غزة من هولاكو إلى نتنياهو!

كتاب لها
06 - ذو القعدة - 1435 هـ| 31 - أغسطس - 2014


1

نتابع ما يجري في غزة وتلفنا مشاعر كثيرة، هي خليط من الدهشة والإعجاب، التفاؤل والشفقة، الخوف واليقين بنصر الله. قائدنا في كل هذه المشاعر المختلطة هو أسطورة إنسان غزة (رجلا وامرأة، طفلا وشيخا).. يبكون ويتألمون؛ لكنهم لا يحنون رؤوسهم!

 

حالة فريدة ومثالية في الصمود والعزة التي لا يعرفها إلا المسلم الحقيقي، الموصول بربه، المتيقن من موعوده بالنصر المبين. فالمدهش حقا أن كل أهل غزة على قلب هذا المؤمن المتفائل، الذي تسيل دموعه، وهو يجدد العهد مع ربه بأن يبذل الغالي والرخيص دفاعا عن أرض الإسلام، ويَعدنُا بالصلاة في المسجد الأقصى قريبا.

 

هل يجوز لمثلي أن يرى إنسان غزة خَلقا فريدا فوق البشر ودون الملائكة؟! لقد استحق إنسان غزة أن يكون فوق البشر بما يقدمه من صمود، فهو يملك روحا تواقة إلى المعالي. يُهدم بيته وتُجرف أرضه وتقتل أسرته، ولا تهتز نبرة صوته الواثقة من نصر الله حين تبللها دموع اليقين!. ودون الملائكة لأنه يصرخ أحيانا مثلنا ويتألم أحينا أخرى، لكنه لا يمنح عدوه فرصة الشماتة في ضعفه، فيلعق جراحه ويبدو فارسا مقاتلا!

 

 القارئون للتاريخ سيدركون دور إنسان فلسطين في الدفاع عن شرف الأمة، حين شارك بقوة في كسر أشرس طواغيت الأرض (هولاكو) في معركة عين جالوت التي أبهرت العالم، بما فيهم المغول أنفسهم حين كسرتهم ومحت وجودهم من بلاد الإسلام.

 

مساحات التشابه كثيرة ومتشعبة بين هولاكو ورؤوس الكيان الصهيوني الذي يمثله حاليا في نتنياهو، أبرزها شعور القوتين أنهما فوق كل القوى، وأنهما قوتان لا قاهر لهما، أن وراءهما جهازا إعلاميا كبيرا بعضه من بني جلدتنا، ويكفيك أن تعرف أن الذي صاغ رسالة الرعب والإرهاب التي أرسلها هولاكو للقائد المسلم قطز، هو الرافضي نصير الدين الطوسي، وهي رسالة في غاية البراعة والبلاغة في التصوير الذي يوقع الرعب والهلع في قلب قارئها، والمفارقة أنها تتضمن آيات من القرآن الكريم، تماما كما يفعل إعلام العدو الصهيوني وأذرعه المتشعبة بيننا حاليا!

 

وإليك بعض ما جاء في رسالة هولاكو بما تحمله من تهديد ووعيد وقد كُتبت بيد عربية ومداد عربي: "بسم إله السماء الواجب حقه، الذي ملكنا أرضه، وسلطنا على خلقه. الذي يعلم به الملك المظفر الذي هو من جنس "المماليك".. صاحب مصر وأعمالها.. أنّا جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غيظه.. سلّموا إلينا أمركم.. قبل أن ينكشف الغطاء، ويعود عليكم الخطأ.. فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى.. فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد.. فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب.. فأي أرض تأويكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ وأي ذلك ترى؟ ولنا الماء والثرى؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من أيدينا مناص فخيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق، وسهامنا لواحق.. وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال!

 

إنها الحرب الإعلامية إذن.. من هولاكو إلى نتنياهو الذي خرج إعلامه ليقول: إن الفلسطينيين الإرهابيين يخربون مدينة القدس ويؤذون الأقصى، أما نحن ـ الصهاينة ـ نحفظه لعلمنا أن فلسطين بلاد مقدسة لدى المسلمين!

 

وتشتعل معركة عين جالوت بقيادة قطز، حين خرج يوم الاثنين الخامس عشر من شعبان سنة 658 هـ - 1260م بجميع جنود مصر، ومن انضم إليهم من جنود الشام ومن العرب والتركمان وغيرهم من قلعة الجبل في القاهرة، ثم التقى الفريقان في عين جالوت بفلسطين في 25 رمضان 658 هـ الموافق3 سبتمبر 1260 م.

 

وفي المعركة تمكن المغول من الوصول إلى زوجة قطز، وأصابوها بجرح قاتل، فأسرع إليها قطز وهو يقول: وازوجتاه، فردت عليه لا تقل ذلك، بل قل: وا إسلاماه ثم لفظت أنفاسها وتوفيت متأثرة بجراحها.. فتركها القائد قطز وهب إلى أعدائه، وألقى بخوذته عن رأسه إلى الأرض وصرخ بأعلى صوته "واإسلاماه"، واشتعلت المعركة بشراسة لنتتهي بهزيمة المغول هزيمة غير متوقعة، سواء من جانبهم أو حتى من جانب قطز ومن معه!

 

وسواء تمكن الفلسطينيون من هزيمة الجيش الصهيوني حاليا، أو مهدوا لخطوة كبيرة على طريق هزيمته في المستقبل، فأجيال المسلمين ستظل تذكر للفلسطينيين أنهم تولوا الدفاع عن المقدسات، وعن ديار الإسلام في مراحل التاريخ المختلفة، ويكفيهم عزة وفخرا أنهم حافظوا على بقاء الحاجز النفسي مع العدو الصهيوني، وأحيوا القضية ليتشبع بها أطفال المسلمين في كل مكان، حتى إذا جاء وعد الله، وانهمر السيل المؤمن جرف بذرة الفساد، لتشرق فلسطين بأنفاس المؤمنين الذين يعمرون مسجدها، ويثبتون العدل والحق في أركان الأرض.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...