفيد الشياطين في رمضان، إشارة إلى رفع عذر المكلف، كأنه يقال له قد كفت الشياطين في رمضان عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية "

وما رواه سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل  منه أحد " متفق عليه.

وهذه خصوصية للصائمين، وهذا الإعلان الذي يظهر فيه الصائمون ويعرفون على رؤوس الأشهاد، إنه جزاء من جنس العمل، ألم يكن خالصاً لله، فإن الصيام لما كان سراً بين العبد وربه في الدنيا أظهره الله في الآخرة علانية للخلق، ليشتهر بذلك أهل الصيام، ويعرفوا بصيامهم بين الناس جزاء لإخفائهم الصيام في الدنيا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...