جعفر بن أبي طالب الشهيد ذو الجناحان

وجوه وأعلام
16 - رمضان - 1435 هـ| 14 - يوليو - 2014


1

 

 

انضمّ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه إلى ركب النور، هو وزوجته أسماء بنت عميس منذ أوّل الطريق, فقد أسلما على يدي الصديق رضي الله عنه قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم, ولقي الفتى الهاشمي وزوجته الشابة من أذي قريش ونكالها ما لقيه المسلمون الأوّلون, فصبرا على الأذى لأنّهما كان يعلمان أن طريق الجنّة مفروش بالأشواك محفوف بالمكاره, ولكن الذي كان ينغّصهما, وينغص إخوتهما في الله أنّ قريشاً كانت تحول دونهم ودون أداء شعائر الإسلام, وتحرمهم من أن يتذوّقوا لذّة العبادة, وعند ذلك استأذن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه رسول الله صلوات الله عليه بأن يهاجر مع زوجه ونفر من الصحابة إلى أرض الحبشة, فأذن لهم وهو مهموم حزين, فقد كان يعزّ عليه أن يُرغم هؤلاء الأطهار الأبرار على مفارقة ديارهم, ومبارحة مراتع طفولتهم, دون ذنب جنوه إلاّ أنهم قالوا: ربُّنا الله, ولكنه لم يكن يملك من القوّة ما يدفع به عنهم أذى قريش.

 

قضى جعفر بن أبي طالب هو وزوجته في رحاب الحبشة عند ملكها النجاشي الذي تميّز بعدله وصلاحه عشر سنوات, آمنين مطمئنين, وفي السنة السابعة للهجرة غادروا بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين متجهين إلى المدينة, فلمّا بلغوها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً لتوّه من غزوة خيبر بعد أن فتحها الله عليه.

 

ففرح بلقاء جعفر فرحاً شديداً حتى قال: "ما أدري بأيهما أنا أشدٌ فرحاً؟! أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟"رواه البيهقي في الشعب، وضعفه بعض العلماء، وحسنه الألباني، ولم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصة بعودة جعفر بأقل من فرحة الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

فقد كان جعفر شديد الحدب على الضعفاء, كثير البرّ بهم، حتّى أنّه كان يلقب بأبي المساكين, ولم يطل مكث جعفر بن أبي طالب في المدينة.

 

ففي أوائل السنة الثامنة للهجرة جهّز الرسول صلى الله عليه وسلم جيشاً لمنازلة الروم في بلاد الشام، وأمّر على الجيش زيد بن حارثة، وقال: إنْ قتل زيدٌ أو أصيب، فالأمير جعفر بن أبي طالب, فإن قتل جعفر أو أصيب فالأمير عبدالله بن رواحة رضي الله عنهم, فإن قتل أو أصيب فليختر المسلمون لأنفسهم أميراً منهم.

 

فلمّا وصل المسلمون إلى "مؤتة" جنوب الأردن, وجدوا أنّ الروم قد أعدّوا لهم مئة ألف، تساندهم مئة ألف أخرى من نصارى العرب.

 

أمّا جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف فقط, وما إنْ التقى الجمعان ودارت رحى المعركة حتّى خرَّ زيد بن حارثة صريعاً مُقبلاً غير مُدْبر, فما أسرع أن وثب جعفر بن أبي طالب عن ظهر فرس كانت له شقراء, ثمّ عقرها بسيفه حتّى لا ينتفع بها الأعداء من بعده, وحمل الراية وأوغَل في صفوف الروم وهو ينشد:

يا حــبّذا الجنّة واقترابُها

طيّبة وباردٌ شرابُها

والروم روم قد دنا عذابها

كافرة بعيدة أنسابُها

عليّ إذْ لاقَيتها ضِرابُها

 

وظلّ يجول في صفوف الأعداء بسيفه، ويصول حتّى أصابته ضربة قطعت يمينه, فأخذ الراية بشماله, فما لبث أن قطعت شماله, فأخذ الراية بصدره وعَضُديه, فما لبث أن أصابته ثالثة شطرته نصفين، فأخذ الراية عبدالله بن رواحة فما زال يقاتل حتى لحق بصاحبيه.

بلغ الرسول عليه السلام استشهاد قوّاده الثلاثة، فحزن عليهم أشد الحزن, وانطلق إلى بيت ابن عمّه جعفر بن أبي طالب، فألفى زوجته أسماء تتأهّب لاستقبال زوجها الغائب, فحيّا وقال لأسماء: ائتني بأولاد جعفر, فدعتهم له, فهبّوا نحوه فرحين, فأكبّ عليهم, وجعل يشمّهم وعيناه تذرفان من الدمع, فقالت أسماء:  يا رسول الله ــ بأبي أنت وأمّي ــ ما يبكيك؟!

أبلغك من جعفر وصاحبيه شيئ؟! قال: نعم. لقد استشهدوا هذا اليوم، عند ذلك غاضت البسمة من وجوه الصغار لمّا سمعوا أمُّهم تبكي وتنشج، أما رسول الله فمضى، وهو يكفكف عبراته ويقول: "اللهم اخلف جعفراً في ولده" رواه أحمد والطبراني وصححه الهيثمي. ثمّ قال: "لقد رأيت جعفراً في الجنّة له جناحان مضّرجان بالدماء, وهو مصبوغ القوادم"رواه الطبراني، وضعفه الهيثمي.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...