إلا الأطباء.. لا ناصر لهم!

كتاب لها
26 - ذو القعدة - 1435 هـ| 21 - سبتمبر - 2014


1

لماذا أخطاء الأطباء هو حديث الساعة الأبدي الأزلي في مجتمعي؟!

أنا أخبركم لماذا؟!

فلو استوقفت رجلاً في الشارع وسألته أن يعدد أسماء الوزارات في بلده، أو أسماء الوزراء لفشل في ذلك،ولكن الجميع سيذكر وزارة الصحة. لماذا؟!

فمعظمنا إن لم يكن جميعنا فتحنا أعيننا في منشآتها، وسيتوفانا الله في مرافقها، وما بين البداية والنهاية يوجد الكثير الكثير من العلاقات، فهي تمثل بيتنا الثاني،وفي بيتي أعرف كل شبر فيه، وأنظر في أعطابه في ألم، و أتمنى صيانتها اليوم قبل الغد.لكنني أرى بيوت الآخرين براقة مزدهرة، لا ينقصها شيء، بينما حين تجالس أصحابها تكتشف أنهم يعانون أعطابا أكثر مما تعاني.

لذا استطاع بعض الوزراء الحفاظ على حقيبتهم الوزارية لعقود، إلا وزارة الصحة،  عيي (يصعب) على الوزير الاحتفاظ بها طويلا، وهذا حالها في كل دول الخليج، بل كل دول العالم أجمع.

كنت حديثة تخرج، بل في سنة الامتياز،  غشيت مجلسا ورغم حرصي على عدم التعريف بمهنتي، إلا  إن مما يميز مهنة الطب من دون المهن، أنه يعلن عن مهنته على الملأ، وقبل أن يصل  إلى  باب الدخول، وإن تأخر الإعلان العلني، تتلاقط أذناك همسات تعريفك يمينا وشمالا.ولم أكد  أستقر  في مقعدي إلا وفتحت جبهة ساخنة ضد وزارة الصحة وأدائها، ونصبت في وجه المدفع،وحمى الوطيس، ولم أستطع التخلص منه إلا بتدخل أمي رحمها الله:إذا كان عندكم شكوى وانتقادات  واقتراحات تقدموا بها إلى وزير الصحة نفسه، وليس إلى هذه الضعيفة المسكينة.

وماذا حدث بعدها؟!

توفيت أمي رحمها الله، وبقيت وحدي أنافح عن وزارة الصحة.



     وحالي هذا هو حال كل طبيب يغشى مجالس الناس للأنس بهم، وهربا من متاعب العمل، فإذا هذه المجالس تنقلب إلى محاكم تفتيش ضده، ويقوم بالنفح عن وزارته.فلا هو سيحصل على خطاب شكر من الوزارة لجهوده المضنية، ولا هو يتحصل على رضى الناس الذين لا يعجبهم أحد يقول كلمة حق،فإذا كانت النخب الفكرية لا ترحب بأي رأي مخالف لها، فكيف بعامة الناس.

     أما معاناة الأطباء مع الإعلام، فلا تقل مرارة عن معاناتهم مع الناس،  فإعلامنا لا يرى من عيوب مؤسسات الدولة إلا  أخطاء الأطباء، وكان الأمر أشد قسوة قبل زمن الشفافية.

فالشفافية الوحيدة المتاحة في ذلك الزمان هو نقد اﻷطباء، وكل نقد في أي أمر آخر هو خط أحمر يلتزم الجميع به.

أذكر لكم مثالا عنه:تحت عنوان عريض مثير، وفي صفحة إستراتيجية وبحجم نصف صفحة، قرأت شكوى ضد مركز طب الأسنان في مستشفى الدمام المركزي،فدفعني الفضول لقراءته، ومن أول خمسة أسطر منه، تبين لي أن الشكوى غير صحيحة، والمعلومات مغلوطة ومتضاربة،ثم تابعت قراءة الشكاوى التي تنشر بصفة يومية، ففي ذلك الزمان  كانت أخطاء الأطباء مصدر  إثارة،  وزيادة رزق للإعلام، فاكتشفت أن الكثير من الشكاوى غير صادقة، ويستطيع طالب في السنة الأولى طب أن يكتشف اﻷخطاء الواردة في الخبر،فيبدو أن  إعلامنا مختطف  بيد  فئة تستلذ في طعن كبش الفداء الوحيد المتوفر في البلد.

كيف وصلت إلى هذا الحكم؟!

ابحث في النت. كم مقال يتحدث عن الأخطاء الطبية؟! وكم مقال يبحث عن معاناة الأطباء وصعوبات بيئة العمل التي تسببت في هذه الأخطاء، أو  كم مقال يشكرون فيه الأطباء.

يا قوم الأطباء بشر، ومثل بقية المهن، منهم المخلص والأمين، ومنهم الفاسد، والأطباء يا سادة لم يأتوا من القمر، فهم نتاج مجتمعهم، وكل إناء بما فيه ينضح.

ستقولون خطأهم لا يغتفر، فبين أيديهم أرواح تزهق.

  فسأقول: نعم لتصحيح أخطاء الأطباء، ومعاقبة المهمل والمفسد. لكن لماذا كل الأخطاء الطبية تقع  على كاهل الطبيب وحده؟!، و يخرج بقية الهيكل الطبي الذي ساهم أعضاؤه في هذا الخطأ بشكل مباشر أو غير مباشر، يخرجون من إلقاء اللوم أو الغرامة مثل الشعرة من العجين.

لماذا الأطباء  كبش فداء لغيرهم، يعلقون عليهم أخطاءهم، وهم الطوفة الهبيطة (الحائط القصير أو المائل) التي يسهل تسلقها بين الجدران الضخمة المنيعة المحصنة حولها.

 فالكل له ناصر، إلا الأطباء لا ناصر لهم.

ولأدلكم على رقي الأطباء وحسن خلقهم.

كيف كان تفاعلهم مع هذه الاتهامات؟!!

...لا شيء!!

 فقط يستمرون في العمل بكل  إخلاص،فهؤلاء ثلة يعملون بصمت، ولا يلتفتون لهذا الضجيج الإعلامي، فيما يتصارع مفكرونا على ساحات التواصل الاجتماعي، ثم قاعات المحاكم لنصرة أنفسهم. لذا ـ ونصرة لأطبائناـ  أقترح  أن تُدمج وزارة الصحة بوزارة الداخلية لعل وعسى يحصل أطباؤها على بعض من الحصانة والهيبة.

حفظ الله أطباءنا من الخطأ، ومن دسائس السوء ما ظهر منها وما بطن.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...