تقوى الله ومحبته والوفاء بالعهد

دعوة وتربية » سنن وفضائل
03 - ذو القعدة - 1435 هـ| 29 - أغسطس - 2014


1

يسعى المسلم للوصول لتقوى الله تعالى ومخافته، والسير على طريق الاستقامة،  والاستمرار على فعل الطاعات، والابتعاد عن طريق الغواية، و هجر الذنوب والمنكرات.

 ولكي ينجح العبد في المداومة على الطاعات والإحساس دائما بالتقوى، والخوف من الله تعالى و لكي تستمر ملكة التقوى عالية و مرتفعة عند المسلم، وهي التي تمنعه من ارتكاب المعاصي أو الوقوع في المنكرات فيمكن تذكر فوائد التقوى، وهي تدفع المسلم للصبر على طاعة الله عز وجل والبعد عن معصيته.  

وقد بشَّر الله تعالى عباده المتقين في كتابه الكريم ببشاراتٍ عديدة، تجعلهم يتنافسون للسير في طريق الاستقامة.

 وقد سبق الحديث عن معنى التقوى والتي هي ثمرة بعض العبادات ومنها الصيام، ومعنى اتقوا الله حق تقاته، وتم الحديث عن كيفية الوصول للتقوى،  وتم الحديث باختصار عن فوائد التقوى وثمراتها، واليوم نريد أن نتوسع لبيان العلاقة بين التقوى والوفاء بالعهد.

فمن ثمرات وفوائد التقوى أن الله تعالى يبشر المتقين بالحصول على محبته كما في قوله تعالى: "إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ"، وتم ذكر ذلك في الآية الرابعة من سورة التوبة "إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ"  ثم التأكيد على ذلك في الآية السابعة " كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ". وجاءت في الآية 76من سورة آل عمران: "بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ".

  وإذا تأملنا هذه الآيات فنجد أن محبة الله عز وجل التي يستحقها المتقون، تكون لمن أوفى بعهده، وذلك للتأكيد على الوفاء بالعهد، وأهميته، وليس للمسلم أن يخلف وعده حتى مع المشركين، وقد جاء الأمر بالوفاء بالعهد في آيات أخرى عديدة، مثل قوله تعالى في سورة الرعد: "إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ {13/19} الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ" وورد الأمر به واضحا في سورة النحل الآية 91: في قوله  تعالى: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) النحل 91 وقال تعالى: "وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً" الإسراء 17

     معنى الوفاء بالوعد أو العهد، في اللغة: وفى الشيء، يفي وفاءً: تـَمَ. وفى فلان نذره: أداه.  وفى بعهده: عمل به.   ويقال:  هذا الشيء لا يفي بذلك أي يقصر عنه. أوفى  بالوعد والعهد: وفَى. (راجع المعجم الوسيط  مادة ص1047).

     ومعنى الوفاء بالعهد: قيام المسلم بما التزم به؛ سواء كان قولاً أم كتابة.  فالتزامه بدين الله واتباعه لشرع الله ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلم وفاء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كل ما أحل الله وما حرم وما فرض في القرآن؛ فهو عهد". وخلق الوفاء عموما من الأخلاق الحسنة التي ينبغي للمسلم أن يتعودها، ويتربى عليها، ويكتسبها، فالخلق: عبارة عن هيئة راسخة للنفس يصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية.  والوفاء بالعهد باب مهم للوصول للتقوى.

     بل إن الوفاء بالعهد صفة من صفات الأنبياء والأولياء: فهو  أدب رباني حميد، وخلق نبوي كريم، وسلوك إسلامي نبيل، جعله الله صفة لأنبيائه: فقال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى، أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى، أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى" سورة النجم من 34  ـ 37. وذلك حين ابتلاه ربه بكلمات وأوامر ونواه؛ فأتمهن، وقام بهن، (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة/124} وذلك حين قدم ولده إسماعيل قرباناً تنفيذاً لأمر الله، وأيضا حين صبر على النار ابتغاء مرضاة الله. وقال تعالى مادحا نبي الله، إسماعيل: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا"  سورة مريم:54، فوعد أباه بالصبر حين قال له: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) سورة الصافات، ولم يخلف وعده الذي وعد أباه. وجعل الله الوفاء العهد صفة لأوليائه، فقال في أولي الألباب: (إنما يتذكر أولو الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) سورة الرعد:20.

و العهد ينقسم إلى قسمين: عهد بين الله تعالى، وبين الناس، وعهد بين الناس بعضهم بعضاً.

فأما العهود التي بين الله وبين الناس؛ فهي كثيرة:

فإيمان الفطرة عهد: قال تعالى: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ" [الأعراف:172].  

وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة عهد: قال تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) [البقرة:83]. والمعروضون هم أولئك الذين نكثوا عهدهم مع الله، وارتكبوا الإساءة وابتعدوا عن الإحسان وتهاونوا بشرع الله، بل وتركوا الصلوات بعد أن أبرموا عهداً مع الشيطان.

ونشر العلم وبيانه عهد: قال تعالى: "وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" [آل عمران:187].

     قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم؛ فمن تعلم علماً؛ فليعلمه للناس، وإياكم وكتمان العلم؛ فإن كتمان العلم هلكة،  فيا سعادة عالم ناطق ومستمع داع! هذا تعلم علماً فبلغه، وهذا سمع خيراً فقبله.

     وبيع النفس والمال بالجنة عهد، قال الله تعالى: "إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [التوبة:111]. قال شمر بن عطية: (ما من مسلم؛ إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة؛ وفى بها، أو مات عليها)، ثم تلا هذه الآية.   وجاء في "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تكفل الله لمن جاهد في سبيله؛ لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته؛ بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، مع ما نال من أجر وغنيمة)) متفق عليه.

وقال الحسن البصري في الكلام على هذه الآية: (بايعهم الله فأغلى ثمنهم ).

وقال بعض العلماء: عونك اللهم! فإن العقد رهيب، إنها صفقة غالية، المشتري فيها هو الله، والبائع هو المؤمن، والمبيع فيها هو النفس والمال، والثمن هو الجنة، والطريق إليها هو الجهاد، والنهاية النصر أو الاستشهاد؛ فالجهاد في سبيل الله ماض، والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء؛ فعونك اللهم!

     وأما العهود التي بين الناس بعضهم بعضاً؛ فهي كثيرة أيضاُ؛ فإذا اتفق اثنان على أن يقوم كل منهما للآخر بشيء؛ يقال: إنهما تعاهدا: فعقد الزواج عهد: قال صلى الله عليه وسلم: ((إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج)) رواه مسلم،  فلابد للمسلم أن يؤدي ما التزم من الشروط على عقد الزواج؛ لأنه استحل بها الفرج؛ فأيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر، ليس في نفسه أن يؤديها حقها؛ فقد خدعها، ووقع تحت طائلة العقاب.

وتربية الأولاد عهد: قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة" [التحريم:6]. فمن أهملهم؛ لم يوف بما عهد إليه.

     ومن العهود التي ينبغي للمسلم الوفاء بها: حق الجار، وحقوق المسلم على المسلم، وعلى إخوانه المسلمين، ولا بد أن يبتعد المسلم عن أضرار أو نتائج خلف الوعد، فخلف الوعد من علامات النفاق، وقد دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين آية المنافق ثلاث: (إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا أؤتمن خان) ومن خالف يعد من المنافقين إذا خلف الوعد.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

كيفية الوصول للتقوى

كيفية الوصول لحق التقوى

ثمرة الصيام التقوى

الصيام وتحقيق التقوى في حياة المسلم

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...